اليوم : 27 ديسمبر , 2008

قبسات من حياة الإمام سعيد بن المسيب

قبسات من حياة الإمام سعيد بن المسيب

Imageلا شك أن العلماء ورثة الأنبياء، والقائمون في الأمة مقامهم ،والمضطلعون بدورهم،وعيون الجماهير دائمًا متتطلعة إليهم، معلقة بهم، خاصة وقت الأزمات والبلايا، وكلما كان العالم الزاهد الرباني منظورًا إليه، مقتدى به، كانت التبعة أعظم والمحنة أشد؛ فالعالم الرباني هو رجل الأمة بل هوأمة بنفسه كما كان إبراهيم عليه السلام أمة قانتا ، وهودليل العامة ، ودرع الحق والشرع الذي يحمي بيضة الدين،

——————————————————————————–

لا شك أن العلماء ورثة الأنبياء، والقائمون في الأمة مقامهم ،والمضطلعون بدورهم،وعيون الجماهير دائمًا متتطلعة إليهم، معلقة بهم، خاصة وقت الأزمات والبلايا، وكلما كان العالم الزاهد الرباني منظورًا إليه، مقتدى به، كانت التبعة أعظم والمحنة أشد؛ فالعالم الرباني هو رجل الأمة بل هوأمة بنفسه كما كان إبراهيم عليه السلام أمة قانتا ، وهودليل العامة ، ودرع الحق والشرع الذي يحمي بيضة الدين، ويذب عن حياضه، وبثباته على الحق يثبت الكثيرون، وبتهاونه يضيع أيضًا الكثيرون، لذلك ما من عالم رباني قام في الأمة أوسيقوم في المستقبل  إلا تعرض ويتعرض لكثير من المحن والابتلاءات، وهذه محنة واحد من سادتهم وأكابرهم. وهو سيد التابعين وقدوة السلف، فقيه الفقهاء السبعة، جبل العلم، وآية الحفظ، الشيخ الكامل، والعالم العامل، الزاهد العابد، الإمام العلامة أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو القرشي المخزومي المدني.

ولد سعيد في أواخر خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بالمدينة، ورغم نسبه القرشي في أعرق بطونها إلا أنه نشأ بالمدينة وترعرع وظل بها طوال حياته لم يفارقها أبدًا إلا لحج أو عمرة أو جهاد، وكانت المدينة وقتها درة الأمصار الإسلامية، بها ثلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضوان الله عليهم، فاستغنى سعيد بن المسيب بالمدينة عن غيرها، وانقطع لمن بها من الصحابة، فجلس إلى أعلامهم ونهل من علومهم وأخذ أيضًا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شدة اهتمامه بالعلم وبحب النبي صلى الله عليه وسلم أحبه الصحابة جميعًا وأثنوا عليه، وزوَّجه أبو هريرة رضي الله عنه لإبنته، واصطفاه بالرعاية والعناية، وحمل سعيد بن المسيب حديث أبي هريرة كله وهو الأكثر رواية من بين الصحابة، كما اختص سعيد بن المسيب بابن عمر رضي الله عنهما وحمل عنه علم أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خاصة أقضيته الشهيرة، حتى برع فيها، وصار الناس يسألونه عنها في حياة ابن عمر.

كان سعيد بن المسيب إمامًا من كبار علماء الأمة، وممن جمع بين العلم والعمل، فلقد كان عابدًا ورعًا تقيًا مشهورًا بالمحافظة على صلاة الجماعة والصف الأول وتكبيرة الإحرام حتى قال عن نفسه: ما أذن المؤذن من ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، وما فاتتني الصلاة في الجماعة منذ أربعين سنة، حتى أن الطاغية مسلم بن عقبة المري لما استولى على المدينة سنة 63هـ في موقعة الحرة منع الناس من الصلاة في المسجد النبوي، فخاف الجميع منه ما عدا سعيد بن المسيب الذي رفض أن يخرج من المسجد النبوي ويترك صلاة الجماعة، وكان أيضًا مشهورًا بسرد الصوم وقيام الليل، وكثرة الذكر، والزهد الشديد حتى قال عن نفسه: ما أظلني بيت بالمدينة بعد منزلي، إلا أن أزور ابنة لي، فأسلم عليها أحيانًا، وقد زوَّج ابنته تلك بثلاثة دراهم لتلميذه كثير ابن أبي وداعة.

ثناء الناس عليه:

الإمام سعيد بن المسيب رضي الله عنه ورحمه الله ليس مشهورًا عند جمهور المسلمين، بالرغم إنه من أئمة المسلمين وسادتهم، ومن أعلامهم الكبار، الذين شهد لهم أهل العلم وأنزلوهم منازلهم، وعرفوا قدرهم، وهذه بعض أقوال أهل العلم في الإمام سعيد بن المسيب:

قال مكحول الدمشقي: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدًا أعلم من سعيد بن المسيب.

قال يحيى بن حبان: كان رأس المدينة في دهره، المقدم عليهم في الفتوى ويقال: فقيه الفقهاء.

قال قتادة: ما رأيت أحدًا أعلم بالحلال والحرام من سعيد بن المسيب.

سئل القاسم بن محمد وهو أحد فقهاء المدينة السبعة عن مسألة فقال للسائل: أسألت أحدًا غيري؟ قال: نعم، عروة وفلانًا وسعيد بن المسيب، فقال: أطع ابن المسيب فإنه سيدنا وعالمنا.

قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، هو عندي أجل التابعين.

قال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم في أبي هريرة.

وقد اتفق أهل العلم على قبول مرسلات سعيد بن المسيب والحكم عليها بالصحة، وتقف على سائر مرسلات التابعين، ومرسلات سعيد لها حكم الموصول والمرفوع.

محنته:

لقد كان الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله من سادات التابعين وعلمًا من أعلام المسلمين، ممن كمل حاله وجمع الله عز وجل فيه من خصال الخير كله من العلم والعمل، فلقد كان بحق عالمًا عاملاً، لا يخاف في الله لومة لائم، صادعًا بالحق أمارًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا يهاب خليفة ولا أميرًا، مجافيًا لأبوابهم معتزًا بعلمه، صائنًا لعرضه، شديد الانتقاد لأي مظهر من مظاهر الخروج على الشرع والحق، ومن كانت هذه خصاله فحري به أن يمتحن ويتعرض للمحنة تلو الأخرى، ومع ذلك لا ينال البلاء من عزيمته ولا تلين المحنة شيئًا من صلابته في الحق، حتى أن الحجاج الثقفي على جبروته وطغيانه كان يهاب من الإمام سعيد، ولا يجرؤ على تحريكه أو حتى مخاطبته.

محنة الإمام سعيد مع بني مروان:

عاصر الإمام سعيد بن المسيب عهد الخلفاء الراشدين عثمان وعلي رضي الله عنهما ومن بعدهما معاوية رضي الله عنه، وجالس الصحابة وعاشرهم واستفاد من علومهم ثم رأى بعد ذلك تبدل الأحوال وتغير الناس، ورأى الاقتتال على الملك فلم يرض على سياسة بني مروان، فآل على نفسه ألا يسكت على ظلم يراه ومنكر يظهر، ورفض أن يأخذ عطاءه من بيت المال، واستغنى عن ذلك كله وكان يقول: لا حاجة لي فيه، حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان.

كانت أولى محنه مع الظالمين سنة 63هـ عندما وقعت فاجعة الحرة بأهل المدينة وانتهك جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة المري حرمة المدينة، وأخذ الطاغية مسلم بن عقبة المري في استعراض الناس على السيف، فقتل منهم المئات، وأحضر الإمام سعيد بن المسيب بين يديه، فقال له: بايع، فقال سعيد: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فغضب الطاغية من ذلك؛ لأن الطغاة عبر العصور تؤرقهم وتقض مضاجعهم سيرة العمرين وأخبار العدل والإحسان في عهدهما، فغضب الطاغية وأمر بضرب عنقه، فقام أحد أعيان المدينة وشهد أن الإمام سعيد مجنون لا يقبل منه، فأعرض عنه الطاغية وتركه.

ولما استوثق الأمر لابن الزبير رضي الله عنهما سنة 64هـ، أرسل جابر بن الأسود واليًا من طرفه على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس ـ يقصد في جميع الأمصار ـ فضربه ستين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد.

وفي سنة 84هـ توفي عبد العزيز بن مروان بمصر وكان ولي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فدعا الناس إلى مبايعة ولديه الوليد وسليمان بالعهد، ولما طلب من سعيد المبايعة رفض بشدة لعدم صلاحية الوليد للولاية بحسب رأي الإمام سعيد، فقام والي المدينة هشام بن المغيرة بجلد الإمام سعيد في محضر عام من الناس، وقام بتشهيره على حمار، وقد ألبسوه ثوبًا من شعر وطافوا به في المدينة، ثم ردوه إلى السجن وكان الإمام وقتها قد جاوز الستين سنة، ومع ذلك لم يعط بيعته وصمم على رأسه، ولو هددوه بالقتل ما تغير موقفه أبدًا.

وبعد أن ضربوه وشهروه وحبسوه، منعوه من إلقاء الدروس بالمسجد النبوي، ومنعوا أحدًا من الجلوس إليه، فكان الإمام العلم الذي يفتقر الناس إلى علمه، أفقه فقهاء المدينة، والمعول عليه عند نوازل الأمور يجلس وحيدًا في المسجد، لا يجرؤ أحد على مجالسته، وكان هو يشفق على الغرباء أن ينالهم أذى إذا طلبوا الحديث معه، فيقول لمن جاءه: إنهم قد جلدوني ومنعوا الناس أن يجالسوني.

ولما تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك سنة 86هـ قام بزيارة المدينة ودخل المسجد النبوي فوجد حلقة علم سعيد بن المسيب، فأرسل يطلبه فرفض الإمام سعيد بعزة العالم واستعلاء المؤمن الحق أن يترك درس علمه ويذهب للخليفة، فغضب الوليد بشدة وهمّ بقتله، وكان الوليد يبغض الإمام سعيد بن المسيب بوجه خاص لسببين: أولهما رفض سعيد مبايعته بولاية العهد من قبل، ثانيهما رفض سعيد طلب خطبة الوليد لابنته التي زوجها على ثلاثة دراهم لتلميذه كثير ابن أبي وداعة، ولما رأى الناس عزم الوليد على الفتك بالإمام سعيد قالوا له: يا أمير المؤمنين، فقيه المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، وأخذوا في تهدئته حتى صرفوه عنه.

وعلى الرغم من كثرة المحن التي تعرض لها الإمام سعيد أيام الأمويين إلا إنه كان يرفض الخروج عليهم أو حتى الدعاء عليهم، فلقد قال له رجل من آل عمر بن الخطاب: ادع على بني أمية. قال سعيد: اللهم أعزَّ دينك، وأظهر أولياءك، واخز أعداءك، في عافية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا يكون علماء الأمة الكبار، كمال في كل حال.


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات