اليوم : 25 يونيو , 2008

عاشق!!

عاشق!!

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

رأيت كتابا في مكتبة جامعتي له هذا العنوان الرشيق، فجذبني إليه وحيرني، وفي الأخير ضمني إليه وألجأني إلی لقائه. نظرت إلی كاتبه فإذا هو يتلألأ اسم العلامة الكبير الشيخ المدقق الدكتور عائض القرني علی جيد هذا الكتاب، فازددت فرحاً وغامرني شوق ومحبة إلی هذا الكتاب، فإنني رأيت وطالعت العجب العجاب والماء السلسال والسيل المتدفق لهذا الكاتب الألمعي. رأيت في بعض كتبه التي طالعتها إشراقا روحانيا، وصلابة دينية، وإسهاماً كبيرا لإعادة مجد الأمة ورفعتها، وإيقاظاً للشعور الديني في جماهير الأمة الاسلامية، وتلمست من كتاباته قوة إيمانية يدعمها العلم الجم والاطلاع الواسع والخبرة الكاملة حول الموضوعات المختلفة.

عاشق الدكتور عائض القرني كتاب في أبهی حلة وأجمل كسوة، ولكن السؤال الذي اختلج في صدري بادي الأمر وكنت أتسائل نفسي هذا: من هو عاشق؟ ولماذا هذا العنوان من الدكتور المحقق؟ فدخلت بسرعة في هذه الحديقة الغناء وفتحت الكتاب ورفعت جلباب الغلاف عن وجه الكتاب الجميل وثغره الباسم، وتجولت في زوايا أشجاره الباسقة وأزهاره المتفتحة وأنواره المزدانة بالروائح الطيبة، فإذا هو كتاب يسرّ قلوب الناظرين، بل هو كنز ثمين قد أودع فيه الدكتور الجواهر والدرر، واقتطف من الأزهار أطيبها وأعطرها، ومن المعاني أجملها وأبهاها، وأودعها في كتابه، فإذا بنفسه هو العاشق.
عاشق أحسبه في متعة ولذة كاملة دائمة.
عاشق، معشوقه الكتاب والمحبرة والدفاتر والقلم، ولا راحة له إلا بهذا المعشوق الوفي الحفي الحبيب الناصح الأمين، فيا له من عزة فاخرة ومتعة مرضية، هيا بنا ننشد معه:
يا رموز المطالب الدنيوية         يا ليوثا علی الأماني الدنية
اتركوني ووحدتي وكتابي         ليس بيني وبينكم من قضية
سامحوني من اللقاء فاني         غارق في معارف علوية
كل ما تبصرون من بهجة        الدنيا خداع وكذبة عبرية.
قل لي من تصاحبه حتی اقول من أنت، فإن القرين بالمقارن يقتدي، وانظر إلی هذا العاشق هل صحب فارغاً أو ضيع عمره مع اللاهين الذين لا همّ لهم إلا وأد الأوقات الثمينة في مستنقعات الشهوة والطرب والمجون وإلی الأحاديث الخالية والكلمات اللاذعة والضحك والفجور؟ كلا إنه يقول:
لي أصحاب ثلاثة، معي في السفروالحضر: كتابي وأوراقي وقلمي. وهو الذي ينشد:
ما معي غير كتابي صاحب     أنا بعت الناس طرا بالكتاب
هو خدني هو خلي هو لي       سلوة من كل من فوق التراب
عاشق، كتاب مفيد ممتع، أحسبه مناراً عاليا في سماء العلم والدين.
يقول الدكتور عن نفسه:
بعد ما فارقت سن الطفولية وزمن اللهو، اتخذت الكتاب جليساً وسميراً وأنيسا، اُصبح والكتاب صاحبي، أمسي والكتاب رفيقي، أنام وهو علی صدري، أحتضنه وأنا أمشي، سلوت به عن الأهل والإخوان، وتشاغلت به عن كل صديق، تركت النزهة في البساتين من أجله، بل لقد مرّ بي زمن لم اخرج من بيتي من أجل المطالعة، ولقد أتی علیّ زمن وأنا اطالع الكتاب في وقت الأكل، آكل وأنا اقرا، أمشي وأنا اقرأ، أری زملائي يمرحون ويسرحون وأنا اقرأ، أشاهد اجتماع الناس وفرحهم وطربهم وأنا مشغول بكتابي هائم بأوراقي، ولقد كنت اقرأ في اليوم ما يقارب مائتي صفحة وربما قرأت في اليوم مجلداً كاملاً…..
وربما كررت الصفحة عشر مرات وأعيد المقطع من النثر حتی احفظه، واكرر القصيدة حتی احفظها، وكنت أقرأ في التفسير حتی أملّ، ثم أطالع الفقه حتی أسأم، ثم آخذ في الأدب حتی اضجر…. وكنت أغلق علی الباب ومعي الكتاب، فلا ارتاح لسماع صوت ولا لرؤية انسان، لأنني في أعظم متعة وفي أجلّ لذة، وكنت اجعل الأيام للفنون، فمثلاً يوم السبت للعقيدة، والأحد للفقه، والإثنين للتفسير، والثلاثاء للحديث، والأربعاء للنحو، والخميس للأدب، والجمعة للسيرة، وكنت اسهر أحياناً إلی الفجر وأنا اطالع وأعيد وأكرر.
ولقد مرت بي أعياد والكتاب في يدي، وربما قرأت وأنا في السيارة إذا ساق زميلي، فإذا قدت السيارة طلبت منه أن يقرأ وكنت أصور المجلد الضخم في أجزاء وأكرر كل جزء، وأشتري من الكتاب الواحد عدة نسخ، وأضع نسخة في المجلس ونسخة في غرفة النوم وثالثة معي في السيارة، وكنت أطلب من بعض ضيوفي القراءة معي حتی يحضر الطعام، ومن كثرة تكراري للكتب كنت أعرف موضع الترجمة والقصيدة، هل هي يمين الصفحة أو يسارها، وكنت أسهر والكتاب بيدي فيسقط إذا نعست، فأقوم فأقراء، فيسقط مرات كثيرة، ثم أنام وهو بجانبي وأحيانا أسمع حديث الناس وهم بجانبي وأنا أقرأ، فلا أدري ما يقولون، وكنت أتعجب ممن لا يقرأء، وأری أن حياته لا جديد فيها، وكنت لا أعجب بالرياضة أو المصارعة أو أي هواية أو سفر، إنما عجبي وتعلقي بالكتاب، وكانت الكتب أحب أصدقائي، بيني وبينها صداقة حميمة…. وأنا مع الكتب لا أصبر علی طعام، وأحب أن انوع وأغاير بينها، وكنت شغوفا بشراء الكتب واقتنائها، اُذهب مالي فيها وربما اقترضت، ولا أنزل إلا إلی المكتبات، وكنت أعجب من همم السلف في التأليف وأنبهر من كثرة كتب ابن تيمية، وابن القيم، وابن الجوزي، والزهري، والطبري، وابن حجر، وابن كثير وأمثالهم،  إذا حصلت علی كتاب جديد مفيد فرحت به فرحا شديداً، وكنت أعلق علی كثير من الكتب، وربما سهرت في مكتبتي، ثم أنام بين كتبي، ومرة ذهبت إلی قريتي الريفية الجملية في عطلة صيفية، فما خرجت من بيتي إلا للمسجد،  وكان يقدم لي الطعام وأنا أقرأ، وأجلس مع والدي وأنا أقرأء، وقد نصحني بعض الزملاء أن أخفف علی نفسي من القراءة، بل أحس بجوع شديد لها.
ومما زادني حبا في القراءة مطالعة أخبار العلماء في التحصيل وطلب العلم، خاصة كتب صفحات من صبر العلماء) لأبي غدة، و (صيد الخاطر)لابن الجوزي و… واذا قرأت كتابا أعجبني وددت أن يطول وتكثر أوراقه… واذا لم يكن معي كتاب أحسست بالوحشة والسأم والملل، وكان بعض الأصدقاء والأقارب يأخذنا في نزهة، فآخذ معي الكتاب، وإذا لم أجد وقتاً للقراءة عدت إلی منزلي لأقرأ.
وأنا أطالع كل شيء، أقرأ الكتاب الطويل والقصير والجاد والهازل، أقرأ المصنف والمجلة والصحيفة، أقرأ للمتقدمين والمتأخرين في العلم والأدب والثقافة في كل باب، وفي كل فن، سواء فهمت أو لم أفهم، وحاولت أن أحدد لنفسي بعض الفنون أقتصر عليها فأبت، وكلما وهنت عزيمتي قرأت سيرة أهل الهمم والعزائم حتی ينقدح في ذهني إلهام وفي قلبي حب لطلب العلم، فما أزال أقرأ وأحفظ وأكتب وألخّص… وكنت أتعجب من الفارغين الذين يجلسون في الأسواق أو يشاهدون المباريات، أو يسرون علی اللهو، كيف فاتتهم لذة القراءة ومتعة المطالعة؟!
وقد سافرت بلدانا كثيرة، في آسيا وأروبا وامريكا وافريقيا، فكان الكتاب معي عند رأسي وعلی صدري وبين يدي، وعجبت لأهل الغرب كيف يحبون القراءة بقدر بغض العرب لها! وهذا سبب تفوقهم ونهوضهم وإبداعهم، ويا حسرة علی قومي – بني العرب- كيف لا يحبون القراءة؟!!
لقد عشت مع الكتاب أكثر من ثلاثين سنة وكأنها ثلاثون دقيقة من حسنها وبهجتها ولذتها… كأن هذه الأوراق تناجيني وتحدثني وتسامرني، أنام وحولي علماء وحكماء وأدباء وشعراء، كتب مطروحة في غرفتي لا أتركها حتی يداهمني النوم فأقوم فأقراء وأنام وأنا أقرأ، لأنني وجدت القراءة البوابة العظمی لمجد الدنيا والآخرة، ووجدت القراءة الطريق الأرحب للتفوق والامتياز…
لقد شاهدنا عن الدكتورعائض القرني في كتابته هذه ورحلته العلمية نقولا رائعة يبعث الأمل نحو المعاني ويشحذ الأذهان ويصحح التفكير ويوحي بأمل عن طريق الكتاب والقراءة، فمرحبا بهذه الهمة العالية وشكرا له علی هذه الحيوية الإيمانية والدينية.
وفي موقف رائع آخريقول:
تركنا عشق الخدود والقدود والعيون السود، وسمونا إلی عشق ديوان المكارم وموسوعة القيم، ومنبر المجد ومنارة المعرفة، لنصل بأنفسنا وإخواننا إلی أعذب قصة في العشق، وأجمل رواية في الحب، وأحسن أنشودة في الغرام، إنه عشق كتاب نافع من مغرم محب ذكي، وجد في الكتاب بغيته وفي الحرف مطلوبه، فنسي كل معشوق آخر…
انظر فتح الباري وعش في ظلال القرآن وانزل في رياض الصالحين؛ لتنال بلوغ المرام، فإن حادي الأرواح هو الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومن مبادئ اقتضاء الصراط المستقيم سلوك منهاج السنة، لأنه مدارج السالكين، اذا حملوا زاد المعاد وكانوا علی ميزان الاعتدال وساروا علی سير أعلام النبلاء، وما أجمل طالب العلم المحلی بالأخلاق؛ لأن سيرته إحياء لعلوم الدين، لأن الشفاء هو البرهان وهو الحجة البالغة، فبداية المجتهد  ونهاية المقتصد هو دليل الطالب من الوحي، واضواء البيان في ذلك هي معالم الطريق. فإذا عرف العبد ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، وصل إلی ربيع الأبرار وقرة عيون الأخيار، فوجد حدائق ذات بهجة وهتف به لسان الحال: لاتحزن!
ويقول أيضا هذا الشيخ المجرب المحنك البصير عن طمانينة وثقة بالغتين: فوالذي رفع الخضراء فسواها، وبسط الغبراء فدحاها، لقد دخلت علی الملوك وجالست العلماء، وناظرت الأدباء، وطارحت الشعراء، وراسلت النجباء، وشاجيت الشرفاء، وداخلت الأمراء وشرقت إلی جاكرتا وغربت إلی لوس آنجلوس، فما وجدت أنفع ولا أفيد ولا أعز ولا أشرف من صحبة الكتاب، في عزلة من حاسد وحاقد وجاحد وجامد وشامت.
وما أحسن ما قال حول اقتناء الكتب:
وليست العبرة بكثرة اقتناء الكتب، فقد تجد عالما ليس في بيته سوی عشرة كتب قد هضمها وفهمها، وتجد طالبا عريا عن العلم، في بيته مكتبة هائلة من الكتب قد تراكم عليها الغبار، لا يعرف منها إلا عناوين الكتب، فالعبرة بالمضمون لا بالمظاهر.

قطوف دانية وثمار يانعة
في هذه المرحلة نغذي فكرنا وروحنا بثمار يانعة من نخب الأفكار ودرر الأقوال التي امتلأ الكتاب بها وهذا نهر صغير من بحره الواسع. يقول الدكتور العاشق في عاشقه:
– أمة اقرأ لماذا لا تقرأ.
– من عظمة الكتاب أن الله له كتاب.
– العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
– كان ابن دقيق العيد سريع القراءة، يختم كل ليلة مجلداً.
– يا من جمع المال وكنز الذهب وبنی الدور، أخطأتم؛ الكتب أثمن.
– بيت بلا مكتبة مقبرة.
– ما رأيت عظيما إلا يحب القراءة ولا رأيت غبياً إلا يكره الكتاب.
– اول القراءة كلفة وآخرها ألفة.
– ابن حجر ألّف فتح الباري في ثلاثين سنة، أرجوك أعطه من عمرك سنة.
– كان ابن خزيمة يقرأ في كل وقت حتی في ليلة عرسه.
– علم زوجتك القراءة لتعيش معها في سعادة.
– يا عشاق العيون السوداء والخدود والقدود خسرتم!… الكتب أجمل.
– نجلس في العزائم والولائم أربع ساعات ننتظر الطعام مع كلام فارغ؛ اف علی هذه الهمم.
– شكرا لأم احمد بن حنبل كانت توقظه قبل الفجر لطلب العلم.
– أحسن الله عزاء من لم يعرف قيمة الكتب والمطالعة.
– معذرة إلی من قصدنا في زيارته فقد شغلتنا الكتب نقلب صفحاتها.
– إبك علی يوم لم تتدبر فيه آية ولم تستفد فيه حكمة.
– تركت الناس ليس لأنني خير منهم، ولكن لأنني جلست مع الكتب وهي خير مني ومنهم.
– خيمة فيها مكتبة أجمل وأبهی من قصر بلا كتاب.
– ضع أمامك عشرة كتب واقرأ في كل كتاب عشرة دقائق، فهذا أمتع وأفيد.
– إلی متی تنصت إلی كلام التافهين؟! خذ كتاباً واعتزل.
– ما شاء الله زينت بيتك بالزخارف والأثاث والنقوش، فأين الكتب؟
– إذا رأيت رجلا منكبا علی كتاب فانتظر منه عقلا ورأيا.
– من الآن اجعل الكتاب صديقك واهرب من الناس.

بقلم / الشيخ عبداللطيف الناروئي الأستاذ بجامعة دارالعلوم بمدينة زاهدان

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات