اليوم : 30 نوفمبر , 2008

عبدالفتاح أبوغده من بقايا السلف الصالح

عبدالفتاح أبوغده من بقايا السلف الصالح

Imageوالشيخ عبدالفتاح أبو غده رحمه الله واحد من أولئك العلماء الأماجد إلذين اتصف بالعلم الغزير، وخلق حسن وسلوك قويم ، وله مكانة علمية كبيرة في الأوساط العلمية على نطاق العالم الإسلامي ، بحيث جعلت منه قدوة لجيل من الشباب المسلمین

 

———————————————

عبدالفتاح أبوغده من بقايا السلف الصالح

عبدالرئوف الرخشاني
الطالب بجامعة دارالعلوم زاهدان

حينما نطالع التاريخ الإسلامي المشرق نواجه بنماذج عظيمة من الشخصيات العباقرة الذين قد زينت أوراق التاريخ بأسمائهم وصفاتهم وإن الأرض تبتهج بهم ويهتز المجتمع بأنفاسهم الطيبة، فرحاً وطرباً.
إنهم أتوا ومنحونا معنی الحياة الحقيقية وعلمونا كيف نعيش على هذه المعمورة باللوعة وشغف الوصال ؛ وتاريخ الأمة الإسلامية حافل بالعديد من أولئك الأبطال في صفحاته الذهبية. لاسيما العلماء الذين أخلصوا وجوههم لله وحفظوا أمانة العلم وصانوا شرف الكلمة التي تصدر عنهم، فلم يبتغوا بعلمهم دينا يصيبونها، ولاجاهاً يتطلعون إلىه وإنما كان مهم الأول مرضاة الله عزوجل بالعمل الدئوب على رفعة شأن دينه وإعلاء کلمة الله في الأرض .
وحاجة المجتمع إلى هؤلاء العباقرة أکثر و أشد من حاجته إلى الصنعة والتقدم المادي لأن صلاح المجتمع البشري بأجمعه وفلاحه و تقدمه لايحصل إلا بالنوابغ الذين يظهرون عبر التاريخ حيناً بعد حين.
والشيخ عبدالفتاح أبو غده رحمه الله واحد من أولئك العلماء الأماجد إلذين اتصف بالعلم الغزير، وخلق حسن وسلوك قويم ، وله مكانة علمية كبيرة في الأوساط العلمية على نطاق العالم الإسلامي ، بحيث جعلت منه قدوة لجيل من الشباب المسلمین ونحن نريد في هذه المقالة أن نقدم   للقراء حول الجهبذ وتذكار علماء السلف رحمهم الله تعإلى.
وتقتضي منهجية البحث أن تشتمل على أبحاث تإلىة:
1ـ إسمه وكنيته ونسبه وميلاده و أسرته. 2ـ نشأته و مسيرته العلمية والتعليمية. 3ـ مذهبه.
 4ـ أساتذته وشيوخه. 5ـ تلاميذه. 6ـ رحلاته العلمية وشغفه بالكتب. 7ـ صفاته. 8ـ إنتاجه العلمي. 9ـ عکوفه على العلوم الحديثية . 10ـ تميزه العلمي. 11ـ منهجه في التإلىف والتحقيق. 12ـ من أقواله . 13ـ أقوال العلماء فيه . 14ـ وفاته.

إسمه و كنيته ونسبه ومولده  وأسرته:
هو أبوزاهد وأبوالفتوح عبدالفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبوغدة، الحلبي بلداً، الحنفي مذهباً، القرشي المخزومي الخالدي نسباً، المنسوب إلى سيدنا خالد بن وليد المخزومي رضي الله عنه وععنا بحبه، والسير على نهجه ودربه.
ولد رحمه الله في منتصف رجب عام 1336 هـ الموافق 1917م، في مدينة حلب.
كانت أسرته متوسطة الحال وكان والده وجده رحمهم الله تعالى يحترفان التجارة بصنع المنسوجات الغزلية، يتجران بهذه الصناعة وكانا يعدان من  أهل إلىسر المحدود لا الغنى الطافح المشهود، وكانا من أهل الستر والعفاف وأهل التسمك بالدين وشعائره والمواظبة على الذكر وقراءة القرآن ونشاوا أبنائهم علی ذلك.

نشأته ومسيرته العلمية والتعلمية:
نشأ عبدالفتاح في حجر والده الذي كان كثير تلاوة القرآن و محافظا على قراءته في المصحف و محبا للعلماء  عاکفا على حضور مجالسهم ودروسهم والإقتباس من علمهم وإرشادهم.
ثم لما دخل في السنة الثامنة من العمر أدخله جده رحمه الله المدرسة العربية الإسلامية الخاصة بحلب، فدرس فيها من الصف الأول حتى الرابع دراسة حسنة ثم توجه إلى مدرسة الشيخ محمد علي الخطيب حيث تعلم حسن الخط وكان الشيخ صاحب مدرسة خاصة تعلم القرآن والفقه وحسن الخط فقط، فتحسن خطه بعض الشيء.   وانتقل بعد ذلک إلی العمل في الصناعة و التجارة مع أبيه و أصدقاء أبيه. وأمضی تسع سنوات في العمل الحرّ.
ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره دخل الثانوية الشرعية في حلب المسّماة ب (الخسروية، التي أنشأها الوزير العثماني الصدر خسرو باشا رحمه الله، و قد درس الشيخ رحمه الله في الخسروية ست سنين من سنة 1936م إلی سنة 1942م و کان متفوقا علی أقرانه في تلک السنوات الست.
ثم دخل کليه الشريعة في الجامع الأزهر في مصر عام 1944م، و تخرّج منها عام 1368هـ 1948م حائزا علی الشهادة العالمية من کلية الشرعية، و انتقل بعد ذلک إلی کلية اللغة العربية حيث تخصص في أصول التدريس و أمضی مدة سنتين فيها ، درس فيهما التربية و علم النفس و تخرّج سنة 1950م مع حصوله علی إجازة في علم النفس.
ولما فرغ  من التعلم في الأزهر عاد إلی بلده حلب سنة 1950م و تقدم إلی المسابقة التي أجرتها و زارة المعارف السورية لإختيار مدرّسي الديانة و التربية الإسلامية، فکان الناجح الأول فيها.
و بدأ عمله التعليمي مدرِّساً في ثانويات حلب في مادة التربية الإسلامية، و مدرّساً في ثانويتي حلب الشرعيتين (الشعبانية و الخسروية) ثم انتُدب للتدريس في کلية الشرعية بجامعة دمشق حيث أمضی ثلاث سنوات، يدرّس الفقه الحنفي، و أصول الفقه، والفقه المقارن بين المذاهب، و ذلک من سنة 1383هـ إلى سنة 1385هـ.
وفي عام 1385هـ -1968م تعاقد مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على التدريس فيها و في المعهد العإلى للقضاء بطلب من مفتي المملکة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله.
وبقي فيها حتى سنة 1991م، انتدب خلالها إلى عدة جامعات إسلامية، في السودان و إلىمن و الهند و باکستان و غيرها.
و کان خلال هذه المدة يقوم بالتدريس في کلية أصول الدّين، في قسم الحديث الشريف و علومه.
و عُين عضوا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي إلى جانب عمله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية و في خلال هذه الفترة شارک في وضع خطط جامعة الإمام و مناهجها، و أختير عضواً في المجلس العلمي فيها.
ثم انتقل إلى التدريس في جامعة الملک سعود بالرياض، حيث درّس علوم الحديث في کلية التربية مدة عامين لطلاّب السنة الأخيرة في الکلية و طلاّب الدراسات العليا، و تفرّغ بعدهما فعکف على البحث و التحقيق و التإلىف حتى لاقي وجه ربّه عز وجل .

مذهبه:

کان الشيخ أبوغدة رحمه الله حنفياً، متقناً للمذهب الحنفي الذي نشأ عليه و درسه على عدد من المشايخ و لا سيما الفقيهين الشيخ مصطفي الزرقا والشيخ المفتي أحمد الحجي الکردي الحنفي مفتي الأحناف في حلب، کما کانت له قراءات و مطالعات فردية کثيرة يغوص فيها و في أعماق الکتب و يحشي على صفحاتها ملاحظاته و آراءه.
وکانت له مشارکة قوية و إطلاع جيد على المذهب الشافعي و هما المذهبان السائدان في بلاد الشام.
قال تلميذه الکبير الشيخ محمد عوّامه حفظه الله : وأحفظ لفضيلته مواقف عديدة کان ينبه فيها السائل إلى فروع دقيقة في زاوايا حواشي الفقه الشافعي.

أساتذته و شيوخه
بلغ عدد شيوخ الشيخ أبوغده رحمه الله قرابة مئة و عشرين عالماً، أکثرهم من علماء حلب و الأزهر و زائريه، ثم من علماء الهند و باکستان و المغرب ثم من علماء حجاز و نجد.
ففي حلب تلقي العلم عن الشيخ عيسي البيانوني والشيخ ابراهيم السلقيني و الشيخ محمد راغب الطباخ، و الشيخ محمد الناشد، و الشيخ محمد سعيد الادلبي والشيخ أحمد الزرقا و والده الشيخ مصطفي الزرقا و الشيخ أحمد الکردي، والشيخ محمدحکيم، والشيخ أسعد عبجي، و الشيخ محمد الرشيد و الشيخ محمد نجيب سراج الدين و ….  رحمهم الله جميعاً.
و من أشهر شيوخه بمصر: شيخ الأزهر محمد الخضر حسين، و الشيخ عدالمجيد دَرَاز، والشيخ عبدالحليم محمود، والشيخ محمد شلتوت، و الشيخ مصطفي صبري، والشيخ محمد زاهد الکوثري و الشيخ حسن البنّا و الشيخ أحمد شاکر و الشيخ عيسي منون، والشيخ أحمد الصدّيق الغماري و شقيقه الشيخ عبدالله الصديق الغماري و هما مغربيان و … رحمهم الله تعالى .
ولما رحل رحمه الله إلى الهند و باکستان سنة 1382هـ و 1962م لمدة ثلاثة أشهر رحلة علمية شخصية، إلتقى بأجل  الشيوخ والعلماء في تلک الديار و تلمذ لديهم فمنهم: الشيخ العلامه محمد شفيع مفتي باکستان، و الشيخ المفتي عتيق الرحمن، و المحدّث محمد زکريا الکاندهلوي، و الشيخ محمد يوسف الکاندهلوي أمير جماعة التبليغ و صاحب کتاب {حياة الصحابة}و الشيخ المحدث محمد يوسف البنوري و الشيخ أبوالوفاء محمود شاه بن مبارک الأفغاني و الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي و … رحمهم الله جمعياً.
و هناک علماء کثيرون لقيهم في الأقطار الأسلامية الأخرى التي زارها کالمغرب وإليمن و الحجاز و البصرة و بغداد و استفاد منهم و استفادوا منه و أوصل بعض من کتب عنه عدد مشايخه إلى مئة و ثمانين، وبل  إلى مئتين.
کان رحمه الله حريصاً على الإستفادة من جميع الشيوخ الذين إلتقى بهم، فسمعهم أو شافههم أو کاتبهم و أخذ عنهم، لايصده عن الفائدة ما کان بين بعض الشيوخ من خلاف في الرأي ،فقد کان من سعة الأفق و رحابة الصدر و مرونه الفکرما جعله على علاقة طيبة مع جميعهم ، يأخذ عن کل واحد منهم ما يراه صوابا و يعتقده حقا أو أقرب إلى الحق دون الوقوف عند مشرب الشيخ و منزعه و مذهبه و دون الإلتزام الکامل بما يقول و کل ذلک يدل علي سعة صدره و مرونة فکره.

تلاميذه:
تلقّى عن الشيخ رحمه الله جمع غفير من طلبة العلم جلهم من الديار الشامية وبلاد نجد و من نزل بهما وافداً.

فمن اشهر و أجل تلاميذه بحلب.
الشيخ محمد عوامه، و الشيخ محمود ميره، و الشيخ محمد أبوالفتح البيانوني،والشيخ عبدالستار أبوغده، و الشيخ عبدالله عزام رحمه الله و الشيخ تميم العدناني رحمه الله ولما درّس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض قرابة 23سنة تلمذ له في کلية الشريعة و کلية أصول الدين طائفة من المشايخ النبهاء الذين هم الآن عمداء علم في کلياتهم الزاهرة، فمن أولئک:
الشيخ العلامة صالح الأطرم و الشيخ زاهر عوّاض في الألمعي ،والشيخ أبوعبدالرحمن بن عتيل الظاهري، والشيخ فهد بن عبدالرحمن الرومي،  والشيخ عبدالله الحکمي، والشيخ عبدالعزيز السريري و الشيخ عبدالوهاب الطريري و الشيخ ابراهيم الصبيحي.
وأيضاً الشيخ محمد رفيع بن محمد شفيع العثماني و الشيخ محمد تقي بن محمد شفيع العثماني و الشيخ سلمان الندوي الحسني  و غيرهم کثيراًَ.
و ممن لزم الشيخ رحمه الله في آخر سني حياته الشيخ محمد بن عبدالله الرشيد.

رحلاته العلمية و شغفه بالکتب.
لقد بذل الشيخ عبدالفتاح رحمه الله النفس و النفيس، و رکب الصعب و الذلول، و قطع المسافات الشاسعة، و تحمل لأداء السفر و متاعبه، و فارق الأهل و الأولاد و ترک الراحة و الإستجمام، و شدّ الرِّحال إلى الأقطار العربية و الإسلامية المتعددة، ليلقى فحول العلماء و يشافهم، و يأخذ عنهم، و يزور المکتبات و إقتناء نوادر الکتب و المحفوظات، رحل الشيخ رحمه الله إلى السعودية، و العراق، و الکويت، و مصر، و السودان، و الصومال، و التونس، و جنوب آفريقا، و إندونيسا، و الهند و باکستان،و أفغانستان، و ترکيا و بلدان کثيرة في أروبا و أمريکا.
و قد بلغ شغفه بالکتب و حبّه لإقتنائها أن جعلها بمثابة الروح من البدن والعافية للجسم، قال في کتابه (صفحات من صبر العلماء) ص 256«الکتب من حياة العالم تحل منه محل الروح من الجسد ،و العافية من البدن».
و باع قطعة نفيسة من المتاع ورثها من والده ليشتري بها کتاباً. هکذا کانت صلته بالکتب. حب و رعاية و حرص و إيثار، فلا عجب أن تکتمل لديه مکتبة عظيمة في حلب، حوت کتباً من کل علم و فن، جمعها من مطبوعات المشرق العربي و المغرب و الهند و باکستان و بذل في سبيل جمعها عصارة روحه و راحته و صحته، إذ کان يقدم شراء الکتاب على الحصول على الغذاء، حتى غدت واسعة شاملة نادرة فيما تحتويه من کتب و قد تضاعفت على مرالأيام، و بخاصة بعد قدومه إلى الرياض و إقامته فيها حتى صار من مصاديق البارزة لشعر القاضي الجرجاني:
ما تطعمت لذة العيش حتى                    صرت للبيت و الکتاب جليسا
ليش شيئ عندي أعزّ من العلم                فما أبتغي سواه أنيساً
ومن هنا کانت راحته و متعته في کل بلدة دخلها المکتبات العامة في الأسواق، أو الخاصة عند الأصدقاء، أو المکتبات الوقفية المطبوعة و المخطوطة.

صفاته:
فکان رحمه الله مجمع الفضائل و الشمائل کريماً غاية في الکرم، يحرص على إکرام ضيفه بما يستطيع، و يبذل في ذلک جهده و غايته. و کان عاقلاً حصيناً أريباً لاتخرج الکلمة منه إلاّ بوزن و في موضعها المناسب ،و لا يقوم بأمر إلاّ و يزنه بعقله و کان ظريفاً خفيف الروح يمازح جلساءه بالقدرالمناسب، و يضفي على مجلسه العلمي و الطبعي روح اللطافة و الظرافة. و کان صبورا على الطاعة و الإبتلاء، حريصاً على الصلاة حرصاً شديداً، له ورد صباحي يومي و کان رقيق القلب، سريع الدمعة، کثير العبرة، و کان يألم و يتحرق على مآسي هذه الأمة و أحوالها.
و کان جلداعلى العلم قراءة و مطالعة و تأليفا لايغادره القلم في  سفره و صحته و مرضه و کان قليل النوم يستکثر ساعات نومه مع قلتها، و کان في شبابه يواصل اليوم و اليومين. و کان حريصاً على وقته أشدّ من حرصه على ماله.
و کان رحمه الله ذکياً المعيا ذاحافظة قوية، و ذهن متقد مع عمل بالعلم و عبادة و تقوى و صلاح و ورع و تواضع جمّ لطلابه و تلاميذه، عوضا عن مشايخه و علماء الإسلام ، فلايري نفسه في جنبهم شيئاً يذکر.

إنتاجه العلمي:
خلّف الشيخ عبدالفتاح رحمه الله ثروة عظيمة علمية ضخمة ، تمثلت في 67کتاباً مابين مؤلف و محقق و ما بين صغير و کبير و هي متنوعة في الحديث و الفقه و اصول الفقه و تراجم الرجال و المنطق و اللغة و الأخلاق و الأداب إلا أن الغالب عليها الحديث و علومه و قرّظها الدکتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله بقوله: {وقد ترک الشيخ عبدالفتاح و راءه آثاراً علمية يقدّرها أهل العلم حقّ قدرها، معظمها في الحديث و رجاله و علومه، تميزت بالتثبت و التحقيق و التدقيق الذي ساعد عليه التکوين العلمي الدقيق للشيخ في مدارس حلب الشرعية، و في رحاب الازهر الشريف بمصر، و في حلقات الشيوخ الکبارالذين أجازوه و نوّهوا بفضله و امتيازه من علماء سورية و مصر و المغرب و الهند و باکستان..
إقباله على علوم الحديث :
إهتمّ الشيخ عبدالفتاح بالحديث، بل صرف إليه عنايته ، و تفرّغ لتحقيق کتبه، فقدّم للمکتبة الإسلامية عديداًٌ من الکتب المحققَة و المؤلفات، بلغت ثلثي إنتاجه العلمي في التحقيق والتأليف، فکان بذلک السبّاق إلى إنشاء مدرسة في علم الحديث لها خصائصها و مميزاتها، ولها علاماتها الفارقة بين الدراسات المعاصرة.
لقد خدم السنة النبوية الشريفة رواية و دراية بإخلاص العالم المتفتّح و الباحث الناقد الممحّص المدقق خدمة عظيمة في عصر کثر فيه الطاعنون في السنة و المشکّکون في صحتها و ثبوتها، و قدم للمکتبة الإسلامية أعمالاً علمية جليلة، لها قيمتها الکبيرة في الموازين العلمية الرفيعة.
و من أجلّ أعماله العلمية في الحديث الشريف فتحه رتاج مکتبة علم الحديث الهندية العظيمة، و استخراج کنوزها، و إقتطاف ثمارها إليانعة لمبتغيها من طلاب العلم في ديار العروبة و الإسلام.
يقول عمر بن حامد الجيلاني في تبيان هذه الظاهرة العلمية التي تميز بها الشيخ عبدالفتاح رحمه الله .
« قامت في القارة الهندية نهضة علمية لخدمة الحديث النبوي الشريف. لاأحسب أن لها مثيلاً في مکان آخر من ديار الإسلام، لا من حيث الکثرة في الدارسين والمؤلفين، ولا من حيث تنوع المباحث واتساعها، وتکونت بها مکتبة عظيمة في هذا العلم الشريف کانت مؤصدة أبوابها، مسدلة عليها الستور، فکان للشيخ عبدالفتاح أبوغدة الفضل العظيم في فتح رتاجها، وکشف حجابها، واستخراج کنوزها، وإقتطاف ثمارها اليانعة، وعرضها على طرف الضمام لبمتغيها مع تحقيق لنصوصها وتعليقات يندر وجودها في العصور المتأخرة.
عاد الشيخ رحمه الله من الهند بعد أن وردها عام 1382هـ بمغانم کثيرة کان من أثمنها تراث ثلاثة من کبار العلماء والدّعاة هناک، لانستطيع أن نفرق بين أحد منهم.
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم          مثل النجوم التي يسر بها الساري
وکان في طليعتهم الإمام المحقق المدقق ابوالحسنات محمد عبدالحي ابن العلامة محمد عبدالحليم اللکنوي رحمه الله نابغة العصر الذي عاش أقل من أربعين عاماً، وألف مايربوا علي مئة مؤلف.
حقق الشيخ رحمه الله ونشر للإمام اللکنوي رحمه الله خمس رسائل هي:
1ـ الرفع والتکميل في الجرح والتعديل.
2ـ الأجوبة الفاضلة.
3ـ إقامة الحجة علي الإکثار من التعبد ليس بدعة.
4ـ سياحة الفکر في الجهر بالذکر.
5ـ تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار.
ومن علماء الهند الذين نشر الشيخ رحمه الله من مؤلفاتهم وحققها الحبر النحرير الإمام ظفر أحمد العثماني التهانوي رحمه الله تحقق کتابه «قواعد في علوم الحديث» وهو واحد من تقديمين لکتابه العظيم (إعلاء السنن) الذي بلغت أجزاءه عشرين مجلداً، أحصي فيه أدلة المذهب الحنفي، البالغة من الکثرة مايماثل نظائرها في المذاهب المبتوعة عند أهل السنة والجماعة.
والعالم الثالث من علماء الهند الذي نشر الأستاذ عبدالفتاح رحمه الله من مؤلفاتهم الإمام المحدث المتقن محمد أنورشاه الکشميري رحمه الله إذ حقق کتابه «التصريح بما تواتر في نزول المسيح».
وقد قرر علماء المسلمين – وعلى رأسهم الدکتور القرضاوي حفظه الله – جهود الشيخ رحمه الله في خدمة الحديث الشريف، فرشحوه لجائزة مرکز آکسفورد للدراسات الإسلامية في لندن على خدمته السنة النبوية المطهرة. وکانت للشيخ عبدالفتاح رحمه الله کلمة قال فيها: «إن تکريمي تکريم للحديث النبوي الشريف. وموقف حائز لکل فرد ليکون في خدمة السنة التي ترفع المملوک ليکون في مرتبة الملوک.

تميزه العلمي:
کانت مخايل الذکاء والنبوغ واضحة بينة في شخصية  عبدالفتاح رحمه الله في أوائل مراحل طلبه للعلم، حيث  لفتت انتباه عدد من أساتذته، فنوهوا بها في مناسبات مختلفة فأستاذه الشيخ مصطفي الزرقا يشير في الکلمته التي کتبها في حفل تکريم الشيخ عبدالفتاح ويقول: في جيمع مراحل حياته العلمية کان متميزاً بالدقة في التحقيق والتمحيص، وقد وهبه الله ذاکرة دبقة تمسک بما يدخلها فلايفلت، وولعاً بالتراث العلمي، فکثر إطلاعه وأنابيشه وتنقيبه، مع الثبات مايدخل ذاکرته، يستدعيه منه متى شاء.
ويقول الشيخ مجاهد شعبان:«حدثنا الشيخ العلامة محمد السلقيني حفظه الله أحد شيوخ شيوخنا أن ورقة امتحان الشيخ عبدالفتاح رحمه الله و هو في مرحلة طلبه للعلم في الکلية الشرعية کانت توضع ويتحلق حولها أساتذته للإستفادة منها».
وکان حريصاً علي إقتناص الفائدة العلمية، وتسجيلها، ليضعها في مکانها، ولايربأ بنفسه عن التقاط الفائدة ولوجاءت ممن هو أصغر منه علماً ومقاماً.
لقد حليت هوامش کتبه بحواش نادرة ممتازة، يندر وقوعها إلا على يد لؤلؤي غواص، وإنها لحواش تحوي فوائد علمية جمة، من تصويبات وترجمات وإضافات وتحقيقات وشروح وقصص لايقدرها حق قدرها إلا العلماء الأفذاذ.

منهجه في التالیف والتحقيق:
1ـ الغيرة على الکلمة، والسعى وراءها : الجودة والمتانة فی التحقيق والتالیف، فقل أن تجد في مايحققه أو يؤلفه إغلاقاً لم يحل، أو غامضاً لم يبين، أوضعيفاً في سنده أو في قبول معناه لم يعلق. عليه.
2ـ الحرص على تشکيل وضبط الکلمات والألفاظ المشکلة في عموم کتبه: مع توسع في ذلک والکتب العامة (الثقافية) أکثر من الکتب الخاصة( التخصصية) لکتاب «صفحات من صبر العلماء» وکتاب «قيمة الزمن عند العلماء» ونحوهما، رغم أن ذلک يتعبه ويأخذ وقته وجهده.
3ـ الزيادة في کل طبعة: فالکتاب دائماً بين يديه يزيد فيه، وينقح ويوضح، حتى قيل: إن کل طبعة لکتاب من کتبه تعد بمثابة کتاب جديد.
4ـ الإفادات النادرة، واللفتات اللطيفة فربما تجده علق على کلمة ما بسطر، لمن هذا السطر کلفه ثلاث ليال بل أسبوعاً من البحث والتمحيص.
ثم إن کان له ذوقاً رفيعاً وفهماً ثاقباً في إنتقاء النصوص وکيفية إيرادها ومواضع تعليقها فليس هو من هواة تکبير الکتب ونفخ الحواشي وملء الفراغات.
5ـ الجمع قطرة قطرة: وهذا يتجلى واضحاً فيما يؤلفه، فمثلاً: کتاب «صفحات من صبر العلماء» جمعه في أکثر من عشرين سنة، کلما وجد شيئاً يناسب الموضوع کتبه في قصاصه وجمعه وهکذا سائر مؤلفاته و محققاته.
6ـ إهتمامه بالفهارس، وإتقانه لها: وذلک في وقت کانت الفهارس التفصيلية نادرة وغير مألوفة في المکتبة الإسلامية، فأصبح منهجه هذا حائزاً ومثالاً يحتذى، فأبرز رحمه الله أهمية الفهرسة رافعاً سمت الکتب العلمية.
7ـ توجيه للتحقيق أکثر منه للتالیف: لتواضعه وهضمه لنفسه، ولأنه يري أن «إتمام بناء الآباء خير مئة مرة من إنشاء البناء من الإبتداء ، فضلاً من أنه جزء من الحق الذي لهم علينا والوفاء، فهم الأصل الأصيل، والنور الدليل، والفهم المستقيم، والعلم القويم، وماترکوا في آثارهم من بقايا فجوات طفيفة، لايقتضي منا تخطيهم والإعراض عن آثارهم النفيسة.
مع العلم أن تحقيق النصوص کثيراً مايکون أکثر مشقة  من التالیف المستأنف الجديد.
فلم يکن يرى  التالیف إستقلالاً، إلا لأمر مستجد لم يجد فيه للسابقين تصنيفاً،إلا فإنه يتجه إلیه ويخرجه بدلاً من إخراجه کتاباً من تلقاء نفسه.

من أقواله:
الإسلام ذوق، الکتاب لايعطيک سره إلا إذا قرأته کله، مزية العالم أن يوقظ العقل بظل الشرع، درهم مال يحتاج قنطار عقل، ودرهم علم يحتاج قنطاري عقل.

أقوال العلماء فيه:
لعلماء المسلمين في شتي أنحاء العالم الإسلامي کلمات مضيئة في الشيخ عبدالفتاح أبوغدة، تنوه بعلمه الغزير، وتشيد بصفاته وأخلاقه الرفيعة وتصف جهوده وأعماله في نشر العلم والدعوة إلى الله.
من ذلک قول الشيخ العلامة الإمام السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله « أما بعد، فقد طلب مني … أن أکتب مقدمة للثبت الجامع المانع الحاوي النافع لبقية السلف الصالح، وعمدة المحدثين في هذا العصر، العلامة المحدث ، الفقيه الأصولي، المحقق والداعية التقي الصالح فضيلة الشيخ عبدالفتاح أبي غدة … وأيضاً قال رحمه الله في تقريظه لکتاب «صفحات من صبر العلماء» منوها بعلم الشيخ عبدالفتاح «العالم الرباني المربي ، تذکار علماء السلف في سموّ الهمة وعلوّ النظر والتفنن في العلوم والإتقان فيها».
ويقول العلامة الشيخ مصطفي الزرقاء رحمه الله في الکلمته التي کتبها في حفل تکريم الشيخ عبدالفتاح رحمه الله : «منذ أن کان في مصر ـ ولايزال ـ  الحديث النبوي وعلومه ومراجعه جانباً کبيراً من عنايته ورکز عليه إهتمامه رواية ودراية حتى أصبح فيه حجة يرجع إلیه.
وقد کان يعدني مرجعاً له في الفقه، فأصبحت أعده منذ زمن طويل مرجعاً لي في الحديث و… و وصفه العلامة المحدث المتقن والاصولي البارع، والمحقق الجهبذة  وإنه «الذي فتح عليه الفتاح بالعلوم النافعة، والأبحاث الناصعة، والتالیف المفيد، والتعليقات النيرة من الشيء الکثير الذي أغني به المکتبة الإسلامية، وأقنع به النفوس الطائعة».
وقال العلامة المحدث المحقق الشيخ محمد عبدالرشيد النعماني رحمه الله في وصفه: «زين الديار الجليله، وأحد مفاخرها العلامة الفهامة العالم الکبير والحبر النبيل البارع الأديب المحدث الشهير الشيخ عبدالفتاح أبوغدة».
وقال العلامة المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله نائب رئيس دارالعلوم في کراتشي في وصفه: «إن العلامة المحقق الثبت المحدث الکبير الشيخ عبدالفتاح أبوغدة رحمه الله کان من کبار الأفذاذ الذين قل أن يوجد مثلهم في تبحرهم في العلم وسعة الاطلاع ، ودقة التحقيق وجودة الفهم، وکل ذلک مع الورع والتقوي والحرص على إتباع السنة والخلق الدمث الکريم الذي لم يخالطه أحد بشاشة إلا أحبه».
وقال العلامة الفقيه الأصولي الدکتور عبدالوهاب بن إبراهيم سليمان عضو هيئة کبار العلماء في المملکة العربية السعودية في وصفه: «يعترف کل من قرأ لفضيلة الشيخ عبدالفتاح أبوغدة أنه من أرفع علماء عصره تأليفاً، وأصفاهم فکراً وأقوامهم منهجاً وتعبيراً وأسلمهم عقيدة، وأکثرهم تواضعاً و وفاءً لمشايخه، قد وردت کل هذه الخصائص والصفات المتميزة لتلاميذه فهو القدوة لهم فکراً وسلوکاً بل هو نعم القدوة».
وقال تلميذ الشيخ الوفي وحبه العلامة المحدث الشيخ محمد عوامة حفظه الله : «إن سماحة شيخنا وعمدتنا العلامة الرحلة أبا المواهب مربي الأجيال، أستاذ الأساتذة، فضيلة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة هو أحد دعائم العلم في عصرنا و ممن يرحل إلیه للقائه والمثول بين يديه والإستقادة من أدبه وهديه وسمته ودله».
وقال الشيخ بدر الحسن القاسمي في سياق رثائه للشيخ رحمه الله:«وها نحن نفقد علماً من أعلام الأمة، ومحدثاً جليلاً ومحققاً بارعاً، کان يذکرنا بحياة السلف الأقدمين في إنقطاع للعلم وحياة الجد والإجتهاد، ألا وهو علامة الشام الشيخ الجليل عبدالفتاح أبوغدة».

وفاته:
إنتقل رحمه الله إلى جوار ربه الکريم ورحمة خالقه الرحيم في سحر يوم الأحد 9/ شوال/ 1417 هـ بمدينة الرياض، عن إحدى وثمانين سنة وثلاثة أشهر إلا ستة أيام، رحمه الله وغفر له وقدس روحه ونور ضريحه وبرد  مضجعه وطيب ثراه. وصلي عليه يوم الأثنين بعد صلاة الظهر في مسجد الراجحي بمدينة الرياض، ثم نقل بالطائرة إلى المدينة المنورة حيث صلي عليه بالمسجد النبوي الشريف عقب صلاة العشاء ثم دفن في البقيع الشريف. حيث ثوى جثمانه في ثراه الطاهر.
وقد صليت عليه صلاة الغائب في عدد من مساجد ترکيا، والهند، وقطر والمغرب.
 جسد لفف في أکفانه         رحمة الله على ذاک الجسد
ولقد ختمت بذالختام مقالتي         وعلى الإله  توکلي وثنائي
إن کان توفيق فمن رب الورى        والعجز للشيطان والاهواء

المراجع:
ـ الشيخ ابوالفتاح أبوغده کما عرفته/ الدکتور علي الهاشمي / دارالبشائر الاسلامية
ـ ترجمة الشيخ عبدالفتاح بقلم إبنه الناهض والعالم المرتقب الشيخ سلمان أبوغده في مقدمة لسان الميزان.
ـ النهضة الإسلامية / الدکتور رجب البيومي/ ج4 / دارالقلم بيروت.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات