اليوم : 24 أغسطس , 2019

كشمير تحترق

كشمير تحترق

تتميز كشمير بطبيعة خلابة حيث المناطق الجبلية الساحرة، كما تتميز بالأمطار الغزيرة التي تزيد من خصوبتها وجمالها، وتتميز بموقعها الاستراتيجي الهام، حيث تحدها الصين من الشرق والشمال الشرقي وباكستان من الغرب والجنوب الغربي والهند من الجنوب، كما أنها تشترك مع أفغانستان في بعض حدودها. وتوجد فيها أعلى السلاسل الجبلية، مثل جبال القراقرم التي يبلغ ارتفاعها أكثر من ثمانية آلاف متر، وجبال الهملايا التي يبلغ ارتفاعها أكثر من خمسة آلاف متر، وفي الشمال الغربي توجد جبال الهندوكوش الشاهقة، وبين هذه الجبال يوجد واديان، وادي كشمير ووادي جامو، ويطلق اسم كشمير اليوم على هذين الواديين. ولجمال كشمير سميت بجنة الأرض، وقد قال عنها السطان “أكبر” الإمبراطور المغولي: إنها جنة الأحلام، لذلك كانت كشمير هدفاً لكثير من الغزاة على مر التاريخ، مثل التتار والمقدونيين والمغول والهنود.
دخل الإسلام إلى الهند في القرن الهجري الأول، ودخل إلى هذه الربوع اليانعة في القرن الهجري الخامس عن طريق العلماء والدعاة والتجار، إلا أن الحكم الإسلامي فيها لم يبدأ إلا في القرن الثامن للهجرة / القرن الرابع عشر الميلادي، حين دخل حاكم كشمير البوذي واسمه “جياليورين” في الإسلام، فكان أول حاكم كشميري يعتنق الإسلام، وأسلم معه جميع أفراد أسرته وأقربائه، وأصبح اسمه “صدر الدين”، وترتب على ذلك أن دخلت في الإسلام أعداد غفيرة من الشعب الكشميري الذي كان موزعاً بين البوذية والهندوسسبة. ومع مرور الزمن أصبح المسلمون أغلبية في هذه المناطق، وأصبحت كشمير جزءاً من الدولة الإسلامية على مدى قرنين من الزمان حيث حكمها ولاة تعينهم حكومة أفغانستان الإسلامية.
حكم المسلمون الهند لمدة ثمانية قرون، حتى كان الهندوس لا يتصورون أن يحكمهم حاكم غير مسلم. لقد شهدت البلاد في تلك العصور الذهبية تطوراً ملموساً، يشهد على ذلك تلك الآثار العظيمة التي خلفوها في جميع أنحاء الهند والتي يفتخر بها كل الهنود على اختلاف أيانهم وأجناسهم إلى اليوم.
استمر حكم المسلمين للقارة الهندية حتى جاء الإستعمار البريطاني واستطاع بدهاء ومكر أن يستولي على أجزاء كبيرة من الهند أولاً عن طريق شركة الهند الشرقية وذلك بشراء الأراضي، ثم عن طريق القوة العسكرية حين أحكمت قبضتها على أغلب مناطق الهند، وامتدت يدها إلى كشمير، فاستولت عليها في عام 1839م. وامعاناً في خبثها أبرمت بريطانيا مع أسرة دوغرا الهندوسية معاهدة عرفت باسم معاهدة “أمرتسر” باعت موجبها كشمير إلى هذه الأسرة مقابل سبعة ملايين ونصف المليون روبية لمدة مائة عام تنتهي في عام 1948م. باع من لا يملك لمن لا يستحق! لذلك كان مولانا أبو الأعلى المودودي يقول: “إن السياسيين البريطانيين هم من أوجدوا مشكلة كشمير”. توالت ثمانية وعشرين حكومة هندوسية الحكم في كشمير لم يكن من بينهم مسلم واحد. وحين تولى المهراجا غلاب سنغ الحكم في كشمير ازداد الظلم والاضطهاد، حيث لم يكن يسمح بتولى المسلمين أية وظائف مدنية أو عسكرية، كما فرضت على الشعب الكشمير المسلم ضرائب قصمت ظهورهم وقيود كثيرة حتى في عبادتهم، ومنع المسلمون من ذبح الأبقار حتى في عيد الأضحى، ومن يتجرأ على ذلك مصيره الإعدام، وقد خفف هذا القانون الجائر في عام 1934م إلى السجن لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة –علماً بأن الهند تعتبر من أكبر الدول مصدرة للحم البقر في العالم- كما كان المسلمون محرومون من حمل السلاح من أي نوع كان، وكان إذا أسلم هندوسي تصادر أمواله ويتم أيذاءه ويضيق عليه في الرزق، وإذا ارتد مسلم فإنه كان يلقى ترحيباً رسمياً كبيراً ومعاملة فيها الكثير من الاحترام. هكذا عاشت الأغلبية المسلمة تحت اضطهاد أقلية هندوسية غاصبة محتلة تؤازرها القوات الهندية المسلحة التي زاد عددها اليوم على تسعمائة ألف جندي.
وفي عام 1947م استقلت الهند عن بريطانيا، وانفصلت باكستان عن الهند على أساس ديني محض، فتم الاتفاق على أن المناطق ذات الأغلبية المسلمة تنضم إلى باكستان، والمناطق ذات الأغلبية الهندوسية تنضم إلى الهند، وهكذا تشكلت باكستان وكان من حق كشمير أن تنضم إلى باكستان لأن غالبية سكانها من المسلمين، حيث كانت نسبتهم آنذاك أكثر من تسعين في المائة، ولكن الهند رفضت ذلك لما لكشمير من أهمية استراتيجية، ولأنه يمكن التحكم في مياه باكستان عن طريقها بسهولة. ومن الجدير بالذكر هنا أن الأنهار التي تجري في باكستان كلها تنبع من كشمير، لذلك وصف محمد علي جناح مؤسس باكستان كشمير بأنه الشريان الرئيس لباكستان. وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالذكر وهي أن كشمير متصلة بباكستان اتصالاً طبيعيا، وأما الهند فتفصلها عن كشمير جبال شاهقة يصعب عليهم قطعها والوصول إليها براً، وكأن الله قدر أن تكون كشمير جزء من باكستان قبل أن يصيح بها أهل كشمير الذين يرفعون اليوم شعارات تقول: كشمير ستصبح باكستان.
ظهر في كشمير حزبان رعت الهند أحدهما فكان موالياً لها وهو حزب “المؤتمر الوطني” وحزب آخر اسمه “المؤتمر الإسلامي” الذي كان يرى أن الجهاد هو الحل المناسب لقضية كشمير. وقد استطاعت الهند عن طريق الحزب الموالي لها أن تضم كشمير إليها.
بعد رفض الهند لانضمام كشمير إلى باكستان حسب الاتفاق الذي بموجبه تم انفصال باكستان عن الهند قامت حرب بين البلدين استمرت لمدة عام كامل، وحين رأت الهند تفوق باكستان عليها بسبب انضمام رجال قبائل شمال باكستان (الباتان) إلى الجيش الباكستاني، وأنها تكبدت خسائر كبيرة من جراء تلك الحرب، لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة تستنجدها لتوقف القتال، فوجهت الهيئة القوات الدولية إلى المنطقة التي نجحت في وقف إطلاق النار بين البلدين، كما أصدرت قراراً باجراء استفتاء شعبي حر يقرر فيه شعب كشمير مصيره، ويقول كلمته فيما إذا كان يريد الانضمام إلى الهند أو إلى باكستان، فتم تنفيذ الجزء الأول من القرار لأنه كان في صالح الهند، فتم وقف إطلاق النار، وانتشرت القوات الدولية في المنطقة، ولكن لم يتم تنفيذ الجزء الثاني من القرار وهو الخاص باجراء استفتاء شعبي يقرر بموجبه الشعب الكشميري مصيره، وأخذت الهند تماطل رغم مناشدة باكستان هيئة الأمم المتحدة بتنفيذ ما قررته، ولكنها وجدت صلفاً وتعسفاً من قبل الهند وتجاهلاً متعمداً من قبل هيئة الأمم المتحدة، وسكوتاً مريباً من قبل الهيئات الإنسانية العالمية، ويضاف إلى ذلك تخاذل الدول الإسلامية وبعض الحكومات الباكستانية جرياً وراء مصالحها الخاصة مع الهند. ولم تكتف الهند بذلك بل خالفت كل المعاهدات التي أبرمتها مع باكستان ومنها معاهدة “شملة”.
دارت حتى الآن معركتان كبيرتان بين الهند وباكستان على كشمير، أولاها وهي التي تحدثت عنها والتي استمرت عاماً كاملا حيث بدأت في عام 1948م وانتهت في عام 1949م، أي بعد قيام باكستان بسنة واحدة فقط، نتج عنها تحرير جزء من كشمير يقدر بثلث مساحة كشمير، ويطلق عليه الآن في باكستان اسم كشمير الحرة، وقد أصبحت ولاية من ولايات باكستان، أما الجزء الخاضع لسيطرة الهند فيطلق عليه اسم كشمير المحتلة، وهذا الجزء تمارس فيه الهند ألواناً من الظلم والاضطهاد معتمدة على قواتها المنتشرة كل أنحاء كشمير. وكانت الحرب الثانية في عام 1965م.
قبل أسبوعين تقريباً وبالتحديد في الخامس من أغسطس أعلنت الهند فجأة إلغاء المادة 370 الدستور التي كانت الهند بموجبها تتولى الشئون الخارجية والدفاع والمواصلات في كشمير، ولم تمنح الولاية إلا جزءا يسيراً من الاستقلال. والآن ألغيت هذه المادة، وانتهى الاستقلال الجزئي الذي كانت الولاية تتمتع به، وأصبحت كشمير ولاية كبقة الولايات الهندية الأخرى، أصبح للهند السيطرة الكاملة عليها، ولم تكتف بذلك بل أعلنت حالة الطوارئ في الولاية، وقطعت كل اتصال للعالم بها، وإمعاناً في الظلم منعت كل أنواع الاحتفال بعيد الأضحى المبارك، وأغلقت المحلات والأسواق والمدارس والمساجد، وقتلت وجرحت العديد من الشعب الكشميري الذي انتفض ضد هذا الطغيان المفروض عليه بالحديد والنار، حتى قل الطعام والدواء وحتى لبن الأطفال، والشعب الكشمير الأعزل الآن محروم من أبسط أنواع الحقوق الإنسانية، وهو يناشد باكستان والعالم الإسلامي والنخوة الإنسانية وضمير العالم ليوقف سيل الدماء المسفوح في كشمير، ويطفئ النار التي تحرق كشمير، تحرق جنة الأرض.
الهند في الحقيقة لا تتحدى الكشميريين ولا تتحدى باكستان فقط وإنما تتحدى المسلمين في كل أنحاء العالم بمحاربتها الإسلام وشعائر الإسلام في جنة الأرض: كشمير.
وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا. سورة النساء: 75.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات