اليوم : 11 مايو , 2008

مقبرة الصحابي النعمان بن مقرّن المزني بمدينة نهاوند

مقبرة الصحابي النعمان بن مقرّن المزني بمدينة نهاوند

Image
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علی سيد المرسلين وعلی آله وصحبه أجمعين ومن
تبعهم بإحسان إلی يوم الدين أما بعد:
لقد قال الله تبارك وتعالی: « إن الدين عند الله الإسلام ».

 

وقال تعالی: « و من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ».
إن الله تبارك وتعالی خلق الإنسان كما خلق له ما في السموات والأرض ثم أرسل لهدايتهم من جنس البشر، الأنبياء والمرسلين في كل زمان، واقتضت حكمة الله سبحانه وتعالی أن يختم هذه السلسلة المباركة برسالة محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه.

الصحابة وخدماتهم الجبارة

من الحتم أن الرسول صلی الله عليه وسلم كان صاحب إرهاصات ومعجزات ودلائل؛ ومن معجزاته صلی الله عليه وسلم أنه في مدة قصيرة ربّی جيلاً وجماعة من الأصحاب رضوان الله تعالی عليهم أجمعين حيث تكفل هؤلاء مسؤلية الرسالة المحمدية علی صاحبها الصلاة والسلام إلی أقصی الأرض كما أقاموا الحجة علی الإنسانية وأناروا الدرب لمن أراد أن يسلك سبيل الهداية والرشد ويخرج من الظلمات إلی النور.
ولاشك أن العالم الاسلامي اليوم فرداً وجماعةً، حكومةً وشعباً، ديناً وسياسةً، جهاداً ودعوةً، بحاجة إلی دراسة مسيرة النبي المصطفی عليه الصلاة والسلام كما هو بحاجة ايضاً إلی دراسة تاريخ حياة الصحابة رضي الله عنهم وجهودهم العظيمة الخالدة التي بذلوها لرفع راية التوحيد وانتشر بها الإسلام في نصف المعمورة في نصف قرن تقريباً، وهبّت ريح الايمان في أكثربقاع الأرض.
إن السيرة النبوية وسير الصحابة وتاريخهم من أقوی المصادر الإعانية والعاطفية الدينية التي لاتزال هذه الأمة والدعوات الدينية تقتبس منها شعلة الإيمان، وتفشعل بها مجامر القلوب التي يسرع انطفاؤها وخمودها في مهب الريح العواصف المادية، والتي إذا انطفأت فقدت هذه الأمة قوتها وميزتها وتاثيرها وأصبحت جثة هامدة تحملها الحياة علی أكتافها.
يقول الشيخ الندوي رحمه الله: إنها تاريخ رجال جاءتهم دعوة الإسلام فآمنوا بها وصدقتها قلوبهم، وما كان قولهم إذا دعوا إلی الله ورسوله إلا أن قالوا: « ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنّا». (آل عمران 193)
و وضعوا أيديهم في يد الرسول صلی الله عليه وسلم وهانت عليهم نفوسهم وأموالهم وعشيرتهم، واستطابوا المرارات والمكارة في سبيل الدعوة إلی الله، وأفضی يقينها إلی قلوبهم، وسيطر علی نفوسهم وعقولهم، وصدرت عنهم عجائب الإيمان بالغيب والحب لله والرسول، والرحمة علی المؤمنين والشدة علی الكافرين، وإيثار الآخرة علی الدنيا، وإيثار الآجل علی العاجل، والغيب علی الشهود، والهداية علی الجباية، والحرص علی دعوة الناس، وإخراج خلق الله من عبادة العباد إلی عبادة الله وحده و من جور الأديان إلی عدل الاسلام ومن ضيق الدنيا إلی سعتها، والاستهانة بزخارف الدنيا و حفطامها، والشوق إلی لقاء الله والحنين إلی الجنة، وعلو الهمة وبفعد النظر في نشر رغد الإسلام و خيراته في العالم، وانتشارهم لأجل ذلك في مشارق الارض ومغاربها وسهولها وجزونها وأغوارها وأنجادها، و نسوا في ذلك لذاتهم وهجروا راحاتهم، وغادروا أوطانهم وبذلوا مهجهم وأموالهم حتی ألقی الدين بجرانه، وأقبلت القلوب إلی الله، وهبّت ريح الإيمان قوية عاصفة، طيبة مباركة، وقامت دولة التوحيد والإيمان والعبادة والتقوی، ونفقت سوق الجنة وانتشرت الهداية في العالم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ضحّت وقائعهم كتب التاريخ، وحفظت أخبارهم دواوين الإسلام، وكانت دائماً مادة التجديد والبعث الجديد في حياة المسلمين، ولذلك اشتدت عناية دعاة الإسلام والمصلحين بهذه الحكايات، واستعانوا بها في إيقاظ همم المسلمين وإلهاب قلوبهم بجذوة الإيمان والحماسة الدينية، ولكن أتی علی المسلمين حين من الدهر زهدوا فيه في هذا التاريخ و تناسوه. ( أعلام المسلمين و مشاهيرهم للندوي ص 325)

النعمان بن المقرن المزني رضي الله عنه

وانصرف الكتّاب والمؤلفون والدعاة إلی أخبارهم من هنا وهناك، ولقد غفلنا بأن في أخبارهم روح ونور، نشاط وعمل، تربية وتاثير في النفوس والقلوب، ومن هولاء الرجال الأفذاذ الذين سجلوا تاريخاً وبخاصة في القطر الشرقي من العالم في بلاد فارس ولهم علينا منة وإحسان ولكنه مع الأسف الشديد لقد نسينا فضلهم وإحسانهم أو تناسيناهم بتعبير أدق، هو الصحابي الجليل، المغوار، بطل الحرية ومنجي المستضعفين "النعمان بن المقرن المزني رضي الله عنه".
قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن للايمان بيوتاً، وإن بيت آل مقرّن من بيوت الإيمان. ( تهذيب التهذيب لابن حجر 523/8)
 لقد كان أبناء مقرّن عشرة إخوة، كلهم صحب الرسول صلی الله عليه وسلم وليس ذلك لأحد من العرب غيرهم، نزلت فيهم الآية الكريمة « ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر». (الإصابة 126/6)

إسلام سيدنا النعمان بن مقرّن المزني رضي الله عنه

قدم النعمان مع إخوته علی رأس أربعمائة فارس من مزينة علی النبي صلی الله عليه وسلم فأسلموا، و ذلك في رجب من السنة الخامسة للهجرة. (طبقات ابن سعد(29/1)
و شهدوا مع الرسول غزوة الخندق وغزواته الآخری، و قد كان النعمان يرفع لواء مزينة في فتح مكة. (الإصابة 246/6)
وثبت النعمان كما ثبتت مزينة علی الإسلام بعد التحاق النبي صلی الله عليه و سلم بالرفيق الأعلی، بينما ارتد بعض العرب، ونجم النفاق وأصبح المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقدهم نبيهم. ( الطبري:(461/2)
فكان لثبات مزينة والقبائل الافخری المقيمة بين مكة والطائف أثر كبير في القضاء علی المرتدين في تلك المناطق بصورة خاصة وفي المناطق العربية الأخری بصورة عامة.
لقد كان النعمان قائد مزينة ورئيسها، فلابد أن يكون له الأثر الحاكم في إقدامها علی الإسلام في عهد النبي صلی الله عليه وسلم وتمسكها به بعد وفاته،  كما كان النعمان وإخوته من أبرز الرجال الذين أعانوا أبابكررضي الله عنه علی محاربة المرتدين وإعادة الهدوء والوحدة إلی ربوع شبه الجزيرة العربية.

النعمان بن المقرن يرشّح إلی معركة نهاوند

بعد أن فتح العراق وسوادها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه استحرّت واشتدت رحی الحرب في الجبهة الشرقية، واستطاع المسلمون أن يفتحوا بعض البلاد والأقاليم من الأهواز والكور وغيرهما.
بعد هذا الانهزام والفشل تقهقر يزدجرد المجوسي من بلد إلی بلد حتی وصل إلی اصفهان، وقد كان هنالك طريداً شريداً. فكتب إلی ناحية نهاوند وما والاها من عشايرالجبال والبلدان واستجاشهم ونفخ فيهم روح الدفاع، فتجمّع لهذا الأمر مالم يجتمع له قبل ذلك حتی بلغ عددهم مائة وخمسين ألفاً.
فبعث سعد إلی عمر يعلمه بذلك، فتقرر لدي عمر رضي الله عنه أن يسير بنفسه لمعالجة هذا الخطر العظيم ولكن أصحاب الشوری وعلی رأسهم علي بن ابي طالب منعوه عن الخروج ونصحوه أن  يبقی بنفسه في المدينة المنورة، وآل الأمر إلی إرسال قائد يعتمد عليه ليفرق شمل القوات الفارسية.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أشيروا علی برجل أولّيه ذلك الثغر وليكن عراقياً، فقالوا: أنت أعلم بجندك وقد وفدوا عليك! فقال: والله لأولينّ أمرهم رجلاً يكون أول الأسنة إذا لقيها غداً … هو النعمان بن مقرّن.‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ فقالوا: هو لها !». (ابن الأثير: 3/3)
وفي بعض الروايات التاريخية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أراد أن يرشح النعمان بن مقرن في القطر الشرقي فناداه لذلك الأمر العظيم فاستجابه النعمان قائلاً: أما غازياً فنعم! و أما جابياً فلا!، ( المراد بالجابي، أن يولّي إمارة مدينة فيكون أسيراً علی أهل المدينة فيجمع ويجبي الصدقات ويولي أمور بيت المال والحكم) فالنعمان كان لا تعجبه زخارف الحكم والإمارة، لأنه كان رجل المعركة والجهاد، ويحب الشهادة والفناء في سبيل الله، فسار النعمان بن مقرن بأمر الخليفة إلی أرض الجهاد والغزو والتقی هناك بالقائد العام في الجبهة الشرقية  (الصحابي الجليل سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه) فولی النعمان علی «كسكر»، فكره النعمان هذا وكتب إلی عمر رضي الله عنه أن يعزله لأنه لا يريد أن يكون جابياً بل يريد أن يكون غازياً، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
  « بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلی النعمان بن مقرن، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد بلغني أن جموعاً من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصرالله بمن معك من المسلمين، ولا تواطئهم وعراً فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلاً من المسلمين أحبّ إلی من مائة ألف دينار. والسلام عليك ». ( الطبري 3/253.البداية 7/127)
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلی والي الكوفة يأمره أن يستنفر ثلثي الناس و يبقي ثلثهم. ( البلاذري ص 300)
كما كتب إلی أبي موسی الأشعري رضي الله عنه: «أن سر بأهل البصرة»، وكتب إلی كافة قادة القوات: « إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرّن ». (الطبري 3/206)
وكتب إلی أمراء الأجناد في الأهواز أن يشاغلوا أهل فارس عن إخوانهم، وأراد بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقطع الإمدادات الفارسية عن أهل نهاوند من جهة، ويشاغل القوات الفارسية في جهات متعددة ليضعفهاأولاً، وليضرب ضربته الحاسمة في نهاوند بعد جمع قوات المسلمين فيها ثانياً.
فبدأ النعمان بإنجاز تخطيطاته العسكرية والجهادية بعد أن درس موقع المعركة وليكون علی بصيرة وخبرة تامة عن جيش الفرس، فأرسل النعمان جماعات استطلاعية لمعرفة أخبار الفرس، فوصل طليحة بن خويلد الأسري نهاوند؛ فلما رجع أخبرالنعمان بعدم وجود قوات فارسية معادية في طريقه إلی نهاوند؛ عند ذلك تحرك النعمان بقواته حتی نزل منزلاً قريباً من حصون أعدائه؛ علی ميمنته الأشعث بن قيس الكندي، وعلی مسيرته المغيرة بن شعبة. ( انظر: البلاذري ص 302)
ونشب القتال حول المدينة، وكان القتال سجالاً بين العرب والفرس يومين كاملين، فخاف المسلمون أن يطول أمد القتال، فاجتمع أهل الرأي منهم وذهبوا إلی النعمان فقال لهم: قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن وإنهم لايخرجون إلاّ إذا شاؤا ولايقدر المسلمون علی إنقاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلی المناجزة وترك التطويل. (ابن الأثير 3/4)
وأشار بعضهم بتضييق الحصار، وأشار بعضهم بمهاجمة المدافعين في حصونهم، وقال طليحة: « أری أن تبعث خيلاً لينشبوا القتال، فإذا اختلطو بهم رجعوا إلينا استطراداً فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتی يقضي الله فيهم وفينا ما أحب. ( ابن الاثير 3/4)
فأرسل النعمان القعقاع بن عمرو التميمي علی رأس الخيل فأنشب القتال، فلما خرجوا من خنادقهم وحصونهم تراجع أمامهم، فظن الأعاجم أن انسحاب العرب كان نتيجة لضعفهم فقاموا بمطاردة العرب المنسحبين.
 كان المسلمون علی تعبئتهم، وقد أمرالنعمان جيشه أن يثبتوا في أماكنهم ولا يقاتلوا حتی يأذن لهم… وأقبل الفرس عليهم يرمونهم حتی أفشوا فيهم الجراح.
وانتظر النعمان حتی تم خروج قوات الفرس من حصونهم، ثم ركب فرسه وسار في الناس و وقف علی راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر، ثم قال لهم: «إني مكبر ثلاثاًٌ، فإذا كبرت التكبيرة الأولی فليتهيأ من لم يكن تهيّأ، فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتأهب النهوض، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معي.
 اللهم أعز دينك وانصرعبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم علی إعزاز دينك ونصر عبادك.( الطبري 3/217 البداية 7/129 خلاصة )
وهكذا استدرج النعمان أعداءه إلی حرب في العراء خارج حصونهم وخنادقهم، حتی إذا سنحت له الفرصة حمل وحمل معه الناس، فاقتتلوا بالسيوف قتالا شديداً مما جعلت ساحة المعركة مملوءة بالدماء والأشلاء، فزلق فرس النعمان في الدماء وصرع. ( الطبري 3/217)  وقيل: بل أصابه سهم في خاصرته فقتله. (ابن الأثير 3/5)
قال أخوه معقل: افتيت النعمان وبه رمق، فغسلت وجهه من أداوة ماء كانت معي، فقال من أنت؟ قلت: معقل. قال ما صنع المسلمون؟ قلت: أبشر بفتح الله ونصره، قال: الحمدلله! اكتبوا إلی عمر. (البلاذري 30)
فسجّاه أخوه نعيم بثوبه وأخذ اللواء من يده ودفعه إلی حذيفة بن اليمان حسب وصية النعمان، وأخفی نعيم ومعقل استشهاد أخيهما عن الناس حتی لا تنهار معنوياتهم، فلما أظلم اللّيل انهزم الفرس، وجعل المسلمون يسألون عن أميرهم النعمان، فقال لهم أخوه معقل: هذا اميركم قد أقرّ الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة. (الطبري 3‌219- البداية 7/130)
ودخل المسلمون نهاوند فاتحين بعد هزيمة الفرس وبذلك انتهت معركة نهاوند الحاسمة التي أطلق عليها المسلمون بحق اسم "فتح الفتوح"، ولا يزال هذا الاسم (فتح الفتوح) في تاريخ الجهاد  والفتح في القطر الشرقي أي بلاد فارس، ولايزال يسمی ذلك الجبل الشاهق الذي وقع بقربه هذه المعركة العظيمة بهذا الاسم.
وكان عمر بن الخطاب بالمدينة يستيقظ أبناء المسلمين، لا يكاد يذوق النوم إلا غراراً؛ فلما جاءه رسول المسلمين من نهاوند سأله عمر: ما وراءك؟ قال: البشری والفتح. وسأل عمر: وما فعل النعمان؟ فقال: زلّت فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد. قال عمر وقد أفزعه النبأ وهزّه: إنا لله وإنا إلیه راجعون، ولم يتمالك نفسه أن بكی حتی نشج كأنما أصيب بأعز إنسان لديه. (الطبري 3/219- البداية 7/131- ابن الاثير 3/6- طبقات ابن سعد 6/19)
نعم! النعمان الذي سجل اسمه في قائمة الأبطال الأقوياء؛ لقد ربح النعمان معركة نهاوند مع أن في الظاهر كأنّه خسرنفسه، لا بل أغلی و أثمن نفسه! لذلك خلّده التاريخ، ولو أنه خسرهذه المعركة من أجل الحفاظ علی نفسه لأهمله التاريخ، ولاشك أن تاريخ الجهاد في الإسلام مملوء بمثل هذه البطولات، فما أحرانا أن نتعلم هذا الدرس من هذا القائد العظيم. إنه لم يفكر لنفسه حتی في ساعة احتضاره بل فكر للمصلحة العامة للمسلمين، فلما  اطمأن إلی أنها بخير، أسلم روحه قرير البال مرتاح الضمير.

مقبرة النعمان بن المقرن

سنة 1384 هـ ش، بداية شهر فروردين من الشهور الإيرانية، في فصل الربيع، المطابق شهر صفر 1426، قمنا (نحن جماعة أربعة نفر) لزيارة بعض المدن الإيرانية وكان المقرر لدينا إذا وصلنا بمدينة تاريخية فنحاول أن نتوقف فيها ونتساءل عن الآثار التاريخية فيها.
 في اليوم الثاني من السفر، قبيل العصر وصلنا قرب مدينة نهاوند، وكنا نقصد بلاد كردستان، والطريق الأقرب إليها يمرّ من مدينة نهاوند، فنقرّر الأمر بأن نتوقف قليلاً بمدينة نهاوند، فعلی هذا الأصل دخلنا المدينة وبدأنا نسأل عن الآثار التاريخية فيها ولكن ما وجدنا أحداً يجيبنا ويشفي غليلنا، ففوجئنا بطبيب عند مطبه فعرفنا من الزي واللباس بأننا من أهل السنة من ديار بلوشستان، وقد زار قبل أعوام مدينة زاهدان، فثبت لنا الطبيب خير دليل، وأخبرنا بأنه جنب الجبل كذا قبرٌ تاريخي من الرجال الفاتحين، والموضع الذي يقع فيه هذا القبر بالضبط يسمّی: "قشلاق بابا پيره" وهناك مقبرة تاريخية وبها هذا القبر التاريخي، كما أضاف بأنه علی بفعد خمس كيلومترات أو أكثر إلی جانب كرمانشاه قرية تاريخية باسم الصحابي الجليل « سعد ابن ابي وقاص»، وفي اللغة المحلية تسمّی (سَي القاص).
 بعد قليل تحركنا أولاً إلی القرية فوجدنا بعد كيلومترات كما وصف الطبيب لوحة القرية « سعد ابن ابي وقاص» فلقينا ببعض رجال القرية فدلّونا إلی بيت الشيخ (عالم القرية) وكان يصحبنا إليه شيخ مسن فكه ذونشاط خاص، ثم تعرفنا بأنه أبوالشيخ عالم القرية، فأخذنا إلی بيته فرحب بنا ابنه (عالم القرية) شاب يناهض الثلاثين من عمره، درس أو لايزال يدرس في مدينة قم، فتحير أولاً بوجودنا وزيّنا وملابسنا الواسعة البيضاء، وإن هذا التحير ليس منه إلينا بل جميع أصحاب القرية من الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلينا بنظرة التعجب والحيران؛ من نحن؟ من أين نحن؟‌ وماذا نريد هنا؟ فطرحنا القضية والمرام أمام الشيخ عالم القرية وحاولنا أن نتعارف ونزيل الحواجز فيما بيننا.
 أبوالشيخ كان أكثرنشاطاً منه، فكان يديم إلينا النظر، نظرة التعجب والحب، ولم يتمالك نفسه فخاطبنا قائلاً: لعلي قد رأيتكم! أحبكم جداً! لعلي قد رأيتكم إما في المنام أو في اليقظة!؟! فقرأت له حديث الرسول صلی الله عليه وسلم بأن الأرواح جنود مجندة …
وأضافونا بالشاي والفواكه ثم دار الحديت بيننا في تاريخ القرية والمنطقة ومعركة نهاوند، فذكرت لهم مقالة ربعي بن عامر التي قالها لقائد الفرس رستم: « الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلی عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلی سعتها ومن جور الأديان إلی عدل الإسلام ».
فعالم القرية دلّنا إلی قلة جبل فتح الفتوح وأن هذا الجبل كان يشرف من بفعد عشر كيلومترات إلی القرية، ثم دلّنا إلی قبر النعمان بن مقرّن رضي الله عنه؛ بعد قليل تذكر الشيخ بكتاب صغير باسم "فتح الفتوح" باللغة الفارسية لمؤلفه (س: سيدان) فأصررنا عليه أن نری هذا الكتاب، فدخل الشيخ إلی مكتبه الخاص، وبعد دقائق أحضر الكتاب، والكتاب كان يحمل في طياته صورة فتوغرافية واضحة لقبر بصفح الجبل وعلی القبر بناء صغير متواضع جداً وبابه مفتوح، وعلی القبر لوحة واضحة مكتوب فيها « مقبرة نعمان  بن مقرن»، وقالوا بأن هذا القبر وصاحبه علی ألسنة الناس في هذا المدينة وقفراها بأنه نعمان بن مقرّن الذي استشهد في معركة فتح الفتوح.
 بعد هذه البيانات الصريحة عزمنا أن نبحث عن "قشلاق بابا پيره" والمقبرة القديمة وقبر الصحابي الجليل، فرجعنا من القرية إلی جانب مدينة نهاوند قبيل المغرب و وصلنا إلی نفس الموقع كما وصف الطبيب أولاً، وعالم القرية وأبوه ثانياً، و وجدنا البناء علی القبر كما في الصورة الموجودة في كتاب "فتح الفتوح" ولكننا مع الأسف الشديد ما وجدنا اللوحة وقد كان مكانها فارغاً ويجزم المرء برؤية مكان اللوحة أنها قلعت من عهد جديد، وبعض القبور كانت تشهد بأن المقبرة قديمة جداً جداً البعض منها، ولا توجد فيها آثار البدع والخرافات بصفة عامة كما توجد في أكثرالمقابرعند المسلمين.
سنة 1385هـ ش الموافق 1427 هـ ق كنا في سياحة افخری في مناطق كردستان، وفي الرجوع أخذنا طريق «همدان» ثم إلی إصفهان.
 أثناء الطريق فوجئنا بلوحة من لوحات الطريق تنص بأن نهاوند حوالي 80 كيلومتراً فشاورنا فيما بيننا أن نمرّ من نهاوند ونلتقط بعض الصور ولقطات الفديو لذلك الموقع الذي رأيناه قبل عام ونحن الثلاث: الأخ ع، والأخ ن، والأخ ش، كنا معاً في السفرالماضي إلا الأخ ز.
علی كل حال فاتفقنا علی هذا الرأي وكلنا يعجبه ذلك، فاخذنا طريق نهاوند و وصلنا قبيل العصرفي نفس الموقع. وعند ما فرغنا من زيارة القبر أخذنا بعض الصور من ذلك الموقع، وعند الفراغ من المهمة فوجئنا بثلاثة من الشباب من تلك المنطقه وكانوا طلاباً في المدارس الثانوية، فسألناهم عن القبر في داخل البناء، من صاحبه؟ فاجاب أحدهم أولاً: إنه من أنصار علي رضي الله عنه و استشهد بيد أعدائه.
فأجاب أصغرهم وكان في لسانه حبسة أنه من أصحاب عمر جزماً، وجاء هنا بلواء الإسلام واسمه النعمان بن مقرّن.
  اتفق الثلاث بأن القبر قديم جداً كما اتفقوا علی اسم صاحبه بأنه النعمان بن مقرّن.
وقالوا: قبل عامين أو ثلاث سنوات كانت علی القبر لوحة واضحة مكتوبة فيها "قبر نعمان بن مقرّن".
لكن الذي لفت أنظارنا هذه المرة ودهشنا منه أنه كان بجوار هذه المقبرة وبخاصة في جانب هذا القبر المعهود قد نصب معمل كبير لاستخراج الأحجار الثمينة والمعادن، وكانت الحفريات تتجه إلی هذا القبر، وقد وصلت إلی القبر علی بعد حوالي عشر مترات، ولو تواصلت الحفريات كما شاهدناها سينهار بها البناء والقبر، فهنا وقفات وانطباعات ليستشعرها كل مسلم وكل إيراني أيّاً كان دينه ومذهبه بأن مثل هذه المواقع التاريخية لها مكانتها في تاريخ الأمم وأنها من تراث المسلمين أولاًٌ ومن أهم تراث هذا المملكة المسلمة ثانياً فتجب محافظتها وتسجيلها لدی الحكومة في المؤسسات الخاصة بالتراث الثقافي والتاريخي.
وإننا نری أن الحكومة والمؤسسات المعنية بمثل هذه الأمور تهتم أحياناً بحفظ بعض الأشياء التافهة جداً ولاندري كيف ولماذا الغفلة  لمحافظة وتسجيل هذا الموقع التاريخي في سجل الأبنية والأمكنة التاريخية !!؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات