اليوم : 1 أغسطس , 2022

اللحظات الأخيرة من سيرة العبقري عمر الفاروق رضي الله عنه

اللحظات الأخيرة من سيرة العبقري عمر الفاروق رضي الله عنه

عاش سيدنا عمر رضي الله عنه يخاف على الرعية وعلى الطبقة الضعيفة في الرعية. عاش يتمنّى العدلَ ويُحدّث به نفسَه، ثمّ لما أصيب وأشرف على الرحيل، لم يفتْه أن يُوصى الخليفة من بعده بأهل الذمة أيضا بينما كان قاتله منهم، ذلك القاتل الذي كان قد أمر به المعروف لكنه دفع الحسنة بالسيئة شأن أصحاب العقول والقلوب المريضة؛ هكذا عاش العبقريّ الفاروق عمر رضي الله عنه حتى اللحظة الأخيرة من حياته إما يقول العدل، وإما يُطبق العدل، وإما يحلم بالعدل وإما يوصي بالعدل.
لقد ذكر الإمام بخاري رحمه الله في صحيحه في “باب قصة البيعة، والاتفاق على عثمان بن عفان وفيه مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما” رواية اللحظات الأخيرة من سيرة عبقري العدل والإنصاف والورع والتقوى، في هذه الرواية دروس مهمة من الزهد والعدل والأمانة والصدق والاخلاص من التاريخ المجيد للخلفاء الراشدين، أبرزها ما يلي:

1- حب الخدمة:
يشير الرواي وهو عمرو بن ميمون في روايته إلى واحد من أحلام عمر التي تدل على حبه في خدمة الخلق والإحسان إليهم وحل مشكلات الرعية وحاجاتهم، ويقول: “رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: “كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله، لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب”.

2- مقتله بخنجر الحقد:
ثم يضيف الرواي إلى بيان كيفية استشهاد عمر رضي الله عنه، وهي نموذج بارز من خنجر الحقد ينزل على جسم العدل والإنصاف، فيقول: “إني لقائم ما بيني وبينه، إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مرّ بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك , في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني – أو أكلني – الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام”.

3- الأمر بالمعروف في أحرج الظروف:
يشير الراوي في قسم آخر من روايته إلى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومهمة الإصلاح في حياة الراشدين واهتمامهم بالسنن والآداب، ويقول: “فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك”.

4- قلقه على ديونه:
عمر الذي حكم الإمبراطوريتين عاش زاهدا، تقيا بعيد عن المال العام بحيث بقي مديونا لحاجاته اليومية، وهو بعد الإصابة قلق على ديونه، يوصي ولده بالإيفاء فيقول: “يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه، قال: إن وفى له، مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال”.

5- مصاحبة رسول الله حيا وميتا:
عاش عمر طوال حياته صاحبا لرسول الله وأبي بكر، فكان يشتاق أن تستمر هذه المصاحبة للأبد، ويحلم بها، وقد تحقق حلم صحبته لرسول الله بعد الممات كما في الحياة، فهو صاحب رسول الله حيا وميتا، يقول عمرو بن ميمون راوي القصة أن عمر أمر ابنه عبد الله فقال له: “انطلق إلى عائشة أمّ المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر، قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين”.

6- توصيات من جنس العدل والإنصاف:
أشار الرواي إلى بعض التوصيات المهمة للخليفة الراشد إلى الخليفة المنتخب بعده:
“أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، {الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم}، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات