اليوم : 7 سبتمبر , 2022

تحديات أمام العالم الإسلامي

تحديات أمام العالم الإسلامي

واجه العالم الإسلامي بصفة عامّة ومنطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة في القرن الماضي، تحديات وأزمات متنوّعة؛ لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار الدولة العثمانية، ازدادت هذه الأزمات والتحديات كمّاً وكيفية.
منذ خمس وسبعين سنة وبلاد فلسطين والقبلة الأولى للمسلمين يحتلها الكيان الصهيوني الغاصب، ولم تتخذ طريقة لحل هذه القضية منذ سنوات سوى المؤتمرات العديدة وإصدار بيانات عنيفة نارية؛ بل ذهب حلم تحرير فلسطين إلى الهامش بسبب الاختلافات بين البلاد الإسلامية، ومدّ الكثير من القادة والرؤساء يد المودة نحو الكيان المحتل الغاصب، يبدو من خلالها أن قضية فلسطين لم تعد بعدُ أولوية البعض من قادة العالم الإسلامي، وإن هذه الدول تميل نحو التطبيع مع الاحتلال، والرضا باحتلال هذه الأرض الإسلامية على يد اليهود الصهاينة.
إن العراق الذي له تاريخ عريق، ما زال تعبث به الأزمات بعد طوفان الصحراء والغزو الإمريكي الشامل له، ولا يفوتنا أن العراق كان في يوم من الأيام أكبر تهديد للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، لكنه الآن يعاني من الاختلافات والتصدعات الداخلية، والتي أدت إلى هذا الوضع مع الأسف هي السياسات غير المدروسة، والتصرفات المتشددة، والتمييزات الطائفية والقومية التي ما زالت قائمة على قدم وساق.
إن كان العراق واليمن يواجهان تحدي غياب الاستقرار السياسي والنزاعات، فهناك دول أخرى لم تزل تعاني الاستبداد، وفي بلد مثل سوريا نجد بجانب الاستبداد والديكتاتورية، أرضا احترقت في الحروب، واقتصادا مدمّرا، ومن ناحية أخرى لما تنحل الأزمة السياسية التي حدثت بين إيران وبعض الدول العربية.
أفغانستان البلد الواقع في جوارنا ظلت عرضة للهجمات الوحشية للكتلتين الغربية والشرقية قرابة أربعين سنة، واختبرت أنواع من الأسلحة المدمرة والفتاكة في هذا البلد المضطهد، ثم أشعلت نيرات الحروب الداخلية، وتم إيقاف قطار التقدم والرقي في هذا البلد عن السير، وفي النهاية فشل أوّلا قادة الشيوعية ثم الرأسمالية الإمريكية أمام مقاومة الشعب الأفغاني الأبي وأمام استقامتهم وجهاد المجاهدين، بعد تكبد الأضرار والخسائر الكبيرة. أفغانستان اليوم حصلت على نوع من الاستقلال والاستقرار في الأوضاع والأحوال، لكن الحقيقة أن الشعب الأفغاني اليوم أكثر من ذي قبل في بوتقة الامتحان، فأنظار العالم اليوم ممتدة نحو أفغانستان، ويريدون أن يروا كيف تواجه الحكومة الجديدة التحديات التي أمامها؟ هل يمكن للأفغان أن يقدموا نموذجا من الحكومة العادلة والقيادة الصالحة الحكيمة إلى العالم؟ كيف يحلون مشكلة القوميات والأقليات؟ وكيف يتم إعادة الملايين من المهاجرين والمشردين من أنحاء العالم؟ وكيف يكون تعامل الحكومة الجديدة مع النخب والمتثقفين المحسوبين على التيارات الفكرية الأخرى؟ وما هي الوجهة التي سوف يتخذها هذا النظام في قضية المرأة، وتطبيق القوانين الإسلامية، والاقتصاد، والتحديات الأمنية، وقضايا أخرى؟ إن مشروعية وتثبيت الحاكمية الجديدة يعودان تقريبا إلى كيفية حل هذه المسائل وأسلوب مواجهتها لهذه التحديات.
وبلدنا إيران يواجه مشكلات جادة نظرا إلى فقدان ثقة الكثير من النخب والفئات الاجتماعية والأقليات القومية والمذهبية، والتضخم الآخذ في التصاعد، والاختلاسات الكبيرة، وعدم شفافية عواملها وأسبابها، وانخفاظ قيمة العملية الرسمية، والعقوبات الجائرة، ومشكلة البطالة، وانتشار الفقر، والغلاء، وتصغير مائدة المواطن، وعدم تحقق وعود المسؤولين، كما أن المفاوضات النووية أيضا استقرت في سلة من الغموض، وتصلنا أنباء يأس وإحباط في هذا المجال.
أما الشعب الباكستاني فيعاني المشكلات السياسية والاقتصادية. تأتي الحكومات واحدة تلو الأخرى، ولم تنحل لحد الآن المشكلات الاقتصادية، ومشكلة نقص الطاقة. والجاليات المسلمة في البلاد الآسيوية لا سيما في الصين والهند لم تتحسن أوضاعها بعد، وهي لا تزال تواجه مشكلات جديدة.
في الهند التي كان للمسلمين دور رئيسي في تكوين حضارتها وبناء هويتها السياسية والثقافية، لقد تخطى الأمر تشريع القوانين والتصرفات التمييزية ضد المسلمين إلى مجاهرة قادة الحزب الحاكم بالإهانة إلى مقدسات المسلمين، وجرح مشاعر الملايين، فالإساءة المخجلة الأخيرة من جانب المسؤولين في الهند مثيرة للحيرة؛ لأن للمسلمين تاريخا عريقا لامعا في هذه البلاد، ولا تخفى على أحد جهودهم القيمة في مجال تحرير الهند من مخلب الاستعمار البريطاني، ولقد كان المسلمون دوما في تعايش سلمي مع جيرانهم الهنود، ففي بلد يدعي العلمانية السياسية، يجب أن يدعم كل مواطن بأي دين أو قومية، ولا ينبغي التعرض لدين شخص أو مذهبه، لكن من المؤسف التفوه بمثل هذه الكلمات السخيفة المؤسفة على يد زعيم سياسي، هذا وإن أدان بعض النخب والقادة هذا التصرف المسيء، لكنه لا يكفي، ويقتضي أن ترفع خطوات جادة للتصدي لمثل هذه الحركات الجاهلية المخجلة المؤثرة، من جانب العقلاء في المجتمع الهندي والمسؤولين في هذه البلاد، ويجب التصدي لظهور الخلافات وأعمال العنف؛ لأن استمرار هذه العملية ليست لمصلحة أي طرف، كما أنها تجرّ الهند نحو التحديات والأزمات الكثيرة.
والحقيقة أن أعداء الإسلام ما أحبوا يوما أن يشهدوا عزة المسلمين وروعتهم، وإنهم لفي سعي دائم من خلال المؤامرات المستمرة في إيقاع المسلمين في شباك المشكلات والاختلافات والأزمات، هكذا كان في الماضي، و سيكون هكذا في المستقبل، ولا يمكن أن يكون مؤثرا في تغيير أحوال المجتمعات الإسلامية ولا أن تطرح كطريقة للخروج من هذا المأزق إلا صحوة المسلمين ووعي قادة البلاد الإسلامية وإرادتهم الخير.
بناء على هذا لا بد من التفكير، والبحث عن حلول فعالة وقابلة للتطبيق في سياق التغلب على التحديات والأزمات، وفي هذا الصدد ينبغي دراسة جادة للعلل واتخاذ الحلول المناسبة.
يجب أن يسود مبدأ الأخوة بين المسلمين، ولا يتحقق هذا الأمر إلا بالجلوس معا، والاجتناب من إثارة أنواع الاختلافات والعصبيات التي تفرق ولا توحد، لأنها لا توجد قوة أجنبية تريد خيرنا، بل الجميع يتبعون منافعهم ويستغلون اختلافات المسلمين للوصول إلى منافعهم.
على قادة البلاد وولاة الأمر أن يعودوا إلى أنفسهم، ويعترفوا بالشجاعة والشهامة بمواطن الضعف ونقاط الفشل، ويستعينوا بالله تعالى والمشورة مع المتعهدين المتخصصين، والخبراء الصالحين لحلها، كما أن على الأحزاب والتيارات السياسية أن تترك المصالح الحزبية والفئوية إلى جانب، وتقدمالمصالح والمنافع العامة.
في حين أن حدود البلادان باتت تفقد معناها في البلدان الغربية يوما فيوما، لا ينبغي أن تؤذن بإثارة التعصبات الوطنية في البلاد الإسلامية أكثر من المستوى المعقول، ولا ينبغي أن يسمح بتقديس الحدود المصطنعة.
إن إنقاذ سفينة العالم الإسلامي من العواصف المدمرة الهائلة يتطلب التفكير المزيد لتقوية الإيمان والقوى الأساسية للشعب. يجب أن ينهض المصلحون الغيارى ويسعى كل شخص حسب وسعه، ويخطط للتضامن والتنسيق في نطاق واسع، ويحارب اليأس والإحباط والفشل والكسل.
لا يفوتنا أن التغيير قد يحدث من الأعلى إلى الأسفل، وقد يحدث من الأسفل إلى الأعلى. ذكر الله تعالى في كتابه مصير أمم قامت منها فئة قليلة لإصلاح المجتمع والأوضاع وتحقيق الأماني والأحلام، فاستعانوا بالله تعالى واستفادوا من الوسائل القليلة التي كانت لديهم، فنصرهم الله تعالى ووصلوا في النهاية إلى قمة النجاح والفلاح، وأولئك هم الذين ذكروا في التاريخ كأفضل أسوة، وأفلحوا في الدنيا والآخرة. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.


التعريب عن فصلية “نداي إسلام” – العدد الـ 85

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات