اليوم : 11 مايو , 2008

الجامع المكي وأثره في المجتمع السني الإيراني

الجامع المكي وأثره في المجتمع السني الإيراني
يری الشعب السني هذا الجامع المبارك نجمه الساطع الوحيد في سماء إيران حيث يستهدی به في الليالي والدياجير، ويراه معقل آماله وملتقی أفكاره؛ وعندما تضيق الدنيا عليه وتضطهده، فإن هذا الجامع يبسط له أحضانه بحنان قلب ورحابة صدر.


موقع المسجد الجامع ومساحته:
يقع الجامع المكي في مدينة زاهدان مركز بلوشستان جنوب شرقي ايران و تبلغ مساحته 32000 متر مربع.

نظرة عابرة إلی البيئة التي أسس فيها الجامع المكي:

للتعرف علی عظمة مكانة هذا الجامع الكبير ومدی تأثيره في البلاد نضطر إلی التامل في البيئة السالفة التي أسس فيها هذا المسجد؛ وفي الجاهلية الضاربة أطنابها علی البلد كله، ووصف حالته الخلقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
وكان قد تأثر السنة بمواطينهم، فانتقلت إليهم عادات الجاهلية، وانتقلت إليهم بعض العقائد الخرافية وتسرب إليهم الشرك والبدع، وكانت العقيلات والنساء في اضطهاد، وربما كانت قد تورث المرأة كما يورث المتاع، ومن جانب آخر تغلغلت فيهم نعرات القومية، ونزعات لا يقبلها الإسلام، فان هناك في بلوشستان تعيش طوائف مختلفة وقوميات متعددة من البلوش، وكانت بينهم بالطبع تشاحن وتشادّة، فأدار هذا التشاحن بينهم رحي الحرب، فجعلت تطحنهم، وقد كدّرت عليهم صفو حياتهم ، وأنكهت قواهم، فكادت تقضي عليهم ، ولكن كان إرادة الله تعالی أن يبقی هذا القوم لنصرة دينه في هذا البلاد.
وكانت البلدة – زاهدان – تعاني من الأزمات العلمية والثقافية والسياسية والإقتصادية…
وبالجملة بقيت بلوشستان عامة وبلدة زاهدان خاصة، نتيجة لسياسة بعض قاصري النظر والعنصريين من المؤظفين في الحكومة، مغمورة ومجهولة تقريباً فكان لا يرفع إليهم رأس، ولا يرفعون إلی العالم رأساً.

مرحلة الإصلاح والصحوة:
فهنالك جاءت مرحلة الإصلاح والتنظيم والصحوة، فقيض الله في هذه المرحلة رجال غياری متألمين للإسلام ولأمتهم، وهبوا نفوسهم وأرواحهم ومواهبهم وذكاءهم في إيقاظ المشاعر وإثارة القوی الكامنة وتأهيل هذا الشعب لمستقبلهم الزاهر، وكان يقود هذه المرحلة العلامة الداعية الشيخ عبدالعزيز الملازادة رحمه الله تعالی ( 1336هـ – 1407 هـ)، فإن الله تعالی قرر مسير السنة في هذه المنطقة دينياً وثقافياً وسياسياً علی يد الداعية البطل وأسوة العمل والإخلاص في عام – 1376 هـ  – فجزاه الله عن الأمة والإسلام خير الجزاء .

تأسيس المسجد المكي :
فأسس الشيخ رحمه الله تعالي هذا المسجد في عام 1392 هـ ق علی أساس من التقوی والإخلاص (نحسبه كذلك)، راغباً وراهباً، وكان بناء هذا المسجد نقطة تحول وانقلاب في حياة سكان هذا البلد.
فصار هذا الجامع مركز حياة هذا الشعب، وتعلمهم ودراستهم، ومصدر الإصلاح والتوجيه، تعالج فيه قضايا حياتهم الاجتماعية والدينية ويتلقون فيها أحكاماً في حياتهم، وصار قطباً تدور حوله رحی حياتهم، تتفجر منه عيون العلم والهداية وينبثق منه نور الإصلاح والتوجيه، فكان رحمه الله تعالی يتدرج بهم إلی المعاني الدينية والحقائق الإسلامية، وقد تحمل في الرد علی الإضطهادات التي أعملت في حق السنّة طوال السنوات، متاعب كثيرة، إلي أن قضی نحبه، والتحق بالرفيق الأعلی، وقد أينعت أثمار شجرته التي غرسها بيده المباركة، فكان المصاب عظيماً والواقع كبيراً، وكانت الخسارة فادحة، فخلفه صهره، العلامة الشيخ عبد الحميد حفظه الله تعالی ورعاه، الذي لقب بعد بـ”شيخ الإسلام”، فملكته الفكرة كيف يملأ هذا الفراغ الهائل، وكانت لا يدعه الفكرة: “حرام علی هذه الجهود أن تضيع، وأن يحرم أهل السنة من حقوقهم و لابد أن يعيشوا كراماً، أحراراً، شرفاء، يزاولون شعائرهم الدينية، ويحافظون علی خصائصهم الإسلامية”، حتی حالت بينه وبين كل لذة ، فوهب نفسه وحياته، فترون هذه الفكرة في رحلاته وخطاباته التي تتدفق بالحرارة .
فبذل الشيخ أقصي مجهوده وسار علی دربه، حتی حقق انتصاراً في حقن الدماء وإخماد نيران الحروب والاشتباكات الدامية الطاحنه بين القبائل، فبفضل هذا الجامع والقائمين عليه، عاد الوئام والوحدة إلی الطوائف والقبائل جمعاء.

مشروع توسيع المسجد:
بعد وفاة الشيخ عبد العزيز رحمه الله وبعد ما رأى فضيلة الشيخ عبد الحميد حفظه الله أن الجامع لا يسع المصلين وأنهم يصطفون لأداء صلاة الجمعة في الشوارع، عزم على شراء المنازل الواقعة بالجانب الشرقي من الجامع، وبدأ مشروع توسيع الجامع المكي قبل أكثر من عشرين سنة، وهو يتكون من ثلاث طوابق في 32000 متر مربّع، ولکن العمل لا يزال يسير ببطء لقلة الميزانية، وبعد الفراغ من هذا المشروع، إنه سيکون بعون الله تعالی أکبر مسجد في ايران عامة و لأهل السنة خاصة.
يبلغ عدد المصلين في هذا المسجد في الصلوات الخمس إلی ثلاثة آلاف شخص، و يحضر لصلاة الجمعة أكثر من خمسين ألف مصل.
نظرا إلى ضيق المكان في المسجد الحالي ونظرا إلى استمرار عمليات البناء تقام الجمعة في ساحة المصلى التي تبعد نحو 1 كلم من الجامع المكي.

الاحتفالات والمسابقات:
في عام 1411 هـ ق تخرّج الطلبة لأول مرة من جامعة دارالعلوم المجاوة للجامع المكي، فعقد لهم حفل تكريم في المسجد الجامع، فمنذ سنوات صار هذا الاحتفال السنوي أكبر اجتماع لأهل السنة والجماعة في إيران.
ولرغبة الناس والوافدين من خارج زاهدان، تقرر توسيع هذا الحفل المبارك لمدة يومين، بدل يوم واحد، ويشارك في هذا الحفل جماعات و وفود من عامة الناس والعلماء والمثقفن من جميع محافظات ايران.
وايضاً تقام في المسجد مسابقات منذ سنوات في قسم الحفظ والقراءة للقرآن الكريم بين الطلاب في مستوي المحافظة والبلاد، وقد كان لهذه المسابقات أثر عميق بين طلبة المدارس الدينية.
وايضاً، تنعقد هنا في المسجد مسابقات بين طلبة المدارس الدينية في مستوي المحافظة، في قسم الخطابة وكتابة المقالات والشعر وفئات الأنشودة باللغات الفارسية والبلوشية والعربية والإنجليزية، ولهذه المسابقات دور هام في تثقيف الطلبة وتأهيلهم للمستقبل.


جماعة شباب (الانتظامات):

ولا يمكن لنا في مجال وصف هذا الجامع، التغافل والتسامح عن جهود جماعة من شباب مدينة زاهدان، المتحمسين، حيث تعمل هذه الجماعة تلقائيا في تنظيم الصفوف وتنسيقهم وأمن المصلين وراحتهم. فقد كانت تنفذ الشئون الإنتظامية في السنوات الأولي بلا انسجام وتنسيق، حتی نظمه في عام 1414 هـ. لفيف من الشباب تحت مسمى «الإنتظامات» حيث يرأسهم الأخ “امان الله ناروئي”، ولهم في مجال الحراسة ونظم المحافل والمهرجانات الدينية والعلمية نشاطات تستحق التقدير والتكريم والحفاوة.


مكانة الجامع:

يری الشعب السني هذا الجامع المبارك نجمه الساطع الوحيد في سماء إيران حيث يستهدی به في الليالي والدياجير، ويراه معقل آماله وملتقی أفكاره؛ وعندما تضيق الدنيا عليه وتضطهده، فإن هذا الجامع يبسط له أحضانه بحنان قلب ورحابة صدر.
نعم! هكذا صار هذا الجامع المبارك، سيفاً حاسماً علی أعناق البدع والتقاليد الشركية، وحفاظاً علی الدماء والأموال والأعراض، وحصناً حصيناً وسياجاً متيناً لقيادة أهل السنة في إيران، ومنطلقاً للدعوة والإصلاح في جميع شئون الحياة.
وعاد بفضل هذا الجامع الوئام والإنسجام إلی الأواصر والعلاقات، وصار ملتقی العلماء والطلبة والواردين والصادرين، الذين قد يحملون آراء متناقضة مختلفة وينتمون إلی مدارس متبانية، وبه اكتسب الشعب السني إنجازات في المجالات الانتخابية والسياسية.
وصار الشعب السني بعد أن كان مغموراً ومجهولاً، لا يحسب له حساب، تنظر إليه بعين الإعجاب والإشادة والإكبار.
ومن ثم صار هذا الجامع المبارك وسام الشرف والفخر لأهل السنة والجماعة. رعاه الله بعينه التي لا تنام وبركنه الذي لا يرام.

* اسماعيل قلجايي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات