اليوم : 22 يونيو , 2008

ترجمة حياة الشيخ السيد عبدالواحد الغشتي رحمه الله

ترجمة حياة الشيخ السيد عبدالواحد الغشتي رحمه الله

 

منظر من قرية غشت

منظر من قرية غشت

كان رحمه الله رجلاً حليماً وقوراً، دمث الخلق، وكان ذا وجه طلق ولايفارقه؛ يقابل مع الأقارب والأجانب، والأحباب والأعداء علی نهج واحد، حتی كان يقابل بحفاوة بالغة قاتل أبيه الذي اعتدی علی الشيخ وأعزله عن منصبه، لأنه ما كان مخالفاً لنفوس هؤلاء بل إنما كان مخالفاً لأفعالهم السيئة.

 

 

*****************************************
ترجمة حياة الشيخ السيد عبدالواحد الغشتي رحمه الله
مؤسس جامعة عين العلوم بغشت – سراوان

 

ولادته ونسبه:
ولد سماحة الفقيد عبدالواحد بن الشيخ السيد غلام محمد بن الشيخ السيد محمد نور بن الشيخ السيد جسيم رحمهم الله عام 1330 أو 1334 من الهجرة النبوية، في عائلة متدينة بقرية غشت.

دراسته :
تعلم الدروس الابتدائية عند والده، ثم رحل إلی إيرانشهر كي يرتشف من مناهل علماء هذه البلدة، ولكن ما ارتفع عطشه بل ظمأ من قبل للتحصيل فسافر إلی شبه القارة الهندية، وبعد فراغه من المقدمات والعالية استفاد من الشيخ خيرمحمد والشيخ حسين علي رحمهما الله وهما من أنبغ تلاميذ قطب الإرشاد، العلامة رشيد أحمد الگنگوهي رحمه الله، وبعد الفراغ عن العلوم العقلية والنقلية والبيعة علی يد رئيس المفسرين وإمام الموحدين سماحة العلامة حسين علي رحمه الله، رجع إلی بلده.

مدة أوان تحصيله في شبه القارة الهندية:
كان رحمه الله سافر في مختلف المناطق مدة اثنتي عشرة سنة يستفيد من ينابيع الأساتذة، وبعد الفراغ سافر لإكساب الأسانيد العالية عند الشيخ خيرمحمد رحمه الله من نوابغ تلاميذ الشيخ رشيد أحمد گنگوهي رحمه الله بمدينة بنجاب، فلما رأی الشيخ نبوغ تلميذه الرشيد قدم إليه الأسناد العلمية التي حصل عليها من جهابذة محدثي العرب والعجم.

تحصيل العلوم القرآنية والتفسيرية:
ثم حضر لتحصيل العلوم القرآنية والتفسيرية عند الشيخ إمام الموحدين حسين علي رحمه الله وكان لدی الشيخ منهج خاص في علم التفسير والقرآن الذي طار صيته في الآفاق.

البيعة:
كما ذكرنا آنفاً بأن سماحة الفقيد بايع علی يد الشيخ حسين علي رحمه الله، وبعد سير المراحل السلوكية نال منه درجة الخلافة، ثم أمره شيخه بأن يبقی مدة ببلدة ملتان لمصارعة الأمور الشركية والبدعات الجارفة، فكان يدعو الناس إلی التوحيد الخالص وإلی اتباع سنن الرسول صلی الله عليه وسلم ويعلّم الناس العلوم القرآنية علی منهج شيخه، حتی بايع علی يديه خلق كثير وجمّ غفير.

الرجوع إلی الوطن:
رجع الفقيد عبدالواحد رحمه الله عام 1358 هـ ق إلی وطنه الحبيب.
ولما كان ناصحاً شفيقاً للأمة يعرف بأن أشفی الدواء لغليل الناس وأبرأ لعليلهم هو بث العلوم بين الناس ومكافحة الجهل، من أجل ذلك خطط في هذا الأمر، فكان يعيّن لكبار الناس والشيوخ دورات تبليغية.
وجوّل إلی أكناف الغبراء النائية ببلوشستان وتجشم عناء السفر لإرشاد الناس.

بناء المدرسة الدينية:
كان رحمه الله قد أدرك حقاً بأن الخطابات والمحاضرات لاتكفي بوحدها لإحياء السنن النبوية، بل إن أوثق العری التي لا انفصام لها – في هذا المجال – هي المدارس وتأليف الكتب.
لأجل هذا الهدف النبيل بنی مدرسة عين العلوم – غشت – عام 1358 هـ، واشتغل بالتدريس هناك نحو عامين.

السجن:
وصدقوا عند ما قالوا: «المعاصرة أصل المنافرة»، فما نجح الفقيد أيضاً عن سهام الحقدية؛ فقامت أمامه شرذمة قليلة من علماء السوء تخاف عن ضياع مناصبهم، فاتحدت مع بعض الظلمة لتشويه صورة الشيخ عند الحكومة، فردوا تقارير كاذبة إلی الحكومة وعرّفوا الفقيد بأنه يريد أن يشتت الشمل ويفرق الجماعة، وهكذا أدخلوه السجن دون أي ذنب أو جريمة.
وامتحن الله فقيدنا لإبلاغ الدين كالأئمة السالفة أبي حنيفة النعمان وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما وغيرهما من الأئمة، حيث اعتقل بضعة شهور في سجون نظام البهلوية المخوفة.

انتقال المدرسة الدينية إلی مدينة جالق:
ولما أطلق سراحه واجه بمعضلات وعدم ما يساعده للعمل البناء، ومن جهة آخر أصر أهل جالق أن يسعدهم الشيخ بمجيئته إليهم، فقبل الشيخ ذلك ونقل المدرسة إلی جالق، فاشتغل هناك نحو عامين بالتدريس وإرشاد الناس، وأنقذ الله به خلقاً كثيراً من الناس الذين كانوا منهمكين في البدعات والترهات والخزعبلات.

الرجوع إلی غشت:
وما طال المطال حتی ندم أهل غشت عن سوء أفعالهم وألحوا بأن يرجع الشيخ إلی غشت ثانياً، فرجع سماحته إلیها وواصل جهوده في تلك المنطقة.

تأليفات :
1- أحسن المقصود في توحيد المعبود.
2- مفتاح الجنة (كليد بهشت).
3- تحفة الحجاج.
4- مخزن تعويذات عمليه.

إصلاح ذات البين والدفاع عن المظلومين:
ولما كان الفقيد رحمه الله من ورثة الأنبياء والعلماء والشهداء، سيماً وارثاً لأبيه الشهيد الذي استشهد في سبيل الدفاع عن المظلومين، فاقتفی بهديهم، وحذی حذوهم، فقام يدافع عن المظلومين المضطهدين.
وكانت الظروف قاسية في ذلك الزمان، فكان أكثر الناس ببلوشستان مضطهدين بالفقر ويأكل القوي منهم الضعيف، وكان الحكام (رؤساء القبائل) قد يظلمون العوام بشتی الطرق، وكان الحكام قبل مجيء قشون “بهلوي” قد اتخذوا الرعية عبيداً وإماء، وكانوا يستخدمون النساء كالإماء، وحال الرجال أقسی من ذلك، بحيث ماكانوا مختارين في أموالهم، وعشر أموالهم يرد إلی حوائج الحكام الذاتية من دون الفقراء الذين كان العشر والصدقات حقهم كما قال الله سبحانه وتعالی: « إنما الصدقات للفقراء والمساكين »، وكان القتل والنهب وقطع الطرق شغل الشاغل للقراصنة، فلا غرو بأن المصلح الشفيق والعالم بالأحكام الشرعية لايتحمل هذه الكارثات ويكوي كبده لما تقترف أمام عينيه هذه الكوارث.
أجل! ماتحمل الفقيد هذه الجرائم بل عمل بهذا الحديث الشريف: «من رأی منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
فبادر بإيعاظ الناس وشجع الناس بأن لا يطأطئوا رؤسهم لدی الظالمين المتغطرسين، فقام الناس وكافحوا الظلم والعنجهية حتی وقعت بينهم وبين الظالمين حروب حاسمة.
فيوماً بعد يوم يطوی بساط العشر من مدينة سراوان مع أن رجال الحكومة كانوا يساعدون الظالمين ولكن المؤمنين الصادقين هزموهم بإذن الله.

الهجرة إلی حق آباد:
ولما فرغ سماحة شيخ الحديث العلامة السيد “محمد يوسف حسين بور” حفظه الله من العلوم وبعد ما أخذ سماحة الشيخ عبدالواحد نصيبه من جهودات جبارة وخدمات جليلة وبعد ما ناضل الظالمين، سلّم المسجد والمدرسة الدينية إلی شيخ الحديث، وهاجر بنفسه إلی منطقة “بسكو” بقرية “حق آباد” كي يعرب عن ارتياحه روحياً وجسمياً بعد التقلبات الكثيرة، ولكن بادر هناك ببناء “مدرسة دارالفيوض الدينية” وأقام في حق آباد نحو أربعة وأربعين سنة، فكان الناس يزورونه من أكناف الغبراء البعيدة وأرجاء المعمورة النائية، وينهلون منه.

الزهد والتقشف:
إن زهده وتقشفه وإعراضه عن زخارف الدنيا معروف علی الألسنة، وماكانت تطوی مائدته عن العوام والخواص.
قد صار تقواه مثلاً سائراً يضرب به المثل، ولانزكي علی الله أحداً، ولاننكر بأن الإنسان لايخطأ ولايذنب، وإنه كان يأمر بالمعروف وينهی عن المنكر، وكان ينهی الذين يلهون ويلعبون ويعزفون الغنی، ولايجيب ضيافة يخال باقتراف اللغويات والمعاصي فيه أو شبه عليه حلية الطعام.

اشتغاله بالذكر والتلاوة:
كان لسانه رطباً بذكر الله سبحانه وتعالی وكان يشتغل بالذكر بعد صلاة الصبح والعصر وبعد صلاة التهجد، وكان يملأ أوقاته الفارغة بتلاوة المصحف والمطالعة في كتب التفسير والفقه.
كان يفسر القرآن الكريم بعد صلاة الصبح لمدة طويلة.

ميزاته الأخلاقية:
كان رحمه الله رجلاً حليماً وقوراً، دمث الخلق، وكان ذا وجه طلق ولايفارقه؛ يقابل مع الأقارب والأجانب، والأحباب والأعداء علی نهج واحد، حتی كان يقابل بحفاوة بالغة قاتل أبيه الذي اعتدی علی الشيخ وأعزله عن منصبه، لأنه ما كان مخالفاً لنفوس هؤلاء بل إنما كان مخالفاً لأفعالهم السيئة.
وتصدق علی قاتل أبيه مراراً كي يكون مصداقاً لهذه الآية الكريمة : «وجادلهم بالتي هي أحسن».
وكان مجتنباً من الغيبة والتثرثر في اللغويات أشد الإجتناب، وكان ذا هيبة عجيبة وذا فراسة نبيلة، لأنه كان ينظر بنور الله.

الصبر والإستقامة:
كان رحمه الله قد ابتلي بحمی المستنقعات نحو ثلاثين عاماً وانجر إلی العمليات الجراحية، وبعد العمليات الجراحية فقد صحته وابتلي بأمراض مزمنة، ولكنه مع ذلك كان صابراً شكوراً، لايجزع ولا يئن.

الكرامات:
وهنا نعدّ غيضاً من فيض كراماته:
1- كان رحمه الله مستجاب الدعوة؛ وهو يعد من الكرامات؛ من أجل هذا كان الناس يأتون إليه أفواجاً ويستدعون منه.
2- وهذه الكرامة معروفة علی ألسنة الناس بأنه لما كان أسيراً في النظام البهلوي كان يذهب للصلاة إلی المسجد مع أنه كان معتقلاً، دون أن تفتح له الأبواب أو يطلع الحراس، ثم بعد فراغه من الصلاة يأتي إلی السجن.
3- يقول الشيخ “محمد سباهي” من تلاميذ الفقيد: «كنت مع الشيخ في سفر لنا من حق آباد إلی سراوان، وفي أثناء الطريق شعرت بالجوع وأخبرت الشيخ من جياعي، فقال: إذهب وجئ بشئ من داخل جل البهيمة. قلت: بحثت فيه من قبل ولكن ما وجدت شيئاً؛ قال: لابأس اذهب وانظر، فذهبت ولما نظرت وجدت رماناً كبيراً مع أنه ما كان موسم الرمان.

وفاته:
بعد ما ذاق تقلبات الدهر وإقبال الطريق وإدباره صار مصداقاً لحديث الحبيب صلی الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل».
توفي يوم الإثنين الثامن من جمادی الثانية عام 1417 هـ ق. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم أبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وأسكنه الفردوس الأعلی.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات