اليوم : 26 يوليو , 2007

من كانتا؟ وأين ذهبتا؟؟

من كانتا؟ وأين ذهبتا؟؟

لم تكن جريمتهن إلا أنهن كن يردن تطهير المجتمع من الفساد. خرجن واختطفن امرأة تدير ماخوراً للدعارة تحت رعاية كبار رجال الدولة ورغم علم الشرطة، وأحضرنها معهن إلى جامعة حفصة، وبعد أن أفهمنها خطأها، وجعلنها تتوب وتلبس العباءة أطلقن سبيلها، دون أن يمسسنها بسوء …



*******************************************
بقلم الدكتور شاهد مسعود، كاتب وصحفي مشهور في باكستان، وصاحب برناج معروف في قناة “جيو” الباكستانية الخاصة.
ترجمه الدكتور محمد على غوري أستاذ مشارك في كلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد.(بتصرف بسيط).

*******************************************

لم تكن جريمتهن إلا أنهن كن يردن تطهير المجتمع من الفساد. خرجن واختطفن امرأة تدير ماخوراً للدعارة تحت رعاية كبار رجال الدولة ورغم علم الشرطة، وأحضرنها معهن إلى جامعة حفصة، وبعد أن أفهمنها خطأها، وجعلنها تتوب وتلبس العباءة أطلقن سبيلها، دون أن يمسسنها بسوء. ثم وصلن إلى مركز للتدليك، واختطفن نساء صينيات كن يمارسن الفاحشة في هذا المركز، ووهددنهن ونصحنهن ثم… تركنهن لحالهن. كان العالم يشاهدهن يمشين والعصي في أيديهن، ولكنهن لم يكسرن بها رأس أحد. في بلد يستولي فيه المسئولون الكبار على ممتلكات الدولة نهاراً جهاراً قامت طالبات جامعة حفصة بالاستيلاء على جزء من مكتبة للأطفال المجاورة للجامعة احتجاجاً على هدم الحكومة لثمانية مساجد ومطالبين إياها أن تعيد بناءها.
في عاصمة البلد وفي وسط المترفين وأصحاب الفكر النير الذين يقضي أكثرهم الليالي الحمراء في بيوت فخمة عاشت هؤلاء المسكينات البسيطات اللاتي لم يكنّ يظهرن أمام الناس إلا باللباس الشرعي، كانت هذه الأرواح الطاهرة البريئة، تتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار.
حين التقيت بهن لأول مرة في الجامعة أحسست بحرمانهن ومللهن، ورأيت في أعينهن الهمّ والشكوى من المجتمع، وكانت العصي التي في أيديهن الخالية من أية زينة، الخالية من الأساور والأصباغ تدل على عزمهن. كل ذلك ظهر جلياً من خلال أعين أولئك الشريفات الطاهرات اللاتي ينحدرن من أسر فقيرة. وحين تجرأت على الاختلاف معهن حول أسلوب العمل وطريقة العلاج تسابقن في الرد علىّ. يا أخ شاهد… ما أدراك…؟ يا دكتور… أنت لا تعرف… . منهن من تستشهد بآية، ومنهن من تستدل بحديث. انطلقت الأصوات من كل مكان. هل تعرف ماذا يجري في أمريكا؟ هذه مؤامرة يهودية. أعداؤنا يتآمرون علينا. هذه حروب صليبية… إلخ إلخ. لم أتمكن من إسكاتهن إلا بصعوبة كبيرة، وبعد أن اعترفت بخطئي.
أخبرتني أم حسان مديرة الجامعة أن هؤلاء الطالبات هنا منذ مدة طويلة ولم يتعودن على الحديث مع الرجال، ولكنهن أصررن على اللقاء بك والحديث معك. رأيت السلامة في الصمت والاستماع إليهن. كان عالماً آخر غير العالم الذي أعرفه. ربما رأين من فتحات غرفهن المظلمة الصغيرة بناتاً في أعمارهن يلبسن أحدث الموديلات، وربما وهن يمشين في الشوارع رأين الفتيات يلبسن “التي شيرت والجينز” وما شابه، وربما وهن ذاهبات إلى السوق القريبة سمعن أغاني العشق والغرام. ربما راودتهن الأحلام الوردية وخاصة في هذا العمر، وربما هفت قلوب بعضهن إلى شريك لحياتهن والدخول في قفص الزوجية في المستقبل، وخياطة ملابس جديدة في المناسبات كمناسبة العيد، وربما تاقت أنفسهن إلى أن تخضبن أيديهن بالحناء كما تفعل من في عمرهن من البنات. ولكني لم أحس بشيء من تلك الآمال والرغبات فقد اختفت كلها وراء العباءات. لم أسمع سوى تلك الأصوات، التي ما زال صداها يرن في أذني حتى اليوم. من بين أولئك بنت صغيرة في حدود الثامنة من عمرها، كانت تلبس حجاباً ساتراً لا يظهر منها سوى وجهها. كانت تقف على بعد لا تنقطع عن الضحك، ربما بسبب النقاش الذي كان يدور بيني وبين الطالبات. سألتها: ما اسمك يا ابنتي؟ أجابت: أسماء يا “أنكل” (uncle). ضربتها أختها الواقفة خلفها على رأسها ضرباً خفيفاً، وقالت: قولي يا أخي. لم أعرف لم ضحك الملاك الصغير على ذلك أيضاً، ثم قالت: نعم يا أخي.
–       ماذا تفعلين هنا؟
–       أدرس.
–       ماذا تدرسين يا ابنتي؟
أجابت أختها: تحفظ القرآن يا أخي.
–       هل تدرسين شيئاً آخر؟
أجابت أختها التي تبدو في الخامسة عشرة من عمرها وكانت متنقبة: تقول أنها سوف تصبح طبيبة.
–       هل أنتما شقيقتان؟
ضمت الأخت الكبيرة أختها الصغيرة إليها، وقالت: نعم يا أخي، ولنا ثلاثة أخوة في القرية، نحن من “بتهجرام”، ولنا فيها أراضي زراعية.
كنت قد حضرت إلى جامعة حفصة والمسجد الأحمر لعمل لقاء تلفزيوني مع القائمين عليه. وبعد الانتهاء من الحوار مع الشيخ عبد الرشيد غازي ومع الطالبات ودعتهن وتوجهت مع الشيخ إلى غرفته، ولكن الصغيرة أسماء تبعتني وقالت وهي تتنهد: يا أخي، أكتب لي نصيحة “أوتوجراف”. اسمي أسماء واسم أختي عائشة. كعادتي كتبت أدعو لها بطول العمر، وما أن خطوت خطوة أخرى حتى طلبت مني رقم هاتفي الجوال، ووعدت بأن لا تزعجني. لا أدري لم أعطيتها رقمي رغم أني لا أفعل ذلك عادة؟ وحين أعطيتها رقمي لمعت عينيها من الفرح. وأثناء ذلك سحبني الشيخ عبد الرشيد من يدي قائلاً: يا دكتور، دعك منها إنها ستزعجك كثيراً، تعال فقد برد الطعام، والشيخ عبد العزيز في انتظارك. رأيت الطفلة وهي تجري مبتعدة. وبين الدهاليز الضيقة وصلت إلى غرفة الشيخ، وهناك قال لي: يا دكتور، أرجو المعذرة على الإزعاج، فوالدتي تريد أن تدعو لك. تناولنا الطعام على المائدة المفروشة على الأرض، وخلال ذلك التحق بنا الشيخ عبد العزيز. دار الحديث بيننا في قضايا وأمور كثيرة، وحين أردت الانصراف أعطاني الشيخ عبد العزيز مجموعة من مؤلفاته، وأخذ مني عهداً بتكرار الزيارة، ثم قاما يودعاني حتى بوابة الجامعة. في الحقيقة لم أقتنع كلياً بما قاله الشيخان. خلال وجودي في الجامعة رأيت بضعة أشخاص مسلحين يمشون هنا وهناك. صافحت بعضهم، ولكني تجنبت الحديث معهم. وما أن خطت قدماي بوابة الجامعة حتى وجدت العفريتة أسماء أمامي: يا أخي، لن أتصل بك، لأن رصيد أختي سينتهي، ولكني سأرسل لك أحياناً بعض الرسائل، وأرجو أن ترد علي. أرجوك يا أخي. رأيت في عينيها براءة الطفولة. فقلت لها: حسناً يا ابنتي، مع السلامة، رعاك الله. وقبل أن أخرج التفت فرأيت أختها تنظر من شرفة الجامعة. كانت هذه كل دنياهما.

من كانتا؟ وأين ذهبتا؟
أصدقائي الذين يعرفوني يعلمون جيداً أني أعيش في عالم الأخبار، لا أكاد أبتعد عن الجرائد والمجلات والكتب والأوراق، وفي خضم ذلك كنت بين الحين والآخر أتلقى رسائل، إما آية كريمة أو حديثاً شريفاً أو دعاء من الأدعية بتوقيع أسماء!
الحق أني في البداية لم أعرف من هي أسماء، كنت قد نسيتها في غمرة العمل المتواصل، إلا حين وصلتني منها رسالة تسألني فيها: متى تزورنا في جامعة حفصة؟ عندئذ تذكرتها، إنها أسماء تلك العفريتة الصغيرة المتحجبة التي أخبرتني أنها سوف ترسل لي رسائل على الهاتف الجوال “مسج”. قلت لها: قريباً. قالت: شكراً يا أخي.
وقبل أيام بدأ الهجوم العسكري على المسجد الأحمر وجامعة حفصة، فبحثت عن رقم أسماء وعن الآيات والأحاديث والأدعية التي كانت ترسلها فلم أجد، لأني كنت قد مسحت جميع رسائلها مع الرسائل الأخرى. قلت لنفسي أطمئنها ربما خرجت مع أختها مع من خرج. ربما ذهبتا مع أهلهما إلى القرية سالمتين، وربما لم تجد أسماء في غمرة الأحداث فرصة لترسل لي رسالة تخبرني بما حدث.
إذا ما سمعت عن قرب عملية الاقتحام العسكري للمسجد أو تناهى إلى أذني دوي القنابل أو أصوات الرصاص، أو سمعت عن خروج دفعة أخرى من الطالبات من الجامعة أو –كما كانت تعلن الحكومة- عن وجود طالبات وأطفال كثيرين يحتجزهم أصحاب المسجد، كنت ألتفت إلى هاتفي لعله يرن أو تصلني من أسماء رسالة.

من كانتا؟ وأين ذهبتا؟
في ليلة الثامن من يوليو تلقيت رسالة مختصرة جاء فيها: أخي، انتهى الرصيد عندي، أرجو الاتصال. اتصلت فإذا هي طفلتي الصغيرة أسماء، وكانت تبكي وتقول: يا أخي، أنا خائفة. الرصاص في كل مكان، سأموت. طلبت منها أن تعطي الجوال لأختها بسرعة. وحين أمسكت أختها بالهاتف قلت لها: أخرجا من الجامعة بسرعة، فالوضع سيء جداً، وسأحاول إخراجكما من هناك. ارتفع دوي القنابل، فأحسست بأسماء تلتصق بأختها، حيث كنت أسمع صراخها وعويلها. قالت عائشة بكل ثقة: يا أخي، لن يقتلونا، ولم يقتلوننا؟ أليسوا إخواننا؟ أليسوا مسلمين ينطقون بالشهادتين مثلنا؟ ثم ما جريمتنا؟ أنت تعلم يا أخي نحن لم نفعل شيئاً سوى أننا أخذنا الأخت شميم وفهّمناها ثم أطلقنا سراحها، وهذا ما فعلناه مع أخواتنا الصينيات. هم يخوفوننا فقط، وهذه ليست إلا سياسة. قلت لها: اسمعيني جيداً. الوضع سيء جداً. أنا أخبرك. أخرجا من هناك فوراً، أرجوكما. ثم وجدت نفسي آمرهما بالخروج، ولكنها قالت تطمئنني: يا أخي، لا داعي للقلق. يقول لنا الشيخ عبد الرشيد أنهم يريدوننا أن نركع أمامهم. لا تقلق، فإخواننا في الخارج يحرسوننا. لن يحدث شيء، وسترى. والآن حضر الجيش وسوف يطرد الشرطة الأوباش من هنا. ألا تعلم أنّ جيشنا مسلم متمسك بإسلامه، ولماذا يقتلوننا؟ هل نحن مجرمون؟ هل نحن كفار أو هندوس؟
كانت على ثقة مما تقول إلى درجة أنها لم تكن مستعدة لئن تسمع شيئاً.
–       أخي الدكتور، هل تحاول إخافتنا؟ أنت تعلم أن هذه الأمور تسير هكذا دائماً، وأسماء خائفة أكثر من اللازم. نعم ثمة أمر آخر، أرجو أن لا تذكر أسماءنا أمام أحد، فالاستخبارات سوف تقبض على والدنا ووالدتنا وإخوتنا في القرية. كل شيء سيكون على ما يرام يا أخي، وكن على يقين بأن هؤلاء لن يقتلوننا.
أغلقت الهاتف داعياً لها ولأختها بالسلامة.
وفي اليوم التالي جرت المفاوضات بين العلماء والحكومة لساعات طويلة. في الحقيقة كنت ومنذ أسبوع منذ بداية الحصار وبدء العملية العسكرية أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس. أحسست وأنا أتابع أخبار المفاوضات وهي تدخل مراحلها الأخيرة بشيء غير طبيعي، فقمت بالاتصال هاتفياً ببعض الشخصيات الكبيرة في العاصمة إسلام أباد، وأبديت لهم مخاوفي، ولكنهم لم يتفقوا معي، ولم يروا لمخاوفي أية مبررات. وكانت مخاوفي في محلها، حيث بعد ذلك بقليل فشلت محاولات العلماء، وانتهى اللقاء الصحفي الذي عقده الشودري شجاعت حسين رئيس حزب الرابطة الإسلامية – فرع “ق” الموالي للحكم العسكري، وبدأت عملية الاقتحام العسكري للمسجد والجامعة وبكل عنف، حتى أن أحد المسئولين الحكوميين الذين حضروا هذا الهجوم وصفه بأنه يشبه هجوم دولة كبيرة مثل الهند على دولة صغيرة مثل البوتان!
أعلن الهجوم، وانطلق الرصاص بكثافة في كل مكان في المسجد والجامعة، وانفجرت القنابل، وألقيت الغازات المسيلة للدموع. كان هجوماً برياً وجوياً أيضاً حيث كانت الطائرات المروحية تشارك القوات البرية في الهجوم. كان هجوماً كاسحاً!
أثناء ذلك تسنت لي فرصة الحديث مع الشيخ عبد الرشيد غازي عن طريق الهاتف الجوال، وعلمت منه أن والدته تلفظ أنفاسها الأخيرة. وعند الفجر –أي بعد بدء الهجوم الأخير بقليل، حيث بدأ الهجوم في الساعة الرابعة قبيل الفجر- وصلتني رسالة: أرجو الاتصال. تلك كانت أسماء.
اتصلت بها من فوري. سمعت صراخاً وعويلاً. أصوات بنات يصرخن ويبكين.
–       أسماء ابنتي.
لم أسمع جواباً. يعلم الله ماذا كان يحدث هناك في تلك الساعة.
– ابنتي أسماء، هل تسمعينني؟ أخبريني بما يحدث؟
قالت وهي تصيح: أختي ماتت، ماتت عائشة. ثم انقطع الاتصال.
في تلك اللحظات كانوا يطلبوني في الاستوديو مرة بعد مرة لأعلق على الأحداث، ولكني كنت مشغولاً بمحاولة الاتصال بأسماء مرة أخرى. لم أكن في وضع يسمح لي بالحديث أو التعليق على أي شيء. أعلى شجاعة وبسالة القوات الخاصة التي تنفذ عملية اقتحام المسجد والجامعة؟ أو على تدين إعجاز الحق وزير الأوقاف والشئون الإسلامية الذي كان رأس حربة في المفاوضات التي سبقت العملية العسكرية والتي فشلت؟ أو على صدق طارق عظيم وزير الدولة لشئون الإعلام؟
طغى دوي المدافع على كل شيء، ولكني لم أكن أسمع سوى صوت عائشة: لن يقتلونا. لم يقتلوننا؟
سيكون الدخان قد ملأ غرف الجامعة المظلمة الصغيرة. الرصاص لا ينقطع عن الانطلاق. طالبات كثيرات مازلن في الجامعة. محاولات فاشلة للاتصال بأسماء. النار تحرق كل شيء في المسجد والجامعة. كنت أريد أن أرسل لأسماء الدعاء الأخير في مقابل الأدعية الكثيرة التي كانت ترسلها لي، ولكني فشلت.
بزغ الفجر، وانطلق الأذان من على منابر المساجد، وأنا أتوضأ؛ تذكرتها وهي تحدثني وبراءة الأطفال في عينيها. كانت تلبس عباءة سوداء. لا شك هي الآن أجمل في كفنها الأبيض، مثل الحوريات!
هنيئاً لمن يرعون مراكز الدعارة في البلد. أصبحت إسلام أباد الآن آمنة ممن يعكر صفوهم… وربما حزينة أيضاً.
سيظل هذا السؤال يطاردني ما بقيت:
من كانتا؟ وأين ذهبتا؟
(حسب وعدي للمرحومتين لم أذكر اسميهما الحقيقيين)
,

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات