فضيلة الشيخ عبد الحميد في خطبة الجمعة:

لا ينبغي للعلماء السكوت تجاه مشكلات الشعب

لا ينبغي للعلماء السكوت تجاه مشكلات الشعب

أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (13 ذو القعدة 1444) على ضرورة استقلالية العلماء والمراكز الدينية، محذرا من تخصيص الرواتب والميزانية من جانب الحكومات للعلماء والمراكز الدينية، كما انتقد فضيلته صمت العلماء تجاه المشكلات الراهنة للشعب.


لا ينبغي تخصيص شيء من ميزانية بيت المال للمراكز الدينية
وأضاف فضيلته قائلا: إن الله تعالى يغضب على كل من يتجاهل الحقائق، لكن أكبر سخط الله تعالى عبر التاريخ كان على العلماء الذين كتموا الحق ولم يبينوه لأجل منافعهم المادية، وقد استخدم القرآن الكريم أسوء أنواع التشبيه لعلماء اليهود الذين لم يعملوا بأحكام التوراة وتعاليمه، ولا شك أن هذا التشبيه يصدق على علماء هذه الأمة وحملة القرآن إن لم يعملوا بتعاليم القرآن وتجاهلوا الحق، ولم يهتموا بحقوق الله وحقوق العباد.
وصرح فضيلته: من الضروري أن يكون علماء العالم الإسلامي وعلماء بلادنا مستقلين تماما غير مرتبطين بالدولة أو الحكومة؛ يجب أن يكون علماء المراكز والجامعات الدينية مستقلين محايدين يبدون آرائهم في القضايا، ويبينون الحقائق، ويأمرون الحكام بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويصلحون الحكومات والدول.
واستطرد مدير جامعة دار العلوم زاهدان، قائلا: قلنا في السابق لا تجعلوا العلماء متعلقين بالحكومات، ولا تدفعوا لهم رواتب. كان حديثنا منذ بداية الثورة أن المدارس الدينية والمساجد والعلماء لا ينبغي أن يتقاضوا رواتب وأموالا من الحكومة، ولا ينبغي تحديد ميزانية للمدارس والمعاهد الدينية من الميزانية العامة للدولة. قلنا إنه إذا لم يكن لدينا 1000 طالب، فسوف نقبل 100 طالب، لكننا لن نقبل الأموال الحكومية، والحمد لله لم نحصل على ريال واحد من حكومات العالم ولا من حكومة بلادنا لهذا الجامع والجامعة؛ لقد عرضوا علينا أمولا، لكننا لم نأخذها، قالوا: إننا سنعطي رواتب للأساتذة والطلاب، لكن علماء السنة في المحافظة والعديد من علماء السنة من مناطق أخرى في البلاد لم يقبلوا ذلك.
وأكد فضيلته قائلا: يجب أن يتولّى الشعب أمور المساجد والمعاهد الدينية، وعلى العلماء أن يتحملوا المشقات، ولا ينبغي تخصيص ميزانية للمراكز التعليمية. لم أطرح هذه القضية على المنبر، لكن الحقيقة أنه خطا كبير أن يتم تخصيص ميزانية للعلماء والمدارس الدينية، لأن العلماء إذا أخذوا الرواتب يكونون محتاجين إلى الحكومة مرتبطين بها، ولا يستيطعون القيام بواجباتهم. لماذا الآن سكت العلماء تجاه ما يجري؟ بينما الحكومات يجب إصلاحها على لسان العلماء. الدول تأتي وتزول، وحتى الأنظمة تأتي وتزول، ولا يبقى نظام، إسلاميا كان أو غير إسلامي، للأبد.


تخصيص ميزانيات خيالية لقطاعات دينية أضرّ بالدين
وتابع خطيب أهل السنة في زاهدان: إذا كانت المدارس الدينية والجامعات والمراكز العلمية تابعة لنظام وحكومة مّا، فلو تغير ذلك النظام وأتى نظام جديد، فسوف يستولى النظام الجديد على هذه المدارس والمراكز، لكن المدارس والمراكز المستقلة التابعة لله والوطن ستحافظ على استقلاليتها، لأن أصحابها لا يخشون أن ينقطع خبزهم وراتبهم؛ لذلك فإن إعطاء الرواتب للعلماء والمدارس الدينية يسبب التبعية ويحول دون العلماء وبيان الحق، ولقد حدث الآن في بلدنا هذا الوضع الذي نشأت فيه التبعية.
وتابع فضيلته قائلا: لقد فرقوا بين المراكز الدينية والشعب بتخصيص الميزانية وإعلانهم بأن هذا المقدار ميزانية المركز الديني الفلاني، وخصصوا ميزانيات خيالية ضخمة للقطاعات المذهبية، ولقد أضرّت هذه الميزانيات الضخمة بالمذهب؛ يا ليتهم لم يفعلوا ذلك، ويا ليت العلماء تحملوا المشقات والجوع ولم يتقاضوا الأموال والرواتب، ليمكنهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأردف: لقد حافظ بعض العلماء على مظهرهم، لكني أعلم أنه تم العثور على الأرقام الملياردية في حسابات بعض هؤلاء العلماء بعد وفاتهم، الأمر الذي ليس في شأن العلماء. يجب أن يكون العلماء مع الشعب ويجلسوا مع الضعفاء، فقد أمر الله تعالى الرسول الكريم أن يجلس مع الضعفاء والمساكين.


تصريحات الرئيس الأسبق لسجن إيفين عن عمليات الإعدام الـ 1988 “مروعة”
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في قسم آخر من خطبته إلى التصريحات الأخيرة لحسين مرتضوي زنجاني، الرئيس الأسبق لسجن إيفين، بشأن عمليات الإعدام في عام 1988: لقد أدلى حسين المرتضوي، الرئيس السابق لسجن إيفين، والذي لا يعرف من أين تحدث، وتكلم عن إعدامات عام 1988. لقد كنا سمعنا عن هذه الإعدامات، لكننا لم نسمع بهذا التفصيل عن الإعدام الجماعي لعدة آلاف من الأشخاص. نحن مندهشون من هذه القضايا. يحكي مرتضوي عن اغتصاب الفتيات اللواتي تم إعدامهن في عام 1988. ولقد كشف الرئيس السابق لسجن إيفين الستار عن جريمة كانت مروعة للغاية. لقد أضرت هذه الجرائم ببلدنا وشعبنا وكذلك بالحكومة والنظام.
وتابع فضيلته قائلا: حتى اليوم هناك قضايا تحدث في المعتقلات، وبعض السجناء يجرون مقابلات مع وسائل الإعلام وينقلون قضايا مروعة من بعض مراكز الاعتقال في البلاد، حيث يتم التعامل معهم بشكل غير لائق ومخالف لمبادئ الإسلام. لا ينبغي أن يسكت العلماء على مثل هذه القضايا. يجب مراعاة “الإسلام والجمهورية” في بلد ونظام يسمى بـ “الجمهورية الإسلامية”، لأن كل عمل في البلاد، سواء كان جيدا أو سيئا، يتم باسم الإسلام، ويتضرر الإسلام بهذه التصرفات.


ليس كلّ من وقف ضد الحكومة الإسلامية مباح الدم
وأضاف خطيب أهل السنة: الخوارج كانوا عصابة منحرفة نشأت بين المسلمين، وخرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه، ولقد أسر عدد كبير منهم، لكن المهم أن عليّا رضي الله عنه لم يقتل أحدا من أسرى الخوارج، كما لم يقتل أسرى معركتي “جمل” و”صفين”. طبعا حروب جمل وصفين وقعت بين مجموعتين مسلمتين، ونعتقد أن الحربين المذكورتين كانتا بين طائفتين مسلمتين، وكانت عقيدة الطرفين واحدة ولم ينحرفوا، وكان علي رضي الله عنه على صواب في تلك القضية، والطرف الآخر قد ارتكب خطأ بسبب سوء فهم، لكن في معركة نهروان كانت الخوارج مخالفين لعلي رضي الله عنه في العقيدة، مع ذلك لم يقتل علي رضي الله عنه أيًا من الأسرى، بل أطلق سراحهم جميعًا.
وتابع فضيلته قائلا: عندما تثور جماعة ضد حكومة إسلامية، فليس الأمر أن يضرب عنق كل من يعتقل، بل يجب أن يقتل القتلة منهم فقط. إذا كنا نعتقد أن كل من ينتفض ضد الحكومة الإسلامية يجب أن يقتل، فلماذا لم يفعل علي رضي الله عنه؟ هل نفهم نحن الدين الإسلامي أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه؟!


تعاني البلاد أسوء فقر في العالم، لماذا العلماء ساكتون؟!
وتابع خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: تواجه البلاد الآن مشكلات ومآزق، لم يقم المسؤولون والمديرون في البلاد بأي شيء، ولا آمل في أن يتمكن هؤلاء المديرون من فعل شيء ما وإحداث التغيير في المستقبل، فلماذا العلماء ساكتون؟ بعض أساتذة الجامعات يتكلمون على الأقل، فلو أن علماء الحوزات العلمية سكتوا ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر قدر استطاعتهم فماذا جوابهم عند الله تعالى؟
وأشار فضيلته قائلا: بلدنا فيه الكثير من رؤوس الأموال والأصول والمواهب والإمكانيات، لكن أهله يعانون أسوأ فقر في العالم. لقد ابتليت البلاد بالاختلاس والفساد المالي لدرجة لم تسلم إلا أماكن قليلة، والنتيجة هي أن الكثيرين أصبحوا أثرياء، لكن الشعب والجماهير أصبحوا فقراء، وبسبب هذا تصرخ الآن طبقات مختلفة من الشعب وتشكو من هذا الوضع. لماذا لا يتكلم العلماء بشيء؟ لكل منّا واجب وعلينا أن نقول الحقيقة. يجب علينا جميعا أن نخاف الله تعالى. كلنا سنموت في يوم من الأيام، ولكن ماذا نجيب الله تعالى عندما نمتثل أمامه؟


احتجاجات الشعب ليست عن شبع، بل الشعب يعانون من الفقر والمشكلات
وأضاف قائلا: شيئان في غاية الأهمية ولا يمكن تجاهلهما، أحدهما “حق الله” والآخر “حق العباد”؛ فالله تعالى هو ربنا وخالقنا ومالكنا، والعقل والشرع يقولان أن واجبنا تجاه الله تعالى عظيم جدا؛ يجب أن ندافع عن حقوق الله حتى يؤمن الناس بالله ويكون لديهم إيمان مقبول بالله ويطيعوا أوامره، لأن شكر الله تعالى واجب على جميع العباد.
وتابع: حقوق العباد أيضا مهمة وثقيلة جدا؛ يذكرنا القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا باحترام حقوق العباد. يتحدث القرآن الكريم عن العدل والإنصاف وحقوق العباد. إن حقوق العباد أهم وأثقل من حقوق الله تعالى؛ لأنّ الله تعالى ليس بحاجة إلى شيء، بل الناس محتاجون، إذا لم يراع العباد حق الله تعالى، فسيغضب الله تعالى، ولكن الله لن يتضرر، ولكن إذا انتهكت حقوق الناس وقعوا في المعاناة والمشكلة.
وأكد فضيلته قائلا: تضيع اليوم في المجتمع حقوق الله والشعب، وواجبنا الإنساني والديني والقرآني يقتضي أن نتحدث في هذا الموضوع. أنا لا أعتقد الشتائم والتخريب، لكني أقول الحق برفق ولين حتى يمكن للطرف الآخر تحمله. يجب بيان الحق والحقيقة برحمة وإحسان، كما يجب الدفاع عن حقوق الله وحقوق العباد، يريد الله تعالى من العلماء أن يقولوا الحق ويدافعوا عن حقوق الناس.
واستطرد فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: الشعب الإيراني ابتلي بالمشكلات. لا تحسبوا أن الاحتجاجات التي يقوم بها الناس ويرفعون فيها أصواتهم، كانت بدافع الشبع والغرور. لا، الشعب لديهم مشكلات ويعانون من الفقر والضيق في المعيشة. عندما نقول إنه يجب الاستماع إلى الشعب، فذلك لأن الشعب لديهم مشكلات. يجب أن تعتنى بإرادة الشعب ويجب أن تتحقق إرادة عامة الشعب.


لا أعتقد بفرض الدين على الناس وإكراههم عليه
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: لا أؤمن بفرض الدين على الناس بالقوة، فإذا أراد الشعب شيئًا آخر، فلا داعي للضغط عليهم، لأن هذا خطأ من جانبنا. كان يجب علينا أن نعرض قراءة من الإسلام على الناس، وأن نتصرف بطريقة ترضي الشعب، لكن الآن بعد أن أصبح الشعب غير راضين، لا يمكننا إجبارهم على قبول شيء معين معروض. يجب أن يكون كل شيء حرا في البلاد حتى تتمكن جميع الطبقات الموجودة في إيران من العيش معا وبناء بلدهم. يشتغل المتدين بعبادته وغير المتدين يترك وحبلُه على غاربه. الشعب الإيراني يؤمن بالدين ويجب ألا نفعل ما يحملهم على العقيدة الفاسدة السيئة، ويجعلهم يهربون من الدين.
وتابع قائلا: يجب تحديد ما تريده الغالبية العظمى من الشعب ويجب أن نستسلم لإرادة الشعب. يجب على الكبار والمسؤولين أيضا التفكير في هذه الحقيقة أن القوة والضغط ليسا عديم الفائدة فقط، بل يكونان سببا لابتعاد الشعب عن الدين وستصبح عواقبه خطيرة على دين الشعب.
وصرّح فضيلته قائلا: إن أفضل الطرق وأكثرها صوابا للخروج من المشكلات والاضطرابات التي نشأت بين الشعب والحكومة أن نبحث ماذا يريده الشعب. يجب أن نتعامل مع شعبنا، فالذين يطرحون الاستفتاء هم يريدون تقرير إرادة الشعب.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات