اليوم : 4 أبريل , 2009

الواحدي النيسابوري رحمه الله

الواحدي النيسابوري رحمه الله
إحدى الحصون القديمة بمدينة ساوه

إحدى الحصون القديمة بمدينة ساوه


اسمه ونسبه:
علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي النيسابوري. كان من أولاد التجّار من ساوه، وكان أوحد عصره في التفسير. كان إماماً, عالماً, بارعاً, محدثاً.

أصله:
 من "ساوه" من قرى نيسابور بخراسان.
والواحدي : نسبة إلى الواحد بن الديل ابن مهرة .

ساوه :
قال ياقوت الحموي في معجم البلدان:
ساوَه: مدينة حسنة بين الري وهمذان… وبقربها مدينة يقال لها آوه , " فساوه " سُنية شافعية, و "آوه" أهلها شيعة إمامية , وبينهما نحو فرسخَين ولايزال يقع بينهما عصبية, ومازالتا معمورتين إلى سنة 617, فجاءها التتر الكفار, فخُبّرتُ أنّهم خرّبوها وقتلوا كلّ مَن فيها ولم يتركوا أحدا… وكان بها دار كتب لم يكن في الدنيا أعظم منها بلغني أنهم أحرقوها .
و" ساوة " من المدن العريقة جدا , نجد ذكرها في النصوص القديمة ؛ وفي حديث سطيح في أعلام النبوة: إذا كثرت التلاوة ، وظهر صاحب الهراوة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وخمدت نار فارس ، فليس الشام لسطيح شاما ، يملك منهم ملوك وملكات ، على عدد الشرفات ، وكل ما هو آت آت .
هذا الحديث و إن قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام: "حديث منكر غريب".
لكن فيه دلالة إلى قدم استعمال لفظ " ساوه " في النصوص القديمة.
قال ابن كثير: والمشهور أنه (سطيح) كان كاهنا، وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن نعته ومبعثه.
وقد ذكرمدينة ساوه محمد بن خليفة السنبسِي فقال:
ألا يا حمام الدوح دوح نُجارة … أفِقْ عن أذى النجوَى فقد هجتَ لي ذكرا
علامَ يُنديك الحنين ولم تضع … فراخاً ولم تفقِدْ على بعدٍ وكرَا
ودوحك ميالُ الفروع كأنَما … يقل على أعواده خيماً خضرَا
ولم تدرِ ما أعلام مَرْو وساوَةٍ … ولم تمس في جيحون تلتمس العُبرا

وقد نُسِب إليها طائفة من أهل العلم. منهم أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف الساوي, وخيثمة بن سليمان ، وعبد الرحمن بن أحمد بن علك الساوي، وعبد الله بن محمد بن عبد الجليل القاضي.

طفولته:
كان الواحدي رحمه الله منذ نعومة أظفاره مشتغلا بما يعنيه وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يعنيه.
أنفق صباه وأيام شبابه في التحصيل، فأتقن الأصول على الأئمة، وطاق على أعلام الأمة .
وألقى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلى أن قطفها. وقلما يعرض على الرواة ما يصوغه من نسمات الأشعار، ويبدي ما يفتح كمامها عن النوار …
نشأ الإمام الواحدي نشأة علمية في نيسابور والتي كانت تموج بحركة علمية، ونشاط فكري في زمانه.
و يظهر لنا بوضوح أن الواحدي قد لقي عناية جيدة منذ صغره ، والذي يؤكد لنا ذلك ما قاله الواحدي نفسه: "… فقد وفّق الله وله الحمد، حتى اقتبستُ كلّ ما احتجتُ إليه في هذا الباب من مظانه وأخذتُه من معادنه، أمّا اللغة فقد درستُها على الشيخ أبي الفضل, وكنتُ قد لازمتُه سنين أدخلُ عليه عند طلوع الشمس وأخرجُ لغروبها، أسمعُ وأقرأ وأعلّقُ وأحفظُ وأبحثُ وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأتُ عليه الكثير من الدواوين واللغة …
وقد ساهمت هذه النشأة العلمية المبكرة في تكوين الواحدي وإنضاجه، تعليمه من كبار رجال عصره من المحدثين والفقهاء و الأدباء …

شيوخه:
1ـ أبو إسحاق الثعلبي.   
2ـ أبو الحسن الضرير.
3ـ أبو طاهر بن مَحْمِش.
4ـ القاضي أَبو بكر الحِيرِيّ.
5ـ محمد بن إبراهيم المزكِّي.
6ـ عبد الرحمن بن حَمدان النَّصروي.
7ـ إِسماعيل بن إِبراهيم الواعظ.
8ـ أَحمد بن إِبراهيم النَّجَّار.

من تلاميذه:
قصده الطلاب من كل أوب وصوب لتلقي العلوم والمعارف , لأنه كان أوحد زمانه في الحفظ والإتقان.
قال عبدالغافر: قعد للإفادة والتدريس سنين، وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرءوا عليه وبلغوا محل الإفادة.
ولا شك أن تكوين الرجال لا يقلّ أهمية عن تأليف التصانيف، وتسويد الصحف، وتلاميذ الواحدي امتداد لعلمه ومنهجه، وأثر بارز من آثاره العلمية .
حدّث عنه: أَحمد بن عمر الأرغياني، وعبد الجبّار بن محمد الخواري، وطائفة أكبرهم الخواري.

مؤلفاته:
صنّف التفاسير الثلاثة:(البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز) وقد أخذ منه الإمام الغزالي هذه الاسماء وسمى بها تصانيفه في الفقه.
و كتاب(أَسباب النُّزول) و (التّحبير في الأسماء الحُسنى)، و(شرح ديوان المتنبي).
وله أيضا: كتاب(الدعوات)، وكتاب(المغازي)، وكتاب(الإغراب في الإعراب)، وكتاب(تفسير النّبي – صلّى الله عليه وسلم -)، وكتاب(نفي التّحريف عن القرآن الشريف.

ثناء العلماء عليه:
قال الإمام الذهبي : الإمام، العلامة، الأستاذ، أَبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحديّ، النَّيسابُوريُّ، الشَّافعيّ، صاحب(التفسير)، وإمام علماء التّأويل، من أولاد التجّار. وأحد من برع في العلم. وكان رأساً في اللغة و العربية.
قال ابن الجزري : إمام كبير علاّمة.
ذكر السيوطي في طبقات المفسرين: أنه كان واحد عصره في التفسير.

أهم ملامح شخصيته:
كان أستاذ عصره في النحو والتفسير، ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها.
قال عبد الغافر: فأما أبو الحسن فهو الإمام المصنف المفسر النحوي، أستاذ عصره وواحد دهره، أنفق صباه وأيام شبابه في التحصيل، فأتقن الأصول على الأئمة، وطاق على أعلام الأمة، وتتلمّذ لأبي الفضل العروضي الأديب، وسافر في طلب الفوائد، ولازم مجالس الثعالبي في تحصيل التفسير، وأدرك الرمادي وأكثر عن أصحاب الأصم وأخذ في التصنيف، وأحسن كل الإحسان في البحث والتنقير، وقعد للإفادة والتدريس سنين، وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرءوا عليه وبلغوا محل الإفادة، وكان حقيقاً بكل احترامٍ وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزدرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بماضيهم، عفا الله عنا وعنه.
قال الذهبي : وقد سمعتُ أَحمد بن محمد بن بشّار يقول: كان الواحدي يقول: صنَّف السُّلَمِيّ كتاب(حقائق التَّفسير)، ولو قال: إِنّ ذلك تفسير القرآن لَكفَّرتُه.
ثم قال الذهبي: الواحديُّ معذور مأجُور.
وله شعر رائق. تصدر للتدريس مدة، وعظم شأنه.

علومه:
كان فقيهاً، مقرئا , محدثا , شاعراً، إماماً في النحو واللغة والأدب، وأما التفسير فهو إمام عصره فيه. أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي الأديب ، والنحو عن أبي الحسن القهندري الضرير.
روى القراءة عن علي بن أحمد البستي و أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي.

من شعره:
أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً … بقيت على الأيام ما هبت الصبا
لعمري لئن أحيا قدومك مدنفاً … بحبّك صبا في هواك معذبا
يظلّ أسير الوجد نهب صبابةٍ … ويمسي على جمر الغضا متقلّبا
فكم زفرةٍ قد هجتها لو زفرتها … على سدّ ذي القرنين أمسى مذوبا
وكم لوعة قاسيتُ يوم تركتَني … ألاحظ ُمنك البدر حين تغيبا
وعاد النهار الطلق أسود مظلماً … وعاد سنا الإصباح بعدك غيهبا
وأصبح حسن الصبر عنى ظاعناً … وحدد نحوي البين ناباً ومخلبا
فأقسم لو أبصرت طرفي باكياً … لشاهدت دمعاً بالدماء مخضبا
مسالك لهوٍ سدها الوجد والجوى … وروض سرورٍ عاد بعدك مجدبا
فداؤك روحي يا بن أكرم والدٍ … ويا من فؤادي غير حبّه قد أبى

دخل على الشيخ الإمام أبي عمر سعيد بن هبة الله الموفق، وأنشد هذه الأبيات:
إن الربيع بحسنه وبهائه … يحكيهما خط الرئيس أبي عمر
خط غدا ملء العيون ملاحةً … متنزهاً للحظ قيداً للبصر
وسأله عبد الكريم الجبلي أبياتاً يصف فيه خطه فقال:
لعبد الكريم خطوط أنيقه … يحبرهن بحذق ونيقه
يطرز بالخط قرطاسه … كما طرز السحب لمع العقيقة
سطور إذا ما تأملتها … تخيلت منها غصوناً وريقه
وغارسها مرهف ناحل … يمج عليها بسنيه ريقه

 العاشق:
أنصح كل طالب وباحث أن يقرأ بإمعان ما كتبه الإمام أبو الحسن الواحدي في مقدمة كتابه "البسيط":
… فقد وفق الله وله الحمد، حتى اقتبستُ كلّ ما احتجتُ إليه في هذا الباب من مظانه وأخذتُه من معادنه، أمّا اللّغة فقد درستُها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي رحمه الله.
وكنتُ قد لازمتُه سنين أدخلُ عليه عند طلوع الشمس وأخرجُ لغروبها، أسمعُ وأقرأ وأعلّقُ وأحفظُ وأبحثُ وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأتُ عليه الكثير من الدواوين واللغة حتى عابني شيخي – رحمه الله – يوماً وقال: إنك لم تبق ديواناً من الشعر إلا قضيتَ حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرؤه على هذا الرجل الذي تأتيه البعداء من أقصى البلاد وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي…
وأما النحو فإنّي لمّا كنتُ في ميمة صباي وشرخ شبيبتي وقعتُ إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية وحقائقها، ولعله تفرّس فيّ, وتوسم الخير لدي، تجرّد لتخريجي وصرف كدّه إلى تأديبي ولم يدخر عنّي شيئاً من مكنون ما عنده حتى استأثرني بأفلاذه، وسعدتُ به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأتُ عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقتُ عنه قريباً من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل… ثم ورد علينا الشيخ أبو عمران المغربي المالكي وكان واحد دهره وباقعة عصره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعناه شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبتُه مدةً في مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده، وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي رحمه الله وقرأت عليه القرآن ختماتٍ كثيرةً لا تحصى…
ثم ذهبتُ إلى الإمامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي، وكانا قد انتهت إليهما الرياسة في هذا العلم، وأشير إليهما بالأصابع في علو السن ورؤية المشايخ وكثرة التلامذة وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد والوثوق بها، فقرأت عليهما وأخذتُ من كلّ واحدٍ منهما حظّاً وافراً بعون الله وحسن توفيقه…
ثم فرغتُ للأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله، وكان خير العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل درّهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمّة بل صدرهم، وله التفسير الملقّب بالكشف والبيان عن تفسير القرآن، الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار
فسار مسير الشمس في كل بلدةٍ … وهب هبوب الريح في البر والبحر
وأصفقت عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقروا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنّه منقطع القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته ليستدل بها على أنه كان بحراً لا ينزف، وغمراً لا يسبر، وقرأتُ عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزءٍ، ولو أثبت المشايخ الذين أدركتُهم واقتبستُ عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطأتها طال الخطب وملّ الناظر…
ثم قال بعد كلامٍ: إن هذا الكتاب عجالة الوقت، وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها الرجل حيث حلّ وارتحل، وإن أنسئ الأجل وأرخى الطول، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار، أردفته بكتاب أنضجه بنار الروية، وأردده على رواق الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته، ولطائف ما جمعته، وعلى الله المعول في تيسير ما رمتُ، وله الحمد كلّما قعدتُ أو قمتُ.

وفاته:

مات بنيسابور في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وأربع مائة.
رحمه الله رحمة واسعة, وجزاه عنا خير الجزاء.

الكاتب: الشيخ عبد الحميد جمعة

****************************************************
من مراجع البحث:

سير أعلام النبلاء للذهبي – (ج 35 / ص 309)
طبقات الشافعية – لابن قاضي شهبة (ج 1 / ص 42)
قصة الإسلام
معجم البلدان ـ ياقوت الحموي ـ (ج 2 / ص 423)
العبر في خبر من غبر ـ للذهبي ـ (ج 1 / ص 216)
دلائل النبوة للبيهقي – (ج 1 / ص 54)
السيرة النبوية لابن كثير – (ج 1 / ص 220)
دمية القصر وعصرة أهل العصر – الباخرزي (ج 1 / ص 161)
غاية النهاية في طبقات القراء – لابن جزري (ج 1 / ص 233)
وفيات الأعيان – لابن خلكان(ج 3 / ص 303)

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات