اليوم : 5 سبتمبر , 2008

نظرة إلی حياة الدكتور الشهيد أحمد سياد رحمه الله

نظرة إلی حياة الدكتور الشهيد أحمد سياد رحمه الله

الدكتور الشهيد أحمد سياد رحمه الله

الدكتور الشهيد أحمد سياد رحمه الله

الأستاذ الشهيد "أحمد سياد" من كبار الشخصيات الدينية والمذهبية المعاصرة لأهل السنة والجماعة في إيران. للتعرف علی زوايا حياة هذا العالم المحدث ينبغي أن نبدأ بجولة مختصرة من يوم ولادته الميمونة إلى اليوم الذي استشهد فيه علی أيدي قوات الشيطان.

ولد الدكتور الشهيد في سنة 1324هـ.ش، في قرية "جنجك كاروان" التابعة لمديرية ميناء "شاهبهار" الواقعة علی سواحل بحر عمان،لأجل ذلك لما أقبلت إليهم المشاكل المالية والمعيشية سافرت أسرته إلی سلطنة عمان حينما كان "أحمد" في الخامسة من عمره، ثم بعد سنتين من الإقامة في قرية "سيف" في عمان هاجروا إلی إقليم "السند"  في باكستان وأقاموا ثلاث سنوات في قرية من قرى السند، ثم في هجرة أخری  توجهوا إلی "كراتشي"، وقد بلغ "أحمد" من العمر عشر سنين آنذاك، وآثار النبوغ والذكاء والرغبة إلی العبادة بادية بجلاء علی جبينه وهي تحكي عن مستقبل مشرق له. بعد تعلم القرآن وبعض الكتب الابتدائية علی الشيخ "عيسى محمودي"، بدأ دراسة العلوم الإسلامية في مدرسة "باغيجه" بكراتشي، ثم رجع بعد إقامته أربع سنوات في كراتشي إلی قريته "كاروان" ودرس عددا من كتب الفقه علی خاله "ملا شكري" وبقي هناك نحو أربع سنوات.

 دفعت الأوضاع المعيشية الصعبة الدكتور الشهيد إلى أن يبدأ جولة جديدة من الأسفار، فسافر في هذه المرة إلی الدوحة في قطر وتولی إمامة مسجد فيها؛ وبعد سنتين بمساعدة شيخ المسجد الذي كان رجلا معروفا توجه إلی المدينة المنورة لمتابعة دراساته الشرعية والإسلامية.

لما انتهی عن دراسة المعهد، التحق بكلية الحديث في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولما انتهی عن السنوات الأربعة للدراسات التخصصية قدم بحثا علميا يشمل تحقيق وتخريج أحاديث كتاب "خصائص علي بن أبي طالب"، وحصل علی البكالوريا، وواصل دراسته بعد أداء امتحان صعب في تلك الجامعة، وفي النهاية استطاع أن يأخذ دكتوراه في الحديث الشريف بدرجة الامتياز بتقديم بحث آخر وبتخريج أحاديث كتاب "المعجم لإبن العربي".

ينبغي أن نذكر أن الأستاذ لتخريج الكتاب المذكور ولمعرفة أسانيد بعض الأحاديث وأحوال الرجال سافر إلی مكاتب العالم الإسلامي الكبيرة في إستانبول ومصر وديوبند ولكهنو.

 عاد الدكتور بعد قضاء عشرين سنة في دراسة العلوم الشرعية تاركا أفضل المناصب المنتهزة المتاحة له في  السعودية والإمارات للاشتغال، إلی بلاده سنة 1364هـ.ش، يحمل في جوانحه شعورا بالمسئولية وفي صدره قلبا ممتلئة بالأحاديث النبوية الشريفة، وأسس في قريته التي كانت فاقدة أدنى امكانيات العيش من الماء والكهرباء والطريق، مدرسة سماها "معهد دار السنة" وجامعا لإقامة الجمعة. ما أن مضت سنتان من عودته إلى ايران حيث أعتقل سنة 1367 هـ.ش في طهران، ثم نقل إلی سجن "اوين". انتهز الدكتور هذه الفرصة فحفظ القران الكريم في السجن، وكذلك القسم الخاص بالعلماء في السجن أتاح له فرصة مطالعة مصادر الشيعة ومنابعهم في الحديث وحصل علی معلومات كافية بالنسبة إلى مذهب الشيعة.

قضی الشهور الأولى والابتدائية في زنزانة انفرادية تحت مراقبات خاصة، ورأى  أثناء هذه الحالة في المنام أن شخصا دخل عليه بمنظر رائع حسن: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ….) و(لقد كذب رسل من قبلك) (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور…). يقول الدكتور كنت مضطربا قلقا قبل هذا المنام  واطمئننت بعده.

 أطلق سراح الشيخ بعد خمس سنوات صعبة في السجن في سنة 1371هـ.ش، فواصل نشاطاته في مدرستها التي أسسها، وذاع صيته في أنحاء إيران، فتوافد عليه الطلبة وأهل العلم أكثر من الماضي بعد مجيئه من السجن.

مما يمتاز به الدكتور في حياته هو الالتزام الكامل بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام والبساطة في المعيشة وعدم التكلف في المأكل والملبس، وعدم الإكثار في الكلام. لم يكن يبدأ بالحديث ما لم يسئل عن شيء، وكان جوابه بعبارات واضحة مختصرة. لم يكن يسمح لأحد أن يقبل يده أو يقوم استقبالا له. ومن خصائصه أيضا عدم الاستعانة بالآخرين في حاجاته. كان يأكل من كد يمينه فيعمل في حديقة لأجل نفقات أهله  ويساعدهم في وظائفهم المنزلية.

مرة قدم أناس من منطقة بعيدة لزيارة الدكتور، فعلموا أنه غير موجود في البيت، فتوجهوا نحو الحديقة فوجدوا شخصا كهلا يعمل، سئلوه أين الدكتور أحمد؟ فأجاب أنا أحمد، فتعجبوا حينما رأوه في تلك الحالة البسيطة؟

لم يسمع أحد من لسانه كلاما مسيئا، وكان يحسن ذكر من كان مختلفا معه في بعض المسائل. كان قد تعود أن يصوم الإثنين والخميس دائما.


إلى حنين الشهادة:

اعتبر أقارب الدكتور وعشيرته العودة من السجن حياة جديدة له، واقترحوا عليه مغادرة إيران إلى إحدی دول الخليج، ولكن فضيلته أنكر هذا الاقتراح بكل قوة قائلا في جوابهم: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».

سافر الدكتور إلی الإمارت إثر طلب بعض أقربائه في "دبي"،ثم ترك "دبي" متوجها إلی "بندرعباس" علی متن الطائرة بعد إقامته خمسين يوما فيها، في الوقت الذي أرسلت سلسلة الاغتيالات في إيران كثيرا من الرجال السياسين والمذهبيين واحدا تلو الآخر بأساليب مشبوهة وعنيفة إلى حظيرة الموت.

يحكي أحد أقربائه المنتظرين في مطار "بندر عباس": «رأيت الدكتور يجيء متكلما مع شخصين آخرين، فلما اقتربت من الدكتور وسلمت عليه  قال لي الرجلان  متبسمين تبسما كاذبا: إبق أنت هنا منتظرا فنحن  نرجع بعد لحظات. وذهبوا بالدكتورمعهم»

تبدلت هذه اللحظات إلی ثلاثة أيام ولا يدري أحد أين هو، وفي اليوم الثالث اتصل الأستاذ الشهيد بأحد أصدقائه في مدينة شابهار وكذلك في مدينة جاسك ويخبرهم بعد التحية و الترحيب أنه سيأتي اليوم. ولما سئل  أين أنت؟ قطع الاتصال دون أن يكمل الجواب في ذكر العنوان. واستمر هكذا إلی أن وجد  جسده في مدينة "ميناب" بقرب دوار تتحرك منه سيارات مدينة جاسك عادة.

انتشر خبر استشهاد الدكتور من وكالات الأنباء الرسمية والمعتبرة في العالم، وأثار موجة من الغضب والتوتر والاضطراب بين المجتمع السني الإيراني وعشيرة وأهل بيته وطلبة مدرسة "دارالسنة"، وتجمع كثير من أحبته وتلامذته متحيرين حول بيته مفرغين ما في عيونهم من الدموع علی عالم محدث أحبوه وما رضعوا ببقاءه ولقاءه بين أظهرهم.

دفن العالم الدكتور الشهيد بعد تكبد مصائب ومشاق عديدة  في سبيل الدعوة الإسلامية ليلة الجمعة، الثاني عشر من رمضان سنة 74 13هـ.ش، صائما وبقلب مليئة بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، في مسقط رأسه قرية جنجك، واستراح من الدنيا وما فيها من العناء والبلاء. (إنا لله وإنا إليه راجعون)

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات