اليوم : 23 يونيو , 2008

نيسابور معدن العلماء

نيسابور معدن العلماء

الآثار الباقية من مدينة نيسابور القديمة

الآثار الباقية من مدينة نيسابور القديمة

نيسابور: مدينة إيرانية قديمة تقع شمال شرقي البلاد وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسمية. (الموسوعة العربية العالمية 25/625). اختلف في تسميتها بذلك، قيل إن "سابور" (ملك ايران) مرّ بها وفيها قصب، فقال يصلح أن يكون ههنا مدينة، فقيل لها نيسابور ("ني" بمعني القصب)، وقيل في تسمية نيسابور إن "سابور" لما فقدوه حين خرج من مملكته لقول المنجمين، خرج أصحابه يطلبونه، فبلغوا نيسابور، فلم يجدوه، فقالوا نيست ساور، اي ليس "سابور". (معجم البلدان 4/331)

ومن أسماء نيسابور: "ابر شهر" وبعضهم قالوا "ايرانشهر"، والصحيح أن ايرانشهر ما  بين "جيحون" إلی "القادسية" (معجم البلدان 4/331)
كان المسلمون فتحوها في أيام سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، والأمير عبد الله بن عامر بن كريز رضي الله عنه في سنة 31  هـ .ق صلحاً، وقيل إنها فتحت أيام سيدنا عمر رضي الله عنه علی يد الأحنف بن قيس، وانما انتفضت أيام عثمان رضي الله عنه فأرسل إليها عبد الله بن عامر ففتحها ثانية. (معجم البلدان 4/332)
قال العلامة الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/20): «نزل عبد الله بن عامر بـ "ابر شهر" وبها بنتا كسری، فحاصرها فصالحوه ثم صار معتمراً من نيسابور إلی مكة شكراً لله».
يقول الرحالة ابن بطوطة (ص 401): «هي أحد المدن الأربع التي هي قواعد خراسان ويقال لها دمشق لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها وحسنها، وتخترقها أربعة من الأنهار، وأسواقها حسنة مشعة، ومسجدها بديع وهو في وسط السوق».

دور نيسابور في تكوين رجال الدين
يقول الحموي في معجم البلدان ص 4/331:  «نيسابور معدن الفضلاء ومنبع العلماء، لم أر فيما طفت من البلاد مدينة كانت مثلها».
يقول الرحالة ابن بطوطة: «في مدارسها من الطلبة خلق كثير يقرؤون القرآن والفقه، وهي من حسان مدارس تلك البلاد، ومدارس خراسان والعراقيين وبغداد ومصر وإن بلغت الغاية من الإتقان والحسن فكلها تقصر عن مدرسة نيسابور».
والحقيقة كما قال ابن بطوطة، لأن نيسابور كانت لها الاقدمية في تأسيس المدارس الدينية والمراكز العلمية، ولرجال نيسابور وعلمائها منة علی المسلمين لا سيما في حفظ الأحاديث النبوية علی صاحبها ألف صلاة وسلام وما سواها من العلوم الدينية، لأنه ينتمي إلی نيشابور رجال من أهل الفقه والعلم ما لا يحصی ولا يُعدّ. (الموسوعة العربية العالمية 25/624)
يقول الدكتور نور الله كسائي في كتابه مدارس نظامية بالفارسية ما ترجمته: «وقد نبغ فيها جماعة من العلماء في كل فن ما لا يحصی عددهم في القرون الأولی الإسلامية، لا سيما في فن الحديث والفقه، حتی فاقت نظاميةُ نيسابور نظاميةَ بغداد. فقد قيل بلغ عدد محدثيها ورجالها العلمية في القرون الأربعة الأولی إلی 3000 عالماً». (خراسان قديمي ترين پايگاه علوم اسلامي، مولوي عبد الحميد)
يكفينا أن نذكر أن عدد تلاميذ حلقة درس الفقيه أبي الطيب الصعلوكي كان يزيد علی 500 طالباً. (الأدب الفارسي ص 158)
كانت نيسابور في العهد الساساني والغزنوي من عمدة مراكز العلمية الاسلامية في الشرق. (مدارس نظامية، دكتور نور الله كسائي، ص 83)

أعلام نيسابور ورجالها كبار علماء العالم الإسلامي
لا يسعنا في هذا الوجيز ذكر علماء نيسابور الأعلام بالتفصيل والاستيعاب، فنكتفي بذكر أشهرهم:
1- حجة الإسلام الإمام أبوالحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري، أحد أئمة المحدثين الأعلام، صاحب الصحيح الذي هو تلو صحيح البخاري، ولد رضي الله عنه سنة 206 هـ علی ما ذكره الحاكم في "علماء الأمصار"، وقيل سنة 204، وتوفي سنة 261 ودفن بـ "نصر آباد" ظاهر نيسابور. رحمه الله
قال الحاكم: كان (الإمام مسلم) تام القامة، أبيض الرأس واللحية، يرخي طرف عمامته بين كتفيه.
سمع بخراسان: يحيی بن يحيی واسحاق بن راهويه في نيسابور.
ولما قدم الإمام البخاري نيسابور، أكثر مسلم من التردد عليه والاستفادة منه. (سير أعلام النبلاء)
2- الحافظ الحجة الفقيه إمام الأئمة محمد بن اسحاق بن خزيمة النيسابوري الشافعي 223-311
قال ابوبكر بن محمد: سألت ابن خزيمة من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ماء زمزم لما شرب له، وإني لما شربت سألت الله علماً نافعاً. (سير أعلام النبلاء 14/365)
قال الإمام أبو حاتم بن حبان: ما رأيت علی وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتی كان السنن كلها بين عينيه إلا ابن خزيمة. حدث عنه البخاري ومسلم في غير الصحيحين. (سير أعلام النبلاء 14/372)
وقال السبكي في الطبقات في ترجمة ابن خزيمة (3/109): المجتهد المطلق، البحر العجاج…. جمع أشتات العلوم…. وهو إمام الأئمة.
3-  الحافظ أبوعبد الله الحاكم النيسابوري الشافعي 321-205
إنه سمع بنيسابور وحدها من ألف نفس، روي عنه دار قطني وهو من شيوخه. (سير أعلام النبلاء 17/163)
يقول التاج السبكي في طبقات الشافعية في ترجمة الإمام الحاكم:
كان إماماً جليلاً وحافظاً حفيلاً، اتفق علی إمامته وجلاته وعظيم قدرته.
قال ابو حازم أحمد الحافظ: سمعت الحاكم أبا عبد الله إمام أهل الحديث في عصره يقول: شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف، ولذلك وقع من تصانيفه المسموعة بين أيدي الناس ما يبلغ 1500. (تبيين الكذب المفتري لابن عساكر ص 228)
الكتب التي تفرد بإخراجه:
1- معرفة علوم الحديث 2- المستدرك علی الصحيحين 3- تاريخ علماء نيسابور؛ قال السبكي وهو(أي تاريخ علماء نيسابور) عندي  أعود التواريخ أنفعها علی الفقهاء بفائدة وعلی من نظر فيه، وهوالتاريخ الذي لم تر عيني تاريخاً أجل منه وهو عندي سيد الكتب. (سير أعلام المحدثين ص 350)
قال الشيخ أحمد شاكر: صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والمستدرك علی الصحيحن للحاكم، هذه الكتب الثلاثة هي أهم الكتب التي ألفت في الصحيح المجرد بعد الصحيحين للبخاري ومسلم. (مقدمة صحيح ابن حبان ص 6-7)
4- الإمام ابن حبان صاحب الصحيح، رحل إلی نيشابور وقام بها لطلب الحديث وسمع من ابن خزيمة. (سير أعلام المحدثين ص 298)
وكذلك نزل الإمام البخاري بنيسابور مدة ما.
5- الإمام الحافظ احمد بن حسين البيهقي (384-458)
هوالحافظ الكبير الفقيه الأصولي الناقد، الفقيه الشافعي البيهقي النيسابوري، وبيهق من نواحي نيسابور، قد خرج منها ما لا يحصی من الفضلاء المحدثين والأدباء الفقهاء.
سمع الإمام البيهقي من الحاكم النيسابوري وأخذ منه ما يزيد علی عشرة آلاف رواية وبلغ مروياته عن الحاكم في السنن الكبری 8491 رواية.
قال الذهبي وهو الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام: كان البيهقي أوحد زمانه وفرد أقرانه وحافظ أوانه. (سير أعلام النبلاء 18/163، طبقات الشافعية للسبكي 4/10)
قال إمام الحرمين الجويني: ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فإن له علی الشافعي منة لتصانيفه ونصرته لمذهبه وأقاويله. (طبقات الشافعية الكبری 4/10-11، سير أعلام النبلاء 18/168)
من تصانيفه: 1- السنن الكبری 2- المدخل إلی السنن الكبری 3- معرفة السنن والآثار (هذا كتاب لا يستغني عنه فقيه شافعي كما قال السبكي في الطبقات 4/9) 4- دلائل النبوة 5- الأسماء والصفات. قال السبكي لا أعرف له نظيراً.
توفي رحمه الله سنة 458 ودفن في "خسر جرد" من نواحي نيسابور.
6- إمام الحرمين ابو المعالي الجويني، الفقيه شيخ الشافعية بنيسابور. قال السمعاني: كان إمام الأئمة علی الإطلاق، المجتمع علی إمامته شرقا وغرباً. لم تر العيون مثله. (تاريخ الإسلام للذهبي 32/231)
كان يقعد بين يديه كل يوم في نظامية نيسابور 300 رجل، وتفقه به جماعة من الأئمة. (سير أعلام النبلاء 18/469، المنتظم 16/244)
7- شيخ الإسلام يحيی بن يحيی ابوبكر بن عبد الرحمن: عالم خراسان أبو زكريا التميمي النيسابوري الحافظ. أخذ منه: البخاري ومسلم والدارمي وبن بشار والذهلي والبيهقي والآخرون. ولد سنة 142. يقول اسحاق بن راهويه: ما رأيت مثل يحيی بن يحيی، ولا أحسب أنه رأی مثل نفسه، يقول عبد الله بن احمد: سمعت أبي يذكر يحيی بن يحيی فأثنی علیه خيراً وقال: ما أخرجت خراسان بعد ابن مبارك مثله.
قال اسحاق بن راهويه: أصبح يحيی بن يحيی إمام أهل الشرق والغرب. (تهذيب 1524، سير أعلام النبلاء 10/512)
8- اسحاق بن راهويه: هوالإمام الكبير شيخ المشرق، سيد الحفاظ نزيل نيسابور.
سمع من ابن مبارك  والفضل بن موسی والفضيل بن عياش وابن الدراوردي وسفيان بن عيينة وأبي معاوية الضرير وابن علية، ووكيع به جراح ويحيی بن سعيد القطان وعبد الرزاق. وحدث عنه: أحمد بن حنبل ويحيی بن معين والبخاري ومسلم وأبوداود والنسائي. (سير أعلام النبلاء 11/358)
9- ابراهيم بن طهمان: عالم خراسان نزيل نيسابور. ولد في آخر زمان الصحابة الصغار. وثقه ابن مبارك وأحمد وأبوحاتم وغيره. قال عثمان بن سعيد: لم يزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثقونه.
حدث عنه: أبوحنيفة رحمه الله وابن المبارك.
قال أبوداود ثقة من أهل سرخس خرج يريد الحج وقدم نيسابور فوجدهم علی قول جهم، فقال: الإقامة علی هؤلاء أفضل من الحج، فأقام فنقلهم من قول جهم إلی الإرجاء. قال ابوالصلت: كان إرجائهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران رداً علی الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب.
قال أبوزرعة: كنت عند أحمد بن حنبل رحمه الله فذكر ابراهيم بن طهمان وكان متكئاً فجلس، وقال لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ. (سير أعلام النبلاء 7/378)
10- أبوجعفر بن عبد الله بن رزين الإمام الحافظ الكبير النيسابوري:
حدث عن سفيان بن عيينة ووكيع وأبي معاوية الضرير، وحدث عنه البخاري وأحمد بن سلمة ومسلم بن الحجاج وشيخه يحيی بن يحيی وآخرون، وقد عرض عليه قضاء نيسابور فأختفی ثلاثة أيام ودعا الله فمات اليوم الثالث. (سير أعلام النبلاء 11/383)
11- أبوسعيد محمد بن يحيی النيسابوري الملقب بـ "محي الدين" الفقيه الشافعي:
استاذ المتأخرين وأوحدهم علماً وزهداً. تفقه علی حجة الاسلام أبي حامد الغزالي وانتهت إليه رئاسة الفقهاء بنيسابور. رحل إليه الناس من البلاد واستفاد منه خلق كثير وصار أكثرهم سادة، صنف المحيط في شرح الوسيط والانتصاب في مسائل الخلاف. (وفيات الأعيان 4/223)
قتلته "الغز" شر قتلة حين دخلوا نيسابور في رمضان. قاتلهم الله. دسوا في فيه التراب حتی مات رحمه الله. قال السمعاني: رأيته في المنام فسألته فقال غفر لي. (تاريخ الإسلام للذهبي 37/328)
12- حجة الاسلام الإمام أبوحامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، طار صيته في العالم ولا يحتاج إلی تعريفنا. كان رئيس المدرسين في نظامية نيسابور، ثم ترك التدريس بها وسكن "طوس" ودفن بها رحمه الله.
كان كثير من أعلام العلماء الجهابذة الذين كان علماءالخَلَف عيالاً علی جهودهم العلمية يسكنون نيسابور ودفنوا بها، أو علی الأقل نزلوا بنيسابور وأفادوا واستفادوا، ولكن لا يسعنا المقام أن نذكر حتی أسمائهم بالاستيعاب، ولكن نذكر عدداً منهم:
الإمام الموفق النيسابوري، أبي منصور الثعالبي المفسر، أبوالفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني صاحب الملل والنحل، المحدث ابوالحسن علی المديني، دار قطني، الرياضي الفلكي المعروف عمر الخيام، والشيخ عطار النيسابوري صاحب منطق الطير. فمن يريد المزيد ينظر في تاريخ نيسابور للحاكم النيسابوري.

الفتن التي واجهتها النيسابور
أصابها الغز في سنة 548 هق  بمصيبة، حيث أسروا الملك "سنجر" وملكوا أكثر خراسان، وقدموا نيسابور وقتلوا كل من وجدوا، واستصفوا أموالهم حتی لم يبق فيها من يعرف، وخرّبوها ثم اختلفوا فهلكوا واستولی عليهم المؤيد أحد مماليك سنجر، فعمّرها وسورها وتقلبت أحوالها حتی عادت أعمر بلاد الله وأحسنها وأكثرها خيرا وأهلاً وأموالاً لأنها دهليز المشرق ولا بد للقفول من ورودها، وبقيت علی ذلك إلی سنة 618 ، ثم خرج من وراء النهر كفار من الترك، المسمون بـ "التتر" واستولوا علی بلاد خراسان، وجاء "جنكيزخان" ملكهم الأعظم بنفسه لفتح نيسابور. وبعد أن قتل أهلها زوج إبنته فنازلها وجدّ في قتال من بها، فزعم قوم أن علوياً كان متقدماً علی أبوابها راسل الكفار يستلزم منهم علی تسليم البلاد ويشترط عليهم أنهم إذا فتحوه جعلوه متقدما فيه، فأجابوه علی ذلك، ففتح لهم الباب وأدخلهم، فأول من قتلوا العلوي ومن معه، وقيل بل نصبوا عليها المناجيق حتی أخذوها عنوة ودخلوا إليها دخول حنق يطلب النفس والمال، فقتلوا كل من كان فيها من كبير وصغير وامرأة ثم خرّبوها حتی ألقوها ولم يبق بها حائط قائم.(معجم البلدان 4/332)
وقعت بها الفتنة سنة 489 بين الكرامية وسائر الطوائف من أهلها، فقتل بينهم قتلی كثيرة، وكان مقدم الشافعية أبا القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فخربت مدارس الكرامية وقتل منهم كثير ومن غيرهم وكانت فتنة عظيمة.
 الكامل 10/250

بقلم / الشيخ علي الرسولي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات