اليوم : 11 مايو , 2008

الشيخ مولانا شمس الدين المطهري

الشيخ مولانا شمس الدين المطهري

Image
الشيخ مولانا شمس الدين المطهري إبن محمد رضا ، ينتهي نسبه إلی سينا جرير بن عبدالله الجبلي رضي الله عنه . ولد سنة 1282 هـ ش في قرية تيزاب من توابع مدينة خواف في محافظة خراسان .

ينتمي الی أسرة كريمة عريقة في العلم والتقوي والدين . وكانت أثار الذكاء والفطن والعبقرية تلمع في وجهه .
تعلم القرآن المجيد والكتب الفارسية كمثل ديوان الحافظ الشيرازي ونظائره وقرأ الكتب الإبتدائية علی أخيه خواجه نظام الدين وغيره من العلماء الكبار في موطنه .

الرحلة لطلب العلم الی أفغانستان

كان رحمه الله متعطشاً لدراسة علوم الكتاب والسنة والفقه الإسلامي و لما قدرالله للشيخ مستقبلاً مشرقاً فاخراً وقدرعلی يديه خيراً كی يستفيد به المسلمون علماً وعملاً وحكماً وكان الشيخ مشغوفاً حريصاً علی التعلم لم يكتف بهذا العلوم السائدة الجارية في بلده و عزم السفر سنة1307ه ش  إلی أفغانستان مدينة هرات ، وأقبل هناك علی تحصيل العلوم العربية وقرأ علی كبار الأساتذة والمشايخ العلوم المتداولة : صرفاً ونحواً وفقهاً وتفسيراً وحديثاً وأخذ حظاً وافراً من التصوف والعرفان وتزكية النفس .

مدرسة الفتح بوري العلمية

وهذه العلوم وإن كانت علی مستوي عال لم تشبع طموح الشيخ ولذلك عزم لإتمام مدارجه العلمية والإستفادة من مناهل العلم علی السفر إلی مدينة « چمن » في الهند في سنة 1312 هـ ش . وارتحل من هناك إلی مدينة دهلي ومكث في مدرسة فتح پوري خمس سنوات واستفاد من العلماء والفقهاء حق الإستفادة .

دارالعلوم ديوبند

وقد ارادالله به أن يستخدمه في سبيل دينه وأن ينجو به  اناماً كثيراً وأن يستفيد من هذه الشخصية رجال ونساء كثيرون ولذلك كان لايزال ينتقل من مكان إلی مكان في طلب العلم ولايقر له قرار ولايهدأ إلا بعد طلب العلم . فالتحق بمركز العلم ( دارالعلوم ديوبند ) وتتلمذ علی أعلام الهند حينئذف مثل : المجاهد الكبير العلامة السيد حسين احمد المدني ، مولانا إعزاز علی ، مولانا شبير احمد العثماني ، مولانا محمد الیاس الكاندهلوي ، مولانا عبدالخالق ، ومولانا ابراهيم البلياوي ، ومولانا اصغر حسين و مولانا محمد شفيع الذين كانوا يخدمون القرآن والسنة تحت إشراف العلامة القاري محمد طيب رحمه الله تعالی .

وكان الشيخ موضع الحب وإحترام عند أساتذته نظراً الی ذكائه البالغ وخلقه الحسن وكان الشيخ ايضاً يحب أساتذته حباً جماً وكان من شدة شغفه البالغ وانقطاعه إلی العلم حيث أنه يقول : لما كنت في الهند وصلت إلی رسالة من أخي بعد خمس سنوات وكانت انذاك وسط الاسبوع فوضعت الرسالة في جيبي خوفاً من إشتغال ذهني إلی ما في الرسالة وقلت في نفسي تستطيع أن تقرءها يوم الجمعة .

وكان من شدة محبته لأساتذته أنه لايذكر عنده استاذ من أساتذته إلا وتسيل منه الدموع .
أتذكرأننا كنا في حلقة درس المشكوة للشيخ غلام احمد الموحدي ( وهو من تلاميذ الشيخ مطهري ) إذ توقف وسط الدرس فنظرنا إلیه إذا به تذرف عيناه وقال إنني تذكرت استاذي الشيخ المطهري رحمه الله وقد سالت عيناه وهو يدرسنا حكاية زينب بنت رسول الله صلي الله علیه وسلم عند ما أسر زوجها .

التدريس في بريلي إحدي مدن الهند

وبعد تخرّجه أرسل من جانب دارالعلوم ديوبند مدرساً إلی مدينة بريلي في الهند واشتغل سنتين بالتدريس .

الرجوع إلی الوطن

رجع الشيخ المطهري رحمه الله بعد سبع عشرة سنة إلی موطنه من طريق أفغانستان ( وذلك لانه يری نفسه مسئولاً تجاه الأمة ويدرك مدی إفتقارهم الشديد إلی عالم ورع متبحر ماهر وإلی العلوم الشرعية وفي البداية إختار قريته ( تيزات ) للسكني ومحاولاته العلمية والتربوية .

وما إن سمع العلماء ومحبوه بقدومه حتی حضروا عنده برغبة واشتياق كامل يلحون علیه أن ينتقل إلی مدينة ( خواف ) رجاء الإفادة .

التدريس في المسجد الجامع بمدينة خواف

وكثر إلحاح الناس و إصرارهم من المدن والقری المختلفة علی الشيخ لإقامة مدرسة علمية ودعوية كی يقوم لتوجيه الأمة وتعلیم أبنائهم ، ولكن شعب مدينة خواف نالوا هذه العزة بعد إلحاح بالغ من جانب علمائها وشعبها للعلم والتعلیم وقدر الله لهم أن يستعدوا ويتمتعوا بوجود الشيخ رحمه الله .

وفي نفس السنة أقبل علی الشيخ المطهري أكثر من ثمانين طالباً يستفيدون من هذا المنبع الفياض علماً وعملاً وإخلاصاً وصبراً رغم بعض المشاكل المادية والإقتصادية العلائق التي كانت تلقي أمامه . ولكن جهود الشيخ رحمه الله وحبه البالغ لربه وإخلاصه في عمله سهل ذلك كله . والشيخ رحمه الله هو الشخص الوحيد الذي يقوم بتدريس الطلبة .

واستطاع الشيخ رحمه الله بالصبر والإستقامة والإخلاص التي منحها الله أن يتحمل في هذه الساعة العصيبة أمر معيشة الطلاب وتدريسهم وذلك أمرمهم  يثير إعجاب كل إنسان ويغريه بالتقليد .
ولايسعه إلا أن ينسب إلی فضل الله وموهبته جل وعلا إياه .

بناء الجامعة بجوار مسجد بلال رضي الله عنه

ولما كانت هذه الجهود تبذل لوجه الله تبارك وتعالی وتمتعت بعناية الحق وفضله ماحالت المشاكل والعوائق عن الرقي والازدهار بل تتوسع نطاقها .

محاولاته العلمية رحمه الله

كما ذكرنا كان الشيخ يقضي معظم أوقاته ويبذل قواته كليا في تعلیم الطلاب وتربيتهم ( وذلك بسبب قلة المدارس العلمية في ذلك الزمان وإنفراده بهذا العمل ) وانصرف إلی الجواب عن المسائل الشرعية واستفتائات الناس والقيام بتوجيه الأمة والقضاء والفصل بين الناس وبلغ ذلك غايته حتي كانت تصل اليه الإستفتائات والأسئلة الشرعية من خارج المدينة والمحافظات الأخري ، وكان فتواه موضع قبول وثقة لدي الناس جميعاً عاماً وخاصاً ويثقون برأيه ويطمئنون إطمئنان القلب . ورغم ذلك كان الشيخ يجتهد أن ياكل من كريمته وعرق جبينه مستغينا عن ما في أيدي الناس وكثيراً مايرجع في الظهر إلی مولده ( قرية تيزات ) ويشتغل بالزراعة ولذلك لم يجد فرصة للتالیف والتصنيف .
مع ذلك كله كتب رسالة في الرضاعة وأحكامه حيث كانت هذه المسئلة في ذلك الزمان من أهم إستفتائات الناس .
وأمر بتالیف كتاب خلاصة المسائل الذی يشتمل علی الأحكام والمسائل الفقهية بمر الأيام وتزدهر وتعم . وأختير مكان للجامعة بجوار مسجد سيدنا بلال رضي الله عنه  بعد 16 سنة بمساعدة الناس ومعوناتهم المادية والمعنوية . وأسست « المدرسة العلمية أحناف بخواف » وهي وإن كانت تقع في مكان ضيق في المئازق الضيقة وفي منطقة مجهولة لكن علی كل ذلك إنحلت مشكلة سكني الطلبة و فرح الناس والعلماء بها .

تأسيس الجامعة في مكانها الحالی في شارع پير احمد

وعلی مر الأيام وفضله جل وعلا والحصول علی مدرسي الجدد من خريجي هذه الجامعة وازدياد الجمعية وكثرة حاجات المسلمين ولجؤهم إلی الجامعة وازدياد الطلبة أصبحت هذه الجامعة تجيب عن إستفتائات الناس وصارت كمحكمة تقوم بالقضاء وإصلاح ذات البين وكل ذلك كان يقتضي مكاناً أوسع وأكبر وأقرب إلی الشارع الرئيسي في المدينة في وسط المدينة كی يسهل علی الناس الذهاب والاياب دون مواجهة أية صعوبة ولذلك اختيرت هذه البقعة التي تقع الجامعة فيها حالیا وبنيت مبنی الجامعة بعون الله وافتتحت في السنة الثانية من الثورة الإيرانية ( سنة 1358 ) وتمت هذه العملية تحت إشرافه وهذا سوی ما تخرج علی يديه من العلماء وحفاظ القرآن الكريم وماقدم من خدمات كبيرة إلی المسلمين .

مزاياه الشخصية

من الصفات التي كان الشيخ يتميزبها : التواضع والصبر والحلم والتودد وكان أسوة حسنة في الزهد والتقوي والإستقامة والوقار ، وكان لديه حرص شديد علی إتباع السنة ما يندر وجوده الیوم بين الناس . وذلك هو الذي كان يذكرنا بالأئمة السلف الصالحين . وكان نموذجاً بارزاً في اتباع سنة خير البشر والتأسي بخلقه الحسن . فماأحسنت معاملته مع الناس وما أجمل حسن السيرة حيث لايلتقي به أحد إلا ويظن أنه أحب الناس إلی الشيخ .
كان بعيداً عن الريا والسمعة وطلب الشهرة ، زاهداً عن الدنيا وزخارفها وكان من شدة تنفره عن الشهرة أنه لم يكن يسمح إلی مدة أن تنصب لافتة علی باب الجامعة . وكان يكره أن يؤخذ اسمه في المحافل والمجالس ويمنع من ذلك إبتعاداً عن الشهرة ويؤكد تلاميذه في الإحتفالات السنوية للمتخرجين « أن لاتأخذوا إسمي » وكان يوصي تلاميذه دائماً : إجعلوا أعمالكم خالصة لوجه الله الكريم ولاينبعي أن تبطلوا أعمالكم بالمن علی الناس والطرح أمامهم فإن الله هو الناصر والمعين لعباده وقلوب العباد بيده وفي قبضته جل وعلا يتصرف كيف يشاء . قيمة العمل بإفراد الإخلاص لله تعالی وفي عكس ذلك لاقيمة لذلك العمل .

وكان يهمه تربية الطلاب وتزكية نفوسهم ، يحرّضهم بالإلتزام علی النوافل وتزكية القلب فضلاً عن الفرائض .
يقول أحد تلاميذه ( الخطيب الحالی بمدينة طايباد ) الحافظ جي : حضرت مجلسه وقلت : الناس يقدمون إلیّ بعض الهدايا بعد الخطابة ، ماذا أفعل كی لاتكون هذه الهدايا بمثابة أجر لخطابتي ؟

أجاب رحمه الله إلزم النوافل وأكثر من تلاوة القرآن والصيام والصلاة النافلة .

كان رحمه الله عادلاً في حكمه وقضاياه لاتأخذه في إظهار الحق رأفة ولاهيبة ولايخاف في الله لومة لائم . ويجتنب التزمّت والعيب عن الآخرين ، عاكفا في عبادته خاشعاً لربه ساجداً في الليل . اسوة في العلم والعمل ، يلبس ثيابا ساذجاً وقد يلبس الرداء ( العباء ) في الأعياد والمحافل وقد يدخل المدرسة لابساً معطفه و يحمل معه عصا ، وقد أعطاه الله هيبة إلهية و وقاراً إيمانياً ف تعرفه قلوب الناس وتراه عيونهم كأنّ جنداً من جنود الله تحيطه .
وكان يسوق غنمه في الشارع وهو آخذ معه بعض العلف في الطريق العام من حديقة له في المدينة إلی بيته ولورآه أحد لإول مرة لايعرف أهو عالم أم زارع وراع ساذج .

وكان الشيخ يعني عناية كثيرة بشئون المدرسة ويهتم بها . ويری نفسه مسئولاً عنها . كأنّ الساعة أقيمت ويكاد يسئل عنها وكثيرا ما تجري علی لسانه مثل هذا الكلام : كيف أقوم غداً أمام ربي و أجيب ! ولورأي قطعة خبز ملقاة في ساحة المدرسة تغير لونه يأخذها ويقول : هذه زكاة أموال الناس وصدقاتهم أنفقوا علی الطلاب ليتعلموا الدين ، كيف الجواب عن هذه ؟ وكان يعز علیه أن يري الطالب ضائعاً عاطلاً فارغاً ، لم يستعد للدرس ، ويغضب علیهم . وكان يود ويقول كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه : لوسئلني الله عن أمر المدرسة لوددت أنّ ذلك كفافاً لا علیّ ولا لي .
كان الشيخ قاطعاً في تنفيذ الأحكام الهية وحدود الله ، دون أيّ خوف من المخلوق . وكان ذا هيبة عجيبة و حتي أن الرجال لاقوياء والأثرياء يأتون إلیه خائفين .لايتكلمون علی كلامه ويخافون هيبته وكان يتواضع في التعامل مع الناس و في الامور الشخصية الدينوية ويلاطفهم وكثيرا ما يزوره الشيوخ والعجائز والشباب وحتي الأطفال من المدن والقري المجاورة او المهاجرون الأفغانيين ويتحدثون الیه ويطرحون أمامه قضاياهم الفردية وآلامهم تري كأنّ أخوين شقيقين أو والد و ولد يتلاطفان ويتحابان .

يحب لله ويبغض لله ويعفو لله وكانت هذه الصفات في قبضته يضعها في موضعها ، مثلا لما يري أحدا يتمرد في حكم الدين ، يغضب علیه لايقوم لغضبه شيء ولا أحد يقاومه ولما تصدر من أحد زلة خطأ وتنبّه علی خطئه وندم لم يظهر له شيء من الملامة ولاينهره . ويؤيّد ذلك أن أحداً من الطلاب لما انتهی عن الدروس أخذ دراجته وخرج من المدرسة قاصداً قريته لم يتنبه فجأة يصطدم بالشيخ رحمه الله وهو يتحدث مع آخر . والشيخ رحمه الله لايلتفت إلیه فضلاً عن المعاقبة والملامة ولايقطع كلامه لما رأی أنه لم يقصد شيئاً والطالب المسكين إحمر وجهه وندم علی فعله .

أخلافه رحمه الله

خلف الشيخ رحمه الله من زوجتيه ثلاث أبناء وبنتين ، إبنه الأكبر فهو الشيخ حبيب الرحمن ( حفظه الله ) نموذجاً حياً من والده رحمه الله يتمثل فيه التقوي والإخلاص والإيثار . وملأ بشخصيته العلمية والعملية الفراغ الذي حدث بوفاة والده الكريم .
وتسكن قلوب المحزونة بوجوده بعد وفاة والده إلی حد ما ، وبعد وفاة والده أسند الیه الخلافة والنيابة عن والده بمشورة من العلماء والمدرسين ولاتزال ترتقي هذه الجامعة ويعم خيرها تحت إشراف ابن الشيخ ونرجو الله أن يديم ظله علی المسلمين ونفع بعلومه المسلمين والإسلام ويستخدمه لخدمة دينه لإعلاء كلمته .
وأما إبناه الآخران خواجه عبيدالله ( نثار احمد ) وخواجه حفيظ الله ، يشغلان بالتدريس في المدرسة الثانوية والإعدادية الحكومية .

الوفاة

أصيب الشيخ بمرض في قلبه سنة 1410 هـ ق وذهب به إلی المستشفي بمشهد وشاع الخبر في الناس شياعاً ، أصبح حديث الناس عن حال الشيخ حديث المحافل وكان أهل المدينة علی اطلاع متواصل بأحوال الشيخ يتوافدون إلی مشهد بالسيارات والحافلات وكان الوافدون يخبرون الغائبين وعمت الشائعة و وقعت علی الناس كالصاعقة فتتابعت السيارات إلی المستشفي وبدأ الناس يتصلون هافياً .

والشيخ ظل يردّد الورد الإبراهيمي في هذه الليلة : لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك …
ولبّي نداء ربه في عشر ذي الحجة من سنة 1410 هـ ق وانتقل جثمانه بعد يوم إلی مدينة خواف . حل الهم والحزن مكان الفرح والسرور في قلوب مصلي صلاة العيد . وطار الخبر في المدينة وتقاطر الناس وما إن مضت ساعات حتي كان الحشد هائلاً ، الذي لايكاد يجمعه جامع ولايقيده نظام ، ثم غسله العلماء ولازموا جميع السنن وصلي علیه في مصلي العيد جمع كثير من العلماء والفقهاء وعامة الناس و وضع جسده بعد مشاق طويلة من الزحمة التي تفوق السيطرة في قبره في مقبرة بجوار الجامعة واشترك في الجنازة سماحة الشيخ عبدالحميد حفظه الله وألقي اليهم الحديث وأوصاهم بالصبر والتقوي وعزاهم وسلّی خاطرهم .

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات