اليوم : 15 ديسمبر , 2019

حوار مع الشيخ يوسف صالح قراجه، أحد علماء تركيا البارزين ومترجم مؤلفات العلامة السيد أبي الحسن الندوي إلى اللغة التركية

حوار مع الشيخ يوسف صالح قراجه، أحد علماء تركيا البارزين ومترجم مؤلفات العلامة السيد أبي الحسن الندوي إلى اللغة التركية

أجرى الحوار: الدكتور صلاح الدين شهنوازي
تعريب: عبد الرحمن محمد جمال / مدرس بجامعة دار العلوم زاهدان إيران

تمهيد: شهد العالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب، من الشمال إلى الجنوب وحتى الأقليات المسلمة في أنحاء العالم تطورا وتحولا عظيما في ميدان العلم ومضمار العمل بفضل وجود علماء ربانيين الذين كانوا حلقة الاتصال الفكري والعلمي لمسلمي العالم، وكان فيهم من امتطى المخاطر وشد الرحال وتقلب في الأوطان والبلاد النائية لطلب العلم، وعاد إلى بلاده بعد سنوات من الغربة والهجرة وهو يحمل بين جنباته ينابيع من العلم والمعرفة. الشيخ محمد يوسف قراجه من هؤلاء الأفذاذ الذين رحلوا لطلب العلم إلى الآفاق، وأغنوا بإنتاجاتهم الثرية مكتبات العالم الإسلامي. نتعرف في هذا الحوار بهذه الشخصية وبأفكاره وآراءه ومعارفه.
الشيخ محمد يوسف من أحد علماء تركيا البارزين ومن المتخرجين من جامعة دار العلوم ندوة العلماء الهند، وقد درس في ندوة العلماء من سنة 1959م إلى سنة 1962م. وعندما كان طالبا في ندوة العلماء اتصل بالعلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي اتصالا وثيقا، وانتفع به كثيرا، وبقيت هذه الصلة الودية بعد ارتحال الشيخ أبي الحسن الندوي مع علماء الهند وأساتذة جامعة ندوة العلماء بالتحديد.وقد ترجم كتبا عديدة للشيخ أبي الحسن الندوي إلى اللغة التركية، وبذا ساهم في إيجاد الصحوة الإسلامية في تركيا. رجب طيب أردوغان (رئيس الجمهورية الحالي) من تلاميذه وعبد الله جل (رئيس الجمهورية السابق) ابن قريته وصديقه الحميم. يقول الشيخ أبو الحسن الندوي عن مدى تأثير مؤلفاته التي ترجمت باللغة التركية في المجتمع التركي: لقد لقيت مؤلفاتي في تركيا ترحيبا واسعا، ولم تستقبل كتبي في أية لغة بمثل ما استقبلت في اللغة التركية، ترجم عشرون كتابا من كتبي إلى اللغة التركية، قال الشيخ يوسف قراجه: جاء في إحدى التقارير السرية للوزارة الخارجية (في عهد الحكومة الأتاتوركية): من إحدى عوامل الصحوة الإسلامية في تركيا كتاب “تاريخ الدعوة والعزيمة”. (من كتاب: مجالس حسنة 205ـ 6).
قام الأستاذ الدكتور صلاح الدين شهنوازي (عضو مجلة نداي إسلام سابقا وطالب الدكتوراه في تركيا) بإجراء هذا الحوار الماتع باللغة الأردية والعربية، ثم نقلها إلى اللغة الفارسية الشيخ ثناء الله شهنواز والشيخ محمد ذاكري فر (من أعضاء مجلة نداي إسلام الفارسية الصادرة من جامعة دار العلوم زاهدان إيران) وقد تم نشر الحوار في العددين 77ـ 76 في مجلة نداي إسلام، وتم نقله إلى اللغة العربية من الأصل الفارسي.

فضيلة الشيخ! مع الشكر الجزيل لقبول الحوار، لو تفضلت بالتعريف عن نفسك ومراحل تعلمك؟

ولدت في إحدى مدن تركيا في قرية “يشيل حصار” التابعة لمدينة قيصرية وهي من إحدى المدن المهمة في تركيا. قضيت أيام الصبا إلى 16 من عمري في مسقط رأسي، وتعلمت في هذه المدة الدروس الابتدائية والقرآن ومبادئ اللغة العربية وحفظت ربع القرآن الكريم. ثم أزمعت السفر إلى إستطنبول بإرشاد وترغيب العالم الرباني والناصح ـ الذي لا أنسى فضله في حياتي ـ فضيلة الشيخ المفتي هاشم آنار رحمه الله. لم تكن لي معرفة بأحد في إسطنبول كما لم يكن لي موضع للإقامة ولا من يدلني إلى مكان ولكن أكد المفتي هاشم أني لو تهيأت لهذا السفر فإنه يعرّفني إلى أحد ويكتب إليه رسالة ليساعدني ويهتم بي. خالف والدي بادئ الأمر لسفري إلا أنه لم يقل شيئا أمام المفتي وأخيرا رضي بالرحيل.
كنت آنذاك ابن 16 سنة، وكانت الرحلة إلى مدينة كبيرة كإسطنبول لمثلي في هذه السن شاقة ولكني توكلت على الله. تحركت بالقطار من القيصرية إلى إسطنبول، واستغرق يوما وليلة ووصلنا إلى مدينة إسطنبول صباح اليوم التالي.
وكنت أحمل معي عناوين ورسائل من المفتي هاشم وبناء عليها ذهبت إلى سبعة علماء في سبة مواضع أعرض عليهم الرسائل لقبولي إلا أن أحدا منهم لم يقبلني كتلميذ وقدموا أعذارا وعللا. وبقي عندي عنوان مسجد واحد فقط فقصدته ووصلت هناك قبل المغرب. كان المسجد صغيرا وواقعا في حي الفاتح بالقرب من محطة الحافلات وبلدية استطنبول. وبقي في جيبي 15 ليرة وكانت تعادل آنذاك 15 دولارا. وفي صورة عدم توفر المكان كان بإمكاني أن أبقى ليومين في إحدى الفنادق وآكل الطعام فيها. بعد الصلاة التقيت بإمام المسجد الشيخ توفيق خوجه وكان عالما ومقرئا مجيدا، عرضت عليه رسالة المفتي هاشم، استلم الرسالة وقرأها وعندما وقع بصره على اسم المفتي هاشم سأل بلهجة خاصة ملأتها المحبة عن أحوال المفتي هاشم، أين هو، هل ما زال في قيد الحياة أم لا؟ قلت: نعم حي وفي صحة وعافية، وقد أرسلني إليك لكسب العلم. قال: أين إقامتك؟ قلت: لا مكان عندي. فقال: أين سريرك ومتاعك؟ قلت: ما عندي سرير.فتحوقل ثم طلب أحد تلاميذه يدعى سليمان وقال: هذا الولد غريب، اذهب به إلى غرفتك وأعطه البطانية التي أعطيتك إن لم تكن لك بها حاجة. كانت غرفتنا حجرة صغيرة عند مدخل المسجد، وكان طعامنا عامة السلطة وبالأخص الطماطم والخبز، وإن كان طعاما بسيطا إلا أنه كاان لذيذا وشهيا بالنسبة لنا آنذاك.
أتذكر أياما كنت أتمنى أن أحصل على غرفة فقط في إسطنبول لأعيش مرتاح البال ولكن الآن قد لطف الله بي حيث رزقني بيتا واسعا يحتوي على عدة غرف. ولا شك أن الله عندما خلق عباده تولى أرزاقهم ومسكنهم وحوائجهم وعلى العبد ألا يتعجل بل يتحلى بالصبر.
تعلمت القرآن وعلم القراءة عند الشيخ توفيق. وفي تلك الأوان ذهبت إلى مسجد آخر عند الشيخ عبد العزيز بكينة ودرست عنده كتاب “بدء الأماني في علم العقائد” للعلامة سراج الدين علي بن عثمان الأوشي الفرغاني الحنفي. كان الشيخ متشعبا بالعلوم والفنون المختلفة وبخاصة علم العرفان والسلوك. كا استفدت من الشيخ محمد زاهد الكوتكو أحد العلماء الكبار وشاركت في جلساته وكان يحبني ويلطف بي.
كان ابن الشيخ توفيق خوجه صاحب موهبة وذكاء نادر، وقد درس في دمشق. جاءه مرة شاب سوري وكنت عنده، تبادلا الكلام بالعربية فأعجبت بإلمامه بالعربية، ثم عرفت أنه يقرض الشعر أيضا بالعربية وقد حصل على جوائز في مسابقات الشعر العربي ثم أصبح فيما بعد موظفا في مركز الأرشيف والإسناد للعهد العثماني.

لو ألقيتم الضوء على أوضاع تركيا آنذاك وكيف كان الناس يحافظون على الشعائر والقيم الإسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية وفي ظل الحكومة العلمانية؟

منذ الصغر عشت مع أحداث تركيا وتقلباتها وأتذكرها جيدا وأتفاعل معها. ويمكن الإذعان أن مع وجود استقرار النظام اللاديني والعلماني في تركيا فإن أوضاع المسلمين الراهنة متحسنة أقول هذا بالمقارنة إلى البلاد الأخرى. قد عشنا زمانا منع فيه الحجاب ويكشف الحجاب عن النساء بالإجبارو لكن الان ليس كذلك. سياسة الحكومة الحالية إعطاء الحريات لجميع الطبقات. وأكثر وزراء الحكومة الحالية مصطبغون بالصبغة الإسلامية وبناتهم وأزواجهم محجبات ولله الحمد. وهذه التطورات يشعرنا بأن هناك ثورة دينية صامتة.
وعندما كنت صبيا كان تعليم القرآن محظورا، كان خالي محصلا وموظفا في الحكومة، ولكنه كان يعلّم بعض الصبيان القرآن بعد صلاة العشاء في التستر والخفاء في بيته. يوما جاءت السلطات الأمنية فجأة إلى بيتنا، وكنت أنا وأخي في ذلك اليوم في المدرسة. ولكن كان قد جاء صبي إلى بيتنا لتعلم القرآن. قالت السلطات لوالدي: قد سمعنا بأنك تدرّس القرآن؟ قال والدي: لا، لا يصح الخبر. ثم يسألون ماذا يفعل هذا الصبي هنا؟ فيجيب الوالد: هذا ولدي، ثم يخاطب ذلك الصبي قائلا: اذهب بالأغنام للرعي. وبعد أن يخرج رجال الأمن من البيت ينفرد أحد منهم بوالدي ويقول له: نحن نعرف بأنك تعلّم القرآن هنا، ولكني أوصيك أن تترك التدريس لأن الحكومة ستقبض عليك وتهدم هذا المكان.
قد عشنا مثل هذا العهد الخطير، كانت الحكومة تناهض الدين، وكانت لها تصرفات سيئة في هذا المجال، ولكن بعد الانتخابات البرلمانية عام 1950م تغير الوضع فرفع حظر تعليم وتعلم القرآن، والأهم من ذلك سمح بالأذان بالعربية. وقبل ذلك كان الأذان بالعربية ممنوعا وكان يؤذن بالتركية. وكان الأذان بالتركية من عجائب التاريخ، وكان رائجا لمدة طويلة في تركيا. وكان والدي مؤذنا يؤذن بالتركية وكنت مراهقا قد أؤذن مكانه بالتركية. وكانت مدارس الإمام خطيب آنذاك لا تتجاوز السبعة ولكنها اليوم أكثر من سبعة آلاف ويتعلم فيها القرآن واللغة العربية والعلوم الإسلامية بجنب الدروس المنهجية للنظام التعليمي في تركيا. وتدرّس التعليمات الإسلامية والسيرة النبوية كمادتين إلزاميتين في المدارس الحكومية في تركيا إلا أن تعليم القرآن في المدارس الحكومية اختياري ويشترط فيه رضى ولي التلميذ، وسيكون تعليم القرآن أيضا إلزاميا. ولأجل هذا التطور العميق والتحول العظيم تعادي الصهيونية وحماتها في أمريكا وأوروبا تركيا وتكيد لها.

لو تفضلتم بمزيد من الشرح حول مدارس الإمام خطيب؟

في عام 1950م فاز عدنان مندرس في الانتخابات البرلمانية فشكّل الحكومة وأصبح رئيس الوزراء للبلاد، كان مندرس يحترم الدين والقيم الإسلامية وإن لم يكن في الظاهر ملتزما بالدين. وقد أنجز أعمالا عظيمة للشعب التركي وأعطى بعض الحريات. فاغتنم بعض العلماء المقربين إليه الفرصة واستأذنوا منه لتأسيس مدارس الإمام خطيب في أنحاء البلاد، فوافقت الحكومة على هذا الاقتراح وأذنت بتأسيس سبعة شعب لمدارس الإمام خطيب في المدن التالية: قيصرية، اسطنبول، قونية، مرعش، آدانا واسبارتا. وكنت أنا من أوائل تلاميذ مدرسة الإمام خطيب في اسطنبول، ودرست المتوسطة فيها. وكما أسلفت إني قبل التحاقي بهذه المدرسة تعلمت التعاليم الإسلامية وحفظت أجزاء من القرآن الكريم ودرست العربية لثلاث سنوات. بدأت مدارس الإمام خطيب نشاطاتها في المرحلة الإبتداية والمتوسطة.
أنا من المعجبين بعدنان مندرس، وأحبه ودائما أذكره بخير، وقبل توليه وصل الإسلاموفوبيا أوجه، وقد أعدمت الحكومة كثيرين وأجلت منهم آخرين، وتم نفي أكثر من 150 عالما. وكان الناس يخافون من ذكر اسم “الله” لأن اعتناق الفکر الإسلامي كان يعد جريمة. لذلك كان مندرس يقول دوما: مثلي مثل القمر، طلع من خلف السحب الداكنة. أي أخفيت إيماني في هذه الظلمة الداجنة. ونحمد الله على أن السحب الداكنة والمتراكمة قد انقشعت اليوم من سماء تركيا.
وكان التلاميذ الدارسون في مدارس الإمام خطيب يلتحقون بالجامعات، ويكسبون المهارات في فنون مختلفة، وقد تخرج في هذه المدارس شخصيات عظيمة.
كان رجب طيب أردوغان (الرئيس الحالي لتركيا) تلميذي، وقد درس عندي العربية لمدة أربع سنوات. وما زالت العلاقة بيننا وثيقة. قبل مدة في شهر رمضان ذهبت بالترجمة التركية لكتاب “بال جبريل” للعلامة إقبال إليه وقدمته له. كان في ضيافة إفطار على الساحل، وفيه أكثر من ألف نسمة، وكان رئيس الجمهورية في مكان محفوظ لم يعرفني الحراس فلم يسمحوا لي للدخول عليه، فانتظرت حتى رفع رأسه ورآني، فأرسل حارسه إلي وطلبني. جاءني الحارس وسألني: هل أنت يوسف قراجه؟ قلت: نعم، فسمحوا لي بالدخول. وعندما وصلت إليه كان على طاولة الإفطار فقام احتراما لي، فقلت: يا رئيس الجمهورية! أرجوك لا تقم، ينظر إلينا آلاف من الناس وأنا أستحيي أن تقوم أنت من مكانك لأجلي. فقال:لا يا أستاذ، تفضل! اجلس بجنبي.
وقبل هذه المقابلة بمدة طويلة عندما كان أردوغان رئيس البلدية في اسطنبول ذهبت إلى مكتبه مع عدد من الزملاء للتهنئة. وقبل أن يتولى رئاسة الجهورية كنت أختلف إليه كثيرا، وأتبادل معه بعض المسائل العالقة. ولكن الآن أشعر بأن أعماله كثيرة، الدقائق والثواني تحتل عنده أهمية قصوى.
لقد استفدت من الشيخ عبد الحفيظ البلياوي في مجال اللغة العربية كثيرا، كان ماهرا في اللغة العربية وتعليمها. كان الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي الذي هو الآن عميد الشؤون التعليمية في ندوة العلماء قد عاد حديثا من بغداد، وقد تعلم اللغة العربية في بغداد بعد أن تخرج من العلوم الإسلامية في ندوة العلماء بلكهنو، وقد عيّنه الشيخ الندوي أستاذا لي في تعليم اللغة العربية، بادئ الأمر عندما كنت حديث العهد بالندوة ولم تكن لي معرفة بالأردية كنت أتكلم بالعربية فقط، واستفدت من الشيخ الأعظمي في هذا المجال. كان الشيخ أويس الندوي النجرامي هو الآخر من العلماء البارزين في هذه الجامعة وكان يحبني. والشيخ محمد إسحاق السنديلوي أيضا كان عالما تقيا وبارزا في هذه الجامعة، وإن لم أكن تلميذه إلا أني استفدت منه، وكان يخصني بالعناية والمحبة، ولكن بعد عودتي إلى تركيا غادر إلى باكستان.
كنت يوما في جلسة الشيخ علي ميان (الاسم الذي يعرف به الشيخ الندوي في شبه القارة الهندية) وكان الشيخ يجلس بعد العصر مع الأساتذة وطلاب الدراسات العليا ويجري الكلام في موضوعات مختلفة، فتكلم يوما عن الشيخ أبي الأعلى المودودي، وكان قد اقترحت له الحكومة الباكستانية ليتولى وزارة المعارف في باكستان ولكنه رفض القبول إلا بشروط ولم يحصل التوافق. كان الشيخ الندوي يدعم الجماعة الإسلامية التي أسسها الشيخ المودودي ويتابع نشاطاته ولكن بعد تأسيس نهضة جماعة الدعوة والتبليغ تخلى عن الجماعة الإسلامية وآثر أن ينشط في جماعة الدعوة والتبليغ، إلا أن أسلوبه كان يختلف بعض الشيء عن أسلوب جماعة الدعوة والتبليغ في بعض الأمور. ولي صلة قوية بنهضة جماعة الدعوة والتبليغ وأحب العاملين فيها، وأراها ضرورة الساعة. دار العلوم ندوة العلماء لها منهج إصلاحي ودعوي، يشارك الطلاب في نشاطات الجماعة أيام العطلة، والمتخرجون من ندوة العلماء متفوقون من حيث المستوى العلمي والحمد لله.
ولن أنسى فضل جامعة دار العلوم ندوة العلماء وأساتذتها، لقد خصوني بالعناية ولطفوا بي وأكرموني وعلّموني مما علّمهم الله تعالى ولم يألوا أي جهد في ذلك. وأحاول دوما أن أدعم هذا المركز العلمي والتعليمي حسب استطاعتي. قبل مدة كان لدار العلوم مشروع بناء لسكن الطلاب وكانت نفقته الأولية تعادل 7000 دولارا، فقلت للشيخ محمد رابع: اسمح لي أن أرى بعض الأعيان والوجوه في تركيا لإكمال هذا المشروع، فمضت سنتان واتفق أن جاء أستاذان من كبار أساتذة ندوة العلماء إلى إسطنبول، فذهبت معهم إلى أحد من أصحاب الخير والتبرع وشوّقته أن يدعمنا لإكمال المشروع ويشوّق الآخرين من الأثرياء، فسأل عن مقدار المبلغ، فشرحت له، فقال: أنا بنفسي أتولى نفقة هذا المشروع وأعطى بالفور 10000 دولارا لبدء المشروع، ثم استغرق إكمال المشروع لسنوات وارتفعت الأسعار، ولكنه أكمل المشروع وأنفق عليه ما يقارب ثلاثين ألف دولارا. وهذا المشروع السكني يسع لـ 640 طالب. وسنقوم بمثل هذا العمل في أماكن أخرى أيضا، ونحن الآن بصدد جمع التبرعات لبناء مدرسة للأقلية المسلمة في كامبوج (بلد في الجنوب الشرقي لآسيا) كما أننا بصدد بناء مدرسة ومركز علمي في نبال (بلد في شمال الهند) بمساعدة رجل كانت له صلة بالشيخ أبي الحسن الندوي وله نشاطات ملموسة هناك في ضوء توجيهات الشيخ الندوي. الأقلية المسلمة في نبال يعيشون ظروفا صعبة، لذلك نرجح فعلا نبال على كامبوج. انشروا هذا الخبر في مجلة نداي إسلام ليطلع عليه أهل التبرع والثروة ويشاركونا في إكمال مثل هذه المشاريع.

كيف كانت كيفية استفادتكم من الشيخ الندوي، بشكل رسمي أم لا؟

كان درسي عند الشيخ الندوي بصورة حرة، قد كنت أجلس عنده فيعلمني مسائل مختلفة، ويقول: يوسف! لا تنتظر لكلامي، سل مني لأوضح لك، وبهذا النمط استفدت منه في مجالات مختلفة.

بأي نشاطات اشتغلتم بعد التخرج من ندوة العلماء والعودة إلى تركيا؟

بعد التخرج من ندوة العلماء والعودة إلى تركيا واصلت الدرس في الكلية الإلهية، ثم صرت معلّما، وقد درّست في معظم مدارس إسطنبول وثانوياتها. وفي مدارس الإمام خطيب كنت أدرّس اللغة العربية، السيرة النبوية ومباحث مختصرة في التفسير، كان التلاميذ معجبين بدرسي ويصرون على مواصلة الدرس حتى في حصة الاستراحة، وقد يلقاني بعض من هؤلاء الذين درسوا عندي يبدون إعجابهم بدرس السيرة قائلين بأن لذة درس السيرة النبوية ما زالت منقوشة في أذهانهم.
وعندما اعتزلت عن التدريس اقترح لي بعض الأصحاب أن أبدأ بتأليف الكتب، قلت في نفسي لو ألفت كتبا مع قلة بضاعتي العلمية ربما لا ينتفع الجيل ولكن هناك شخصيات إسلامية لو ترجمت كتبهم إلى اللغة التركية لكانت خدمة جليلة، ويتلقاها العلماء أيضا بالدراسة والمطالعة، كانت هذه فكرة طيبة قد جاءت في أوانها، بدأت بترجمة الكتب، ومن عادتي أني قبل البدء بترجمة أي كتاب أفكر أولا في مدى نفع الكتاب وأهميته، وكم يؤثر في المجتمع وكم يأخذ من وقتي؟ ولكن عندما أبدأ بالترجمة فأصل الليل بالنهار، وأسهر الليالي ولا أنام أكثر من أربع إلى خمس ساعات وأعطي بقية وقتي للترجمة.

لقد ترجمتم عددا لا بأس به من كتب الشيخ الندوي وعلماء شبه القارة الهندية إلى اللغة التركية، لو شرحتم في هذا المجال؟

لقد تعرفت بالشيخ أبي الحسن وأفكاره ونظرياته منذ التحاقي بدار العلوم لكهنو، وكانت لي معه صلة قوية، كما لي علاقة وثيقة مع بعض العلماء الآخرين في العالم الإسلامي، وكنت بصدد نقل الثراث العلمي والفكري لعلماء الهند إلى اللغة التركية حتى لا يحرم شعبنا من هذا الكنز الثمين والعلق النفيس، وكان تركيزي على ترجمة كتب الشيخ أبي الحسن الندوي أكثر، وأذكر هنا قائمة الكتب التي ترجمتها إلى اللغة التركية للشيخ الندوي:
1ـ رجال الفكر والدعوة، وهو أول كتاب للشيخ الندوي ترجمته باللغة التركية في خمسة مجلدات، وقد طبع الكتاب إلى الآن أربع طبعات.
2ـ سيرة السيد أحمد الشهيد، قد ترجم ونشر في ثلاثة مجلدات، ثم ضممت هذا الكتاب مع رجال الفكر والدعوة ونشرته في ثمانية مجلدات وعرضته للشيخ الندوي عام 1990م، وقد سُرّ الشيخ جدا ودعا لي، وما زلت أتذكر تلك الفرحة التي غمرت الشيخ، ثم قال لي: ليس لي ولد، أنت بمثابة ولدي. وقد ذكر الشيخ في المجلد السابع من كتاب “كاروان زندكي”(في مسيرة الحياة) اسمي، وكان يقول لي: إني أدعو لك كل يوم بعد أوراد الضحى. كان يدعو لي في الهند وأنا أشعر وألمس أثر دعاءه في تركيا وأتقوى للعمل.
3ـ المرتضى، ترجمت هذا الكتاب قبل عشرين سنة، وقد طبع ثلاث مرات.
4ـ الأركان الأربعة، طبع الكتاب أربع مرات، وقد تولى نفقة طبعه أحد من الإخوة العرب من محبي الشيخ الندوي.
5ـ أصول ومبادئ فهم القرآن، كتاب صغير الحجم ولكن كثير المحتوى، وقد طبع ثلاث مرات أيضا.
6ـ الإسلام وأثره في الحضارة وفضله على الإنسانية، وهو كتيب طبع ست مرات.
7ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، وقد قمت بترجمته أخيرا.
وقد ترجمت كتب الشيخ المهمة، وهي آثار تحقيقية للشيخ، بذل في تأليفها جهودا مضنية، وبخاصة كتاب رجال الفكر والدعوة.
وقد أجاز لي من ورثاء السيد الندوي الشيخ محمد رابع الندوي والشيخ بلال الندوي إجازة خطية بترجمة ونشر مؤلفات السيد الندوي، وليس لأحد حق نشرها وطبعها في تركيا إلا بإذن مني.
كانت علاقتي بالشيخ الندوي علاقة الولد للوالد، وقد بايعته قبل وفاته بثماني سنوات، وكان الشيخ خليفة الشيخ عبد القادر الرائي بوري بعد وفاته كما أوصى هو بنفسه. والتقيت بالشيخ رائي بوري مرة. ثم بايعت الشيخ عثمان نوري الطوباش في إسطنبول، وفي رأيي إنه من أكبر وأحسن المشايخ المربين في تركيا حاليا، وهو رجل مؤقر ساذج وخادم للشعب، يحب الغرباء والمساكين ويأمر الأمراء والحكام، وهو في رحلات متتالية لخدمة الإسلام والمسلمين، ويشارك في بناء المساجد والمدارس التي تبنى في أفريقية.
وقد ترجمت كتبا لعلماء آخرين من علماء شبه القارة الهندية أيضا، منها ترجمة سيرة النبي للشيخ شبلي النعماني في مجلدين، ترجمته قبل 25 سنة، وأعيد طبعه 6 مرات، وأحمد الله على أن هذا الكتاب حظي بالقبول في أوساط الأتراك من العلماء وعامة الشعب. كتاب “الغزالي” أيضا للشيخ شبلي النعماني، الذي ذاعت صيته في الهند وباكستان وأفغانستان، وقد ترجمته وأعيد طبعه ثلاث مرات. “رحلة إلى الروم والشام ومصر” كتاب آخر للشيخ شبلي، ترجمته وسيعاد طبعه للمرة الرابعة.
وعندما كان أردوغان طالبا عندنا لم يدر بخلد أحد بأنه سيكون شخصية عظيمة في المستقبل. إن جهوده المضنية وسعيه الدوؤب تستحق الإشادة والتنويه، وقد سمعت من أحد وزراءه بأنه ينام ساعتين في اليوم والليلة فقط. إنه يجيد القرآن الكريم، إلى حد أنه يفوق بعض الحفاظ في التجويد. قد أذّن قبل مدة في إحدى المساجد، ولم أكن أظن أنه يجيد الأذان إلى هذا الحد.

ما هي الشخصيات البارزة والمؤثرة التي التقيت بها واستفدت منها في تركيا وخارجها؟

لقد زرت شخصيات بارزة ومهمة. ومن إحدى الشخصيات المهمة في العهد الجمهوري شخصية حسن البصري جانتاي، إنه لم يكن متشعبا في العلوم الإسلامية والأدبية والتصوف والعرفان فحسب، بل كان رجلا بارزا ومتميزا في ميدان السياسة. وكان يقاوم سياسات أتاتورك المناهضة للإسلام. وكان من ممثلي الدور الأول للبرلمان التركي. وكان كثير من العلماء والشخصيات البارزة عضوا في البرلمان في هذا الدور. قد ألّف الترجمة والتفسير المختصر للقرآن الكريم في ثلاثة مجلدات، وقد ذاعت صيت هذه الترجمة بين الناس ويستفيد منها كثير من المترجمين للقرآن الكريم.
ومن إحدى الشخصيات البارزة لتركيا بروفسور علي نهاد ترلان، وهو أول من تعرف بإقبال، وكان أديبا في اللغتين التركية والفارسية. وعندما كان يرحل إلى إيران وباكستان يخطب بالفارسية. وكنت على صلة به، واستفدت منه كثيرا في تعلم اللغة الفارسية. وعندما قمت بترجمة وشرح منظومة “بال جبرييل” للعلامة إقبال عرضته على بروفسور علي فأثنى على عملي ثناء عاطرا وقال: لم أكن أتخيل بأنك تتأهل لترجمة شعر إقبال إلى هذا الحد.
وفي خارج تركيا تأثرت بشخصية الشيخ السيد أبي الحسن الندوي رحمه الله كثيرا، واستفدت منه. وقصة تعرفي به كما يلي: في غرة عام 1959م أراد أحد مقربي الشيخ الندوي الذي حاز الدكتوراه في لندن أن يعود إلى الهند واقترح عليه الشيخ ندوي أن يأتي عند العودة إلى إسطنبول ويمكث هناك لأيام. قال له الشيخ الندوي بأني أرسل رسالة إلى طالب سوري مرتبط بتنظيم جماعة الإخوان المسلمين ويدرس الطب في إسطنبول، وأنت تسلم هذه الرسالة له. فأقام ذلك الرجل عند الطالب السوري لأيام وأنا كنت أعرف ذلك الطالب وأتردد إليه وقد عرّفني بالضيف الهندي. ثم اتفق أن ذهبنا معا إلى زيارة مقبرة الصحابي الجليل سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وتبادلنا في الطريق. كنت قد تعلمت شيئا من الفارسية في المدرسة الإبتدائية للإيرانيين، ثم ذهبت إلى مسجدهم وكان إمامه عالما يدعى عبد المجيد واعظي، قرأت عنده ديوان الحافظ وشيئا من الفارسية. لذلك كنت واقفا على الفارسية إلى حد فتكلمت مع الضيف بالفارسية، سألني: من أين أنت؟ ما هي لغتك؟ ماذا تدرس؟ أجبت عن أسئلته. كان لا يعرف العربية ولكنه يحسن الإنجليزية والأردية، كان زميلي يترجم كلماتي له باللغة الإنجليزية. سألني: هل تحب أن تأتي إلى الهند، وتواصل دروسك هناك؟ عندنا شخصية متميزة وعالم بارز اسمه الشيخ أبو الحسن الندوي، وعندنا دار العلوم ندوة العلماء ويمكن أن تواصل فيها الدروس الدينية، ويتخرج من هذه الجامعة عدد كبير سنويا، ويسمَّون بالعالم(خوجه في الاصطلاح التركي). قلت له: ما عندي نفقة الذهاب والإياب والبقاء هناك. قال: لا حاجة إلى النفقة، توفير السكن والطعام مجان للطلاب. ثم حالفني التوفيق أن أغادر إلى دار العلوم ندوة العلماء وأمكث هناك لمدة ثلاث سنوات وأتلقى العلوم الدينية تحت إشراف الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله. وحصلت في لكهنو على شهادة الأدب. في السنوات التي كنت في ندوة العلماء أعير عناية خاصة بالدرس أسهر الليالي، وقد لا أكتحل بنوم من الأسبوع خمسة أيام وأطالع إلى صلاة الصبح وبعد الصلاة أنام ساعتين ثم أحضر الدروس.
بدأت بالكلام والتحاور مع الزملاء بالأردية وكنت أسألهم عن معاني الأشياء، فتعلمتها في وقت مبكر. جاء مرة الأديب الأردي الشيخ عبد الماجد الدريا آبادي لزيارة الشيخ الندوي فطلبوني فصافحته وفاوضته بالأردية فسأل: منذ كم مدة هذا الطالب عندكم؟ قالوا: أقل من سنة، فتعجب وقال: ماشاء الله! إنه أتقن الأردية في مدة قصيرة.
إني أعشق اللغة الأردية، وهي أفضل وأكثر جذابية عندي من اللغة الفارسية. اللغة الفارسية تتميز بالجمال، والحلاوة، والحرقة، والعاطفة، ولكن في الأردية علاوة على تلك الخصائص عمق وسعة، لأن الأردية مستقاة من أربع إلى خمس لغات والفارسية واحدة منها إلا أن الحلاوة التي نجدها في الشعر الفارسي قد بلغت مبلغ الشهرة على المستوى العالمي، وهي لا توجد في لغات أخرى. وإني مشغوف بالعلامة محمد إقبال، قد تعرفت به وأنا ابن 18 سنة عبر مطالعة جريدة كانت تصدرها سفارة باكستان، ولعل هذا الحب هو الذي ساقني إلى الهند.

لو ذكرتم نبذا عن خواطركم في دار العلوم ندوة العلماء، ومدى استفادتكم من أساتذة هذه الجامعة؟

ترجمت كتاب فضائل أعمال لشيخ الحديت مولانا زكريا الكاندهلوي، وقد نشرت هذه الترجمة قبل كتبي المترجمة الأخرى، وقصة ترجمة هذا الكتاب أنه جاءني مرة رجلان شقيقان أبوهما عالم وكان أحدهما تلميذي، واقترحا لي ترجمة كتاب فضائل أعمال فقبلت، فقالا: كم تأخذ إزاء ترجمة كل صفحة، قلت: ما دفعتما لا بأس به، فقالا: نعطيك إزاء ترجمة كل صفحة 27 ليرة، فقلت: لا حسبي 25 ليرة إزاء ترجمة كل صفحة. لقد لقيت ترجمة فضائل أعمال التركية استقبالا حارا لدى أوساط الناس، وأعيد طبعه إلى الآن 30 مرة، وأهديت ثلاثين ألف نسخة منه إلى أحبائي وأصدقائي. والحقيقة إن كتاب فضائل أعمال كتاب يحفز على العمل، لآنه يركز على الفضائل، ويوافق مستوى العوام. وفي رأيي إن هذا الكتاب من أكثر الكتب قراءة في العالم. قال الشيخ محمد إلياس لابن أخيه الشيخ محمد زكريا: ما شاء الله لك إلمام بالحديث النبوي، ولو ألفت كتابا يقرأ في البيوت ويستفيد منه العامة والخاصة، فهم الشيخ بتأليف هذا الكتاب. والحق أنه كتاب لا يستغني عنه العامي والخواص، ولأجل إخلاص مؤلفه ترك الكتاب أثرا قيما في أوساط الناس، جاءني مرة أستاذ جامعي وقرأ علي من هذا الكتاب شيئا فبكى وبكيت معه.
التقيت بالشيخ محمد زكريا مرة عام 1980م في مدينة لاهور الباكستانية، قال لي أحد بأن الشيخ محمد زكريا جاء من المدينة المنورة وسيغادر إلى دهلي، فلنذهب إلى المطار لنلتقي به، وقد أذن لبضعة أفراد للقاء به وأجازني أيضا وسعدت بلقاءه، وجاء أيضا محافظ إيالات بنجاب لتوديعه.
ترجمت من مؤلفات الشيخ مودودي المجلد الرابع من تفسير تفهيم القرآن، وتُرجمت بقية الأجزاء بمساعدة الأخ محمد كياني (باكستاني الأصل) ومجموعة آخرى من الأصل الإنجليزي إلى اللغة التركية وطبع في سبعة مجلدات بتصحيح أحد من الإخوة الأتراك، وأعيد طبعه إلى الآن عشرين مرة، كما ترجمت كتابه “رسائل ومسائل” في أربعة مجلدات، وأعيد طبعه سبع مرات.
ترجمت وشرحت “بال جبريل” مجموعة أشعار العلامة إقبال، وزدت فيه ترجمة العلامة إقبال وطبع في 600 صفحة، وقد بذلت لترجمة وشرح هذا الكتاب جهدا كثيرا واستغرق سنوات.
إني أحمد الله تعالى أن وقفني لترجمة هذه المؤلفات الأردية القيمة إلى اللغة التركية، وتركت هذه الكتب أثرا قيما في الشعب التركي. وقد يأتيني كثير من أصحاب دور النشر أن أترجم هذا الكتاب أو ذلك الكتاب، ولكني الآن كبرت وضعفت وأعاني بعض الأمراض، وإن عادت في الصحة سأقوم بترجمة ثلاثة كتب أخرى أيضا إن شاء الله.

كم تركت مؤلفات الشيخ أبي الحسن الندوي وعلماء شبه القارة الهندية أثرا في المجتمع التركي؟

قد ذاعت صيت الشيخ أبي الحسن الندوي في المجتمع التركي، ولقيت شخصيته، أفكاره،علومه، تحقيقاته وآثاره صدى في الأوساط الدينية، ولا شك إنه من ثمرة الإخلاص الذي تحلى به الشيخ. لذلك فإن الكتب التي عليها اسم الشيخ الندوي تقتنى أكثر من الكتب الأخرى، ويليها كتب الشيخ مودودي، محمد قطب وسيد قطب.
ولقد وفقني الله تعالى لترجمة كتب الشيخ أبي الحسن الندوي إلى اللغة التركية، ولقيت ترجماتي قبولا وتفاعلا واسعا عند الناس إلى حد أن البعض يرى أن هذه الكتب ليست مترجمة بل هي مؤلفاتي أنا بالتركية. وسبب هذه القبولية أني لم أستعمل في ترجمتي الألفاظ المهجورة التركية بل اخترت لغة المعيار لتكون كتبي سائغة للجيل الجديد والقديم.
من بين الشخصيات الإسلامية من شبه القارة الهندية لقيت أفكار الشيخ أبي الحسن الندوي والشيخ أبي الأعلى المودوي قبولا واستقبالا واسعا في الأوساط الدينية في تركيا. الشيخ سليمان الندوي والشيخ شبلي النعماني وغيرهما من علماء الهند أيضا مشهورون في المجتمع التركي. ولقد كان لكتب الشيخ أبي الحسن الندوي والشيخ أبي الأعلى المودودي فضل كبير في إيجاد الوعي الديني والفكر الإسلامي في أوساط الشعب. وعندما كنت أترجم كتاب “رسائل ومسائل” وتفهيم القرآن للشيخ مودودي أعجبني ذكاءه الخارق ونبوغه العلمي. ولا شك أن من يتلقى كتب مثل هؤلاء المفكرين بالمطالعة يأخذه الإعجاب ويتأثر بهم. ولذلك أقبلت الطبقة المثقفة إلى مطالعة كتبهما. وعلى المستوى العالمي نرى أن أفكار وآراء هاتين الشخصيتين قد تركت أثرا عميقا في الشعوب الإسلامية ناهيك عن بلاد كأفغانستان، تركستان، الممالك العربية، البلاد الأفريقة و…تتلقى أفكارهما وتتغذى بها.
ولهذا السبب يحذّر الصهيونيون من أفكارهما، ويتوجسون خوفا، ويعادونهما أيما عداوة، لأن أفكارهما أثارت الغيرة الدينية والحمية الإسلامية في قلوب الشعوب الإسلامية وحركت كوامن النفوس وأدت إلى ظهور الصحوة الإسلامية، هذا ما يخيف العدو الصهيوني. كما أنهم يخافون أيضا من نشر أفكار الشيخ شبلي النعماني، سيد قطب، محمد قطب والمجاهد المناضل الدكتور يوسف القرضاوي.

وبناء على علاقتكم الوثيقة بعلماء الهند حالفكم التوفيق أن تنقلوا ميراثهم العلمي إلى الشعب التركي، وهل يوجد غيرك من العلماء الأتراك له علاقة بعلماء الهند إلى هذا الحد ويتولى نشر ميراثهم العلمي للشعب التركي؟

سؤال مهم، مع الأسف لا أعرف من الأتراك من يعنى بتراث علماء الهند إلى هذا الحد أو يتحمل مشاق السفر إلى الهند ويتعلم اللغة الأردية، ويتصل بعلماء الهند عن كثب، ويعرّف الشعب التركي بتراثهم أو يعرّفهم على الشعب التركي. قلت مرة للشيخ الندوي: أحب أن أرسل بعض الشباب الأذكياء والمتفوقين في الكتابة إلى ندوة العلماء بالدعم المالي مني حتى يتمكنوا من نقل التراث العلمي والثقافي لمسلمي علماء الهند إلى تركيا. فأجاب الشيخ: لو أرسلت لنا مثل هؤلاء الأفراد لا نألو أي جهد في تعليمهم وتثقيفهم وتنمية مواهبهم وترفيع مستواهم العلمي، ولكن للأسف لم أجد من أرسله.
قبل سنوات أرسلت شابا يدعى إسماعيل إلى الهند بالدعم المالي مني ودرس في دار العلوم ندوة العلماء ست سنوات ثم عاد إلى تركيا. وهو رجل مخلص، حسن المعاملة والسيرة لكنه ليس مؤهلا للقيام بنقل تراث علماء الهند إلى تركيا فلم يحصل الهدف، وهو الآن مشغول في إحدى مدارس تحفيظ القرآن.

علماء الهند لهم صلة بتركيا، يختلفون إلى تركيا كثيرا ويزورون شخصياتها ومراكزها العلمية ويا حبذا لو سافر علماء تركيا إلى الهند لزيارة المراكز العلمية والمعاهد الدينة والاتصال بعلماءها ويرسلوا شبابهم إلى الهند لتلقي العلوم الدينية هناك؟

نعم، من الهند وباكستان كثيرا ما يأتون إلى تركيا، ولكن ليس بالعكس، والسبب في ذلك أن أتاتورك اتخذ سياسات مناهضة للإسلام، وسعى أن يفصل الشعب التركي عن الإسلام ومسلمي العالم ويوجههم نحو الغرب، وشعبنا انقطع عن الشرق ردحا من الزمن وارتبط بالغرب ارتباطا وثيقا، وأصبحوا جزءا لا ينفك من الحضارة الغربية وثقافتها. وكانت سياسة أتاتورك أن كل ما هو أوربي اللون وكل ما يرد من أوربا جدير بالعناية والاحتذاء، وكل ما يرد من الشرق فهو ابتذال وتفاهة. وما زالت هذه العقلية سائدة بين الشعب التركي.

قد سافر العلامة أبو الحسن الندوي غير مرة إلى تركيا، وكنتم معه في بعض أسفاره، لو أشرتم إلى بعض الخواطر من هذه الأسفار؟

أول رحلة للشيخ أبي الحسن الندوي كانت إلى إسطنبول عام 1956م، ولم أكن أعرفه ولا كنت في إسطنبول، وقد ذكر شرح هذا السفر في رسالة سماها “دو هفته تركي مين” وترجمت إلى العربية تحت عنوان: (رحلة إلى تركيا)، وأرسل هذه الرسالة إلي وقال: قد طالعها كثير من مسلمي الهند وأبكتهم.
ولم أكن أعرف الشيخ أبا الحسن الندوي آنذاك، وقد جاء بوحده، وقصة رحلته إلى تركيا كما حكاها هو بنفسه: كان في رحلة إلى سوريا، وأقام هناك مدة ثم برمج مع بعض الطلاب السوريين الذين يدرسون الطب في إسطنبول للذهاب إلى تركيا، فيغادر سوريا إلى إسطنبول بالقطار. ومن سوء الحظ أن القطار يصل إلى المحطة قبل الموعد المقرر، فينتظر الشيخ في المحطة بعض الشيء ولا يجد الطلاب ثم يضطر ليكتري سيارة الأجرة ويبحث عن العناوين التي يحملها، ولكن على أنه غير واقف بالتركية ولا يجد من يحسن العربية أو الإنجليزية يضطرب بعض الشيء للعثور على الأماكن، ومن جانب يأتي الطلاب إلى المحطة في الموعد ولا يجدون الشيخ ثم ينتبهون إلى أنه غادر المحطة فيبحثون عنه في كل الأماكن التي يرجى وجوده ولا يجدونه. والشيخ بعد بحث وتقلب هنا وهناك يجد من يحسن الإنجليزية، ويهتدي إلى منزل تاجر مسلم يدعى بالحاج نظيف جلبي ويذهب إلى بيته ولا يجده ثم يراه في مكان عمله، فيستقبله الحاج استقبالا طيبا. والطلاب بعد فحص طويل يخبرون بأن الشيخ في بيت الحاج جلبي ويأتون إليه، وبذا تنتهي المشكلة. ويبقى الشيخ أسبوعين في تركيا ويزور الأماكن التاريخية، ويلقى شخصيات متعددة ذكر تفصيلها في رحلته إلى تركيا.
أما رحلته الثانية إلى تركيا فكانت عام 1963م، كان في رحلة إلى لندن وعند العودة جاء إلى تركيا ومعه ابن أخته الشيخ محمد رابع الندوي، أقاموا في إسطنبول ثلاثة أيام، ذهبت إلى المطار لاستقبالهم، ورأيت هناك تاجرا متدينا لي صلة به في انتظارهم، وكان الشيخ أمين سراج أحد علماء تركيا البارزين وخطيب مسجد الفاتح آنذاك أيضا في المطار لاستقبالهم، وكان قد تعرف بالشيخ الندوي في مصر عندما يزور الشيخ الندوي في رحلته إلى مصر جامع الأزهر يكون الشيخ أمين سراج طالبا في الأزهر آنذاك ومنذ ذلك الحين تتقوى العلاقة بينهما.
وقد استُقبل الشيخ الندوي في المطار بعد أن قطع المراحل القانونية ولكن وقعت مشكلة في تأشيرة الشيخ محمد رابع فلم يسمح الشرطي له بالخروج، فتدخل الشيخ أمين سراج وذلك التاجر وتابعوا الموضوع واتصلوا ببعض كبار رجال الأمن والشرطة ولكن بلا جدوى! وأخيرا قررنا أن يبقى الشيخ محمد رابع لثلاثة أيام في المطار ريثما يزور الشيخ الأماكن والعلماء في إسطنبول. وركب الشيخ أبو الحسن الندوي السيارة إلا أني لم أيأس بل ذهبت إلى رئيس الشرطة ولاطفته وقلت له بأني درست عندهم في الهند وقد أكرموني وأعطوني السكن والطعام مجانا، وعلّموني العلم، والشيخ أبو الحسن شخصية عظيمة وعالم بارز والشيخ محمد رابع صاحبه وهم عندنا لثلاثة أيام فقط، وقد زعل الرفاق من هذه التصرفات لو أذنت له وأبقيتني مكانه. وهكذا جاملته وأصررت عليه حتى رضي وختم على التأشيرة وسمح له بالخروج من المطار. فأسرعنا إلى السيارة. سُر الشيخ أبو الحسن سرورا بالغا برؤية الشيخ محمد رابع وسأله كيف جئت؟ قال: قد ألح يوسف إلحاحا كثيرا حتى أعطوا لي التأشيرة لمدة ثلاثة أيام. وقد جاء الشيخ أبو الحسن والشيخ محمد رابع مرات عديدة إلى بيتي، مرة قال لي الشيخ أبو الحسن: إن جئت إلى إسطنبول ولم آت إلى بيتك فسفري ناقص. كان يحبني كثيرا. رزقني الله شفاعته يوم القيامة. وقد جاءني السيد ندوي مرة مع الشيخ محمد قطب ومكث عندي أياما. يوما قال لي على مائدة العشاء: أصبح مزاجك مثل مزاج الهنديين تطبخ الطعام المفلفل الحاد.

لو ألقيت الضوء على مكانة التصوف والعرفان في تركيا؟

ولا شك أن الهدف الرئيس من التصوف والعرفان هو الوصول إلى مرتبة الإحسان الذي ورد في الحديث النبوي الشريف، وبالتصوف قد حصل الكثيرون على درجات عالية، كما أن البعض انحرفوا عن المسير وضلوا نتيجة الغلو أو عدم الفهم الصحيح من التصوف. الطريقة النقشبندية المجددية طريقة صافية مبنية على أساس التزكية والإحسان. ومن يتمسك بهذه الطريق يصل إلى مرتبة الإحسان لا محالة. وأنا شخصيا بايعت المشايخ وأنتسب إلى الطريقة النقشبندية، ومع هذا أحذر من بعض الطرق الصوفية. السؤال الذي يطرح نفسه: من يجب عليه الانخراط في سلك التصوف ومن يحظر منه؟ أرى أن التصوف ضروري للعلماء، ولكنه مضر للجهال، ولا ينبغي أن يصل التصوف بأيدي الذين لا يحسنون طريقة الاستفادة منه وليس التصوف على مستواهم. ومما يستغرب في بعض البلاد الإسلامية أن التصوف وقع بأيدي الجهال وليس العلماء. والعلماء ربما يستغنون في هذا المجال مع أن التخلي عن الرذائل والأمراض الباطنية ضروري للعالم بعد التخرج وهذا لا يتيسر إلا بالانخراط في سلك التصوف والعرفان. التصوف والتزكية زينة للعلم والعلماء، وأرى من الواجب على العلماء أن ينتموا إلى التصوف والعرفان.

ما هي مكانة الإمام الرباني الشيخ أحمد السرهندي في تركيا؟

يحتل الإمام الرباني مكانة مرموقة في تركيا، وهو ذائع الصيت ومعروف لدى العامة والخاصة، يجلونه ويحبونه. يقول فيه العلامة إقبال: يقذف النور في قبره كل يوم من السماء. لقد كان بحق رجلا كبيرا. لقد خص الشيخ أبو الحسن الندوي المجلد الرابع من كتاب “رجال الفكر والدعوة” لسيرة الإمام الرباني وأفكاره وأعماله وخدماته. كان الشيخ أبو الحسن الندوي يعيش مثل الإمام الرباني. كان الإمام الرباني يعظ الحكام ولا يجادلهم، ويكتب للعوام ويعلمهم دينهم، ولقد أصبح المنتمين إليه نموذجا يهتدى بهم.
لقد أقمت لأيام في تكيه كلان رايي بريلي (مسقط رأس الإمام الندوي وموطن أجداده) وقع بصري يوما على كتاب فيه ذكر تاريخ أسرة الشيخ الندوي فبدأت بمطالعته إلى الصباح، وكان الشيخ يستريح في الغرفة الجانبية، والباب مفتوح، كان يذكر مرة ويستريح أخرى وقد ينظر إلي فيراني أطالع فقال لي: جئت إلى هنا للمطالعة أم الصحبة معنا؟ فقلت: سيدي! لقد تعرفت على أسرتكم الآن، وهذا أول كتاب أقرأه عن أسرتكم، كيف أكتحل بالنوم ولما أكمل هذا الكتاب؟! فسكت الشيخ، ثم قلت له: بمطالعة هذا الكتاب اقتربت بأسرتكم واستأنست بها أكثر من ذي قبل، فسُرّ الشيخ جدا بكلامي هذا.

شهدت تركيا في عهد الخلافة العثمانية عهدا مزدهرا، ثم حل محلها النظام الجمهوري، وقد عاش جيل من الشعب التركي في كلا العهدين ما تقييمكم وتحليلكم في هذا المجال؟

کان العلامة الندوي ينتقد سياسيات أتاتورك الخاطئة ويشير إلى الآثار السلبية على مستوى الفكر والاجتماع نتيجة السياسة التي اتخذها أتاتورك، وكان نقده علميا ومنطقيا كما أن أسلوبه النقدي كان سواء على الجميع، لا يستخدم عبارات نابية ولاذعة في كلامه. أما أنا فقد دخلت السجن لأني كنت أنتقد سياسات أتاتورك نقدا لاذعا ونابيا. كان أتاتورك من أذناب الإنجليز، وقد أرادوا أن يجعلوا منه شخصية بطولية يحتذى به. كان الرجل يبغض الدين ويناهض أهله واجتهد أن يسلخ الشعب عن دينه. نرى اليوم من يقدسه إلى حد العبادة وينظر إلى تراثه برؤية التقدس. يقول أستاذي الشيخ نور الدين توبجي العالم البارز في تركيا في كتابه: انقسم الشعب التركي إلى قسمين: قسم يريد أن يعيش ولا يريد أن يباد ويهلك ويجتهدون لذلك ولا يهمهم سوى ذلك. وقسم آخر بمجرد أن يولد يريد أن يكون حاكما ويتولى عرش الزعامة، وقد أصبحت تركيا ميدان المنافسة لهذين الصنفين.
ولكن اليوم قيض الله للشعب التركي حكومة متدينة رائعة، لم نكن نتصور أن يحكم تركيا حكومة 90في المائة من رجالها مصطبغون بالصبغة الإسلامية يصلون ونساءهم متحجبات. على حين أنه قبل 15 سنة كان 90 في المائة من رجال الحكومة علمانيين،لا نكاد نصدق أن يحدث خلال 15 سنة انقلاب عظيم إلى هذا الحد ولكن الله أراد أن يكون. وعلينا أن ندعو لهذه الحكومة ونحمي أردوغان وحكومته ليوفقهم الله للمزيد ويجنبهم عن الخطأ والزلل. هذه الحكومة مأوى المسلمين في العالم، ويجتهد رئيس الجمهورية لجميع المسلمين في العالم. وقد أثارت أوربا وأمريكا اليوم حربا نفسية بلا هوادة ووصلت هذه الحرب اليوم أوجها. إنهم يريدون الإطاحة بتركيا أو تضعيفها. إنهم يضغطون على تركيا بحجة الحماية عن الأكراد ويسلحون الأكراد ويطمعونهم ليثيروا حربا بين الكرد والترك والعرب، بين الشيعة والسنة. ثم يتفرجوا ويصفقوا ويصطادوا من الماء العكر. ولكنهم سيخيبون، وستبوء أمريكا وأوربا بالفشل الذريع ويعز الإسلام والمسلمون.

ينظر كثير من المحللين بعين الاستغراب والحيرة إلى هذا التحول العظيم والإقبال الكثير إلى الإسلام من جديد في تركيا بهذه السرعة العجبية والانتشار الواسعبعد أن بذل أتاتورك أقصى جهده ـ بمساعدة من القوى العالمية وبكل ما أوتي من قوة ـ أن يمحو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة وأن يصيب الإسلام في صميمه بحيث لا يرفع رأسا بعد، ما هي الأسباب والعلل إلى هذا الإقبال في رأيكم؟

بعد أن أطاح الاستعمار الإنجليز بالإمبراطورية العثمانية وحرم المسلمين من حصنهم الوحيد بذل كل جهده لإزالة ومحو الشعائر الإسلامية وإبعاد المسلمين عن دينهم وردهم على أعقابهم. وقد برمج لإكمال هذا المشروع تحت الستار مع رجال مثل أتاتورك، ليكون هذا العمل في مراحل، أولاها إسقاط الخلافة نهائيا، ثم تغيير أسلوب حياة الناس وتثقيفهم بالثقافة الأوربية. فكان أن حذفوا المصطلحات الإسلامية من الكلام والكتابة وحلوا محلها الألفاظ اللاتينية، ولتحقيق هذا الغرض منعوا رسم الخط العربي. فمنع إصدار الكتب والمجلات برسم الخط العربي بعد أن كان التراث التركي لقرون بهذا الرسم حتى يفصلوا الجيل الجديد عن سلفهم ومن كان يخالف يحكم عليه بالإعدام. ومن جانب من أصدر الكتب والمجلات وتحمس لنشر اللاتيني استقبل وأصبح موضع الثقة عندهم. فأصدرت الكتب والمجلات والصحف باللاتينية والشعب يجهل هذا الرسم، فغرق في الجهل، وربما لا يوجد نظير هذا الإجراء التعسفي في العالم. ومن لم يلبس القبعة الإنجليزية أعدم، حتى أعدموا في ليلة 100 شخص لأجل عدم لبسهم القبعة الإنجليزية وفيهم من كبار العلماء، وقد ساد الرعب والدهشة في الناس إلى حد أن كثيرا منهم لا يجترئ أن يخرج من بيته. ومع الأسف تربى الجيل الجديد على أساس هذه الأفكار اللادينية وفي ظل العلمانية وشغف بأفكار أتاتورك ونظرياته. ولكن كان فيهم من يبغض أتاتورك وآراءه المناهضة للإسلام، وفي عام 1945م عندما كنت تلميذا في المدرسة الإبتدائية كان يقال لنا: أتاتورك بطل لا يموت. وهكذا كانوا ينقشون عظمة أتاتورك في قلوب الأطفال. تلاوة القرآن كان ممنوعا. كان في حينا تسعة مساجد أغلقوا ثمانية وحولوها إلى مخازن للحنطة، تركوا مسجدا واحدا فقط. حولوا مسجد السطان أحمد إلى إسطبلات الخيول. تركيا قد اجتازت مثل هذا العهد الخطير و90 في المائة من شعبه مؤمنون ذات اعتقاد صحيح، قد نصرهم الله تعالى وكفاهم شر المبغضين للإسلام والمسلمين.
ولقد كان لمدارس الإمام خطيب دور كبير في إيجاد الصحوة الإسلامية في تركيا، أقول دائما: لا يقدر الشعب عدنان مندرس حق قدره. هو أول من نادى بعد فوزه في الانتخابات عام 1950م: إن هذا الشعب مسلم وسيبقى مسلما. وهو من أعاد الأذان بالعربية على حين أن أتاتورك روّج الأذان التركي وفصل تركيا عن الإسلام والمسلمين. وبتأسين مدارس الإمام خطيب أعاد عدنان مندرس الثقة المفقودة في الشعب التركي وعرّف الجيل الجديد بالإسلام، وغرس في قلبه حب الثقافة الإسلامية. ولكن انقُلب عليه بعد تسع سنوات وأعدم. لقد انقلب العلمانيون المناهضون للإسلام بعد كل عشر سنوات على الإسلاميين. وبعد الإطاحة بحكومة نجم الدين أربكان أسس رجب طيب أردوغان حزبا جديدا وواصل أهدافه بكل جراءة وقوة، ولم يثنه التهديد والتخويف عن أهدافه بل قال بكل صراحة: إن كفني معي ولا أخاف الموت، كل من أقدم إقداما مناهضا لنفع الشعب سأعاقبه. واليوم بفضل الله قد ضعف المخالفون وفُت عن عضدهم ويتوجسون الخوف. أرجو أن تتحول تركيا إلى دولة قوية في العالم، وتصبح معقل المسلمين في العالم.

تعليقات

تعليق واحد لـ : “حوار مع الشيخ يوسف صالح قراجه، أحد علماء تركيا البارزين ومترجم مؤلفات العلامة السيد أبي الحسن الندوي إلى اللغة التركية

  1. يقول محمد يوسف محمد أبو حمّاد:

    تعرفت على الشيخ والأستاذ الفاضل عن طريق تجار من فلسطين يعيشون بالاردن وقام لاستقبالي أنا وإبني في هذا العام بإسطنبول ولولا الله ثم شيخنا الفاضل ما استطعت أن أعيش أكثر من أسبوع بما معي من نقود فأكرمنا أحسن إكرام ومشيَّ معنا وهو مريض دون كل أو تعب فشعرت بعزة الإسلام وروح الأنصار الذين استقبلو صحابة رسول الله عليه وسلم فوالله وجدت الأستاذ الفاضل بكرمه وأخلاقه يشبه العهد الأول من الرجال حفظ الله تركيا وأهلها الشرفاء وأطال بعمرهم ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات