اليوم : 13 مايو , 2008

سالم مولی حذيفة

سالم مولی حذيفة

Image
تحية طيبة للدين الذي ربّی سالم بن معقل .
سالم من السابقين الأولين ، البدريين ، المقربين ، العالمين ، المتقين .
وهوالذي آمن إيمان الصادقين ، وسلك طريقه الی الله سلوك الأبرار المتقين .
كان عبدا رقيقا ، اعتقه زوجة أبي حذيفة ، وتبنّاه أبوحذيفة .
رفع الاسلام من شأنه حتي جعل منه ابناً لواحد من كبارالمسلمين ، ولما أبطل الاسلام عادة التبني ، صار أخا ، ورفيقا ومولی للذي كان يتبناه ، وهو الصحابي الجليل : « أبوحذيفة بن عتبة ».

آمن قبل سلمان الفارسي ، وكلاهما من الذين يصدق فيهم قول الله سبحانه وتعالی : « ومن يتولی الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون » المائدة 65 .
لقد ارتفع سالم بتقواه وبإخلاصه الی أعلی مراتب المجتمع الجديد الذي جاء الاسلام يقيمه وينهضه علی أساس جديد عادل وعظيم . أساس تلخصه الآية الكريمة : « إن أكرمكم عند الله أتقاكم » الحجرات : 13 .
والحديث الشريف : « ليس لعربي علی عجمي فضل إلا بالتقوی »

مولده :
أصله من إصطخر ، .
قال الذهبي نقلا عن موسی بن عقبة : هو سالم بن معقل .
وقال ابن سعد في طبقاته : سالم بن عبيد بن ربيعة ، نقلا عن ابن منده .
وهوفاحش ، لأنه كان من أهل فارس من اصطخر .

نشأته:
أقبل سلام بن جبير القرظي من الشام ، كعهده في كل عام ، بتجارة عظيمة فيها ضروب من المتاع ، وتبيعه من قوافل العرب والیهود ، ولم يكد سلام بن جبير يستقر في بني قريظة حتی عرض متاعه للناس ، فأقبل علیه أهل يثرب من الأوس والخزرج ، والیهود ، ينظرون ويشترون . ولم تمض أيام حتی باع تجارته وأفاد منها مالاً كثيرا . لكن بقي صبي عرضه سلام علی العرب فرغبوا عنه ، وعلی الیهود فزهدوا فيه . وكان هذا الصبي غصة في حلقه وحسرة في قلبه ، اشتراه بثمن بخس زهيد . وقدر في نفسه أنه سيبيعه فيربح كثيرا . ولكن أهل يثرب لما رأوا سلاما يعرض علیهم هذا الصبي ويلح في عرضه ويرغب في شرائه ، انكروا منه ذلك وظنوا به الظنون .
ولم يكن الصبي يحسن العربية ، بل لم يكن يستطيع أن يفصح عن ذات نفسه . وإنما كان إذا كلمه سيده أو غير سيده من الناس التوی لسانه بألفاظ فارسية لايفهمها عنه أحد .
وكان سلام يقول للناس إن هذا الصبي ذكي الفؤاد ، صناع الید ، موفور النشاط وأنه من سليل أسرة فارسية شريفة أقبلت من إصطخر حتی استقرت في الأبلة ، فملكت أرضاً واسعة ، وملكت تجارة عريضة .
فإذاسئل من أنباء هذه الأسرة عن أكثر من ذلك لم يرد جوابا و إنما يقول : زعم لي من باعني هذا الصبي أن العرب اختطفوه حين أغاروا مع الروم علی الأبلة ، فباعوه من بني كلب ، وقد رأيته فرق له قلبي ومالت الیه نفسي وقدرت أن سيكون له شأن أي شأن ، فاشتريته فيما اشتريت من المتاع والعروض .
ولكن الناس كانوا يسمعون ويضحكون ويتركون سلاما وفي قلبه حسرة علی ما أنفق من مال وعلی ماكان يرجو من ربح .
وتمر ثبيتة بنت يعار الأوسية بسلام ذات ضحی وهو يعرض صبيه هذا في أسواق يثرب .
قالت ثبيتة : ما اسم هذا الصبي ؟
قال سلام : اسمه سالم .
قالت ثبيتة : سالم ابن من ؟
قال : لا أدري ! ولكن اشتريته من كلبي يسمي معقلاً .
قالت : فبكم تبيعه مني ؟
قال : لا أريد إلا ما أديت من ثمن وما أنفقت علیه حتی الآن .
فاشترته وعادت الی دارها بالصبي وقد ربح الیهودي فأحسن الربح ، وربحت هي بشراء هذا الصبي ربحاً لايقوم بالدراهم ولا بالدنانير .
فقد عنيت ثبيتة بسالم حتی ربا جسمه ونما عقله وأصبح غلاما ذكي القلب سريع الحس ، حديد السان …
وكانت ثبيتة له محبة وبه مغتبطة وعنه راضية .
وقد خطبها رجال من الأوس والخزرج ومن أشراف البادية حول يثرب ( المدينة ) فامتنعت علیهم . ومر وفد من قريش بيثرب ذات عام ، وفيهم أبوحذيفة سمع حديث ثبيتة وغلامها ، وإذا هو يخطب ثبيتة هذا الفتاة الأبية ، فتمتنع علیه أول الأمر ، حتي إذا علمت بمكانته من قريش وبأنه من أشرافها … استجابت لخطبة هذا المكي . ويعود أبو حذيفة بأهله وسالم الی مكة في وفد قريش .

متی أسلم سالم :
لما عاد أبوحذيفة بأهله الی مكة ، غذا الی أندية قريش ، و أحس بحدث في مكة لايدري أيسير هو أم خطير، فذهب الی دار عثمان رضي الله عنه ، وكان له خليلا ، فلما بلغ أبوحذيفة دار عثمان ودخل علیه تلقاه صديقه بما تعود أن يتلقاه به من البشر والبشاشة والترحاب ، وجری بينهما حوار جميل ومثير ، وأمسی أبوحذيفة مسلماً ، ودخل بإسلامه علی ثبيتة ، فلم تكد تسمع له حتی آمنت بمحمد وماجاء به ، وسمع الغلام سالم حديثهما فمالت الیه نفسه ، و إذا هو يؤمن كما آمنا . ولم يتقدم الليل حتی زادت بيوت الاسلام في مكة بيتاً .

الهجرة الی المدينة:
 وقد أذن رسول الله صلي الله علیه وسلم لأصحابه في الهجرة الی المدينة ، فجعلوا يذهبون الیها أرسالا ، واجتمعت جماعة المسلمين المهاجرين الی اخوانهم من الأنصارفي قباء ، وكانوا في أثناء ذلك يقيمون الصلاة كما كانوا يقيمونها بمكة . وينظر المسلمون فإذا أقرؤهم في ذلك للقرآن سالم مولی حذيفة فيقدمونه ليؤمهم في الصلاة ، وفيهم أعلام من المهاجرين ، منهم عمر بن الخطاب الذي كان اسلامه فتحا ، وهجرته نصراً وخلافته رحمة .
وينظر المشركون والمنافقون من الأوس والخزرج فيرون هذه الجماعة من المهاجرين والأنصار يقدمون سالماً ليؤمهم في الصلاة ، فيكبرون من أمر سالم ويقول بعضهم لبعض : ألا ترون الی هذا الرجل الذي يصلي بهذه الناجمة من أصحاب محمد ! إنه سالم . الصبي الذي كان يعرض علی العرب والیهود ولايحسن العربية ولايفهمها .
ألا ترون الی هذه الناجمة من أصحاب محمد يؤمهم فارسي قد كان بالأمس عبداً ؟
إن لهؤلاء الناس لشأنا . إنهم يسوّدون العبيد ، ويلغون ما بين الأحرار والرقيق من الفروق .
نعم ! الغلام الذي زهد فيه العرب والیهودجميعاً ،أصبح يؤم الأشراف من قريش ومن الأوس والخزرج .
وهذا من روائع الاسلام وأسسه التي تقوم علی الإخاء والعدل والنصفة والمساواة .

زواجه :
وجد أبوحذيفة شرفا لأسرته أن يزوج « سالماً » ابنة أخيه « فاطمة بنت الوليد بن عتبة » !!
نعم … كان بالأمس عبداً رقيقا لايحسب له احد حسابا . وفي المجتمع الجديد ، الذي هدّم الطبقة الظالمة ، وأبطل التمايز الكاذب وجد « سالم » بسبب صدقه وإيمانه ، وبلائه وجد نفسه في الصف الأول دوماً !!
مناقبه :
كان من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم ، ويعد في القراء لقول الرسول علیه السلام : « خذوا القرآن من أربعة » فذكره منهم . وهذا الحديث متفق علی صحته .
وكان عمررضي الله عنه يفرط في الثناء علیه . قال قبل موته : إني جاعل هذا الأمر( أی أمر الخلافة ) الی هؤلاء الستة . ثم قال : لو أدركني أحد الرجلين ، ثم جعلت الیه الأمر ، لوثقت به : سالم مولی أبي حذيفة ، وأبو عبيدة بن الجراح .
قال الذهبي : فان صح هذا ، فهو دال علی جلالة هذين في نفس عمر ، وذلك علی أنه يجوز الامامة في غير القرشي ، والله اعلم .

كان من أبرز مزاياه ، الجهر بما يراه حقاً ، إنه لايعرف الصمت تجاه كلمة يري من واجبه أن يقولها ، ولايخون الحياة با لسكوت عن خطأ وظلم .
بعد فتح مكة ، أرسل الرسول بعض السرايا الی القبائل والقری دعاة ، لامقاتلين .
وكان علی رأس إحدی هذه السرايا « خالد بن الوليد » .
فاستعمل سيفه وأراق الدم … ولما رأي سالم صنيع خالد واجهه بمناقشة حامية ، ولم يكن ينظر الیه كقائد تقدس أخطاؤه . بل كشريك في المسئولية والوجب !
وقد سأل الرسول علیه السلام عندما بلغه صنيع خالد بن الوليد قائلاً : هل أنكر علیه أحد ؟
قالوا : نعم … راجعه سالم وعارضه .
فسكن غضبه علیه السلام .
لقد كان إماما للمهاجرين من مكة الی المدينة طوال صلاتهم  في مسجد قباء وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان يصلي خلف سالم .
وكان معه من الخير والتفوق ما جعل الرسول عيله السلام يقول له : « الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك » قال الذهبي : اسناده جيد .

وفاته :
انتقل الرسول الی الرفيق الاعلی و واجهت خلافة أبي بكر رضي الله عنه مؤمرات المرتدين ، وجاء يوم الیمامة ، وكانت حربا رهيبة ، وخرج المسلمون للقتال ، وخرج سالم وأخوه في الله  أبو حذيفة ، وتعانق الاخوان وتعاهدا علی الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة .
كان أبوحذيفة ينادي : « يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم » .
وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب .
وكان سالم يصيح :
بئس حامل القرآن أنا لو هوجم المسلمون من قبلي !
حاشاك يا سالم ، بل نعم حامل القرآن أنت .
وكان سيفه صوالاً جوالا في أعناق المرتدين الذين أرادوا أن يطفئوا نور الاسلام . ونزل سيف من سيوف أهل الردة علی يده الیمنی ، وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها ( زيد بن الخطاب ) .
ولما رأی يده الیمنی تبتر ، التقط الراية بيده الیسری وهو يصيح تالیا الآية الكريمة : « وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين » ال عمران : 146 .
وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهدائهم وجدوا سالما في النزع الأخير.
سألهم : ما فعل أبو حذيفة ؟
قالوا : استشهد .
قال : فأضجعوني الی جواره …
قالوا : إنه الی جوارك يا سالم لقد استشهد في نفس المكان .
وابتسم ابتسامته الاخيرة .
لقد ادرك هو وصاحبه ما كان يرجوان !!
معا أسلما – ومعا عاشا – ومعا استشهدا …
يا لروعة الحظوظ وجمال المقادير .
إن قصة سالم كقصة بلال وكقصة عشرات العبيد والفقراء الذين جعلهم الاسلام أئمة ، وقادة وزعماء …

المصادر والمراجع :
1- سير أعلام النبلاء . شمس الدين الذهبي . دارالكتب العلمية بيروت .
2- رجال حول الرسول . خالد محمد خالد ، دارالجيل بيروت .
3- الوافي بالوفيات ، صلاح الدين خليل الصفدي دارالنشر فرانز شتايز اشتوتغارت .
4- أسد الغابة . ابن الأثير . دارالكتب العلمية بيروت .
وانظر في التاريخ الكبير للبخاري 4/107 والتاريخ الصغير 1/38 ، والمعارف 273 ، ومشاهير علماء الأمصار 101 ، والاستيعاب 4/101 – 104 ، وتهذيب الأسماء واللغات 1/206 ، وجمهرة أنساب العرب 77 ، وحلية الأولياء 1/176 ، والإصابة لابن الحجر 2/6 . الوعد الحق لطه حسين .

  
      

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات