اليوم : 27 فبراير , 2019

عن فقيد الدعوة والفكر والأدب العلامة السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي

عن فقيد الدعوة والفكر والأدب العلامة السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي

تعرّفت على كتب المفكّر الكبير العلامة السيد أبي الحسن الندوي رحمه الله ومقالاته وكنت طالبا بجامعة دار العلوم كراتشي، فأخذت بمجامع قلبي وتأثرت بها تأثرا بالغا لا تفسره إلا تلك الحالة المعبر عنها بالعشق والغرام. فكنت أنتظر الجرائد والمجلات الصادرة عن جامعة دار العلوم ندوة العلماء بـ لكهنؤ الهند على أحرّ من الجمر، كـ “الرائد”، و”البعث الإسلامي” و”تعمير حيات”، وأطالعها بانتظام.
إن مقالات الإمام السيد أبي الحسن رحمه الله كانت تحدث فيّ مشاعر متوثّبة جيّاشة بحيث تجعلني أعيش في لذة عصيّة على الوصف. وفي هذه الأثناء تعرّفت على قلم من الأقلام السيالة الخلّابة وهو قلم الشيخ السيد محمد واضح رشيد الندوي رحمه الله، ثم حينما علمت أنه ينتمي إلى الإمام الندوي بوصفه ابن اخت له وقد تربّى على يدي خاله الكبير ونشأ تحت عنايته، وتغذّى بأفكاره، بالطبع غدوتُ أصبو إلى كتاباته ومقالاته وتعليقاته أكثر فأكثر، وتوطّدت بيننا أواصر الحب وعلائق المودة. خاصة مقالاته المنتشرة في مجلة “البعث الإسلامي” حول الأوضاع الراهنة والقضایا المعاصرة كانت تستلفت النظر وتستهوي كل متابع لأوضاع العالم فهي کانت تعبر عن مواكبة الكاتب كل ما يجري في الأوساط السياسية و الاجتماعية، لعمقها وموضوعيتها وكونها في الصميم والتي كانت تصدر تحت عمود “صور وأوضاع”.
وقد شاءت الأقدار أن أسافر إلى الهند عام 1407 هـ.ق. لأول مرة وأتشرف بلقاء العلامة السيد أبي الحسن رحمه الله. والتقيت في مجلسه بالشيخين مولانا السيد محمد الرابع الحسني ومولانا السيد محمد واضح رشيد الحسني، وتمتعت خلال هذه الرحلة باهتمام فائق وعناية خاصة من هذين الشيخين المبجلين.
ومما استرشدت فيه العلامة السيد أبا الحسن خلال هذه الرحلة هو طريق تعلم اللغه العربية العصرية، فقلت: إننا سائرون على المنهج الدراسي القديم، فما هو الطريق الأمثل إلى التمكن من اللغة العربية الحديثة؟ فقال الشيخ: إن مطالعة الصحف والمجلات العربية مفيدة جدا في هذا المجال ولها أثر كبير في إتقان اللغة العربية المعاصرة. ثم قال إن بعض الصحف والمجلات العربية تأتي إلى مكتب مجلة “الرائد”، أؤكد عليك للحضور فيه. فذهبت إلى مكتب الرائد والتقيت ثمّة بالشيخ السيد محمد واضح رشيد الندوي فأكرم نزيله وأحسن وفادته، وعرّفني بالصحف والمجلات العربية المتوفرة. وليس هذا فحسب بل أسدى إليّ توجيهات هامة جدا في مجال الكتابة والقراءة وإيجاد الذوق السليم. وقال لي نكتة رائعة وعتها ذاكرتي ولا أزال أذكرها ولن أنساها وهي: لا يكفي مجرد القراءة والكتابة. مادامتا ينقصهما العشق والحرقة واللوعة. وما دامتا ينقصهما الهدف السامي، فهذه عناصر لا روح للكتابات بدونها. ثم أراني بعض كتابات العلامة السيد الندوي لافتا نظري إلى اللوعة الغامرة فيها والهدف الكامن من ورائها، مشيرا إلى أن ما جعل كتابات الشيخ تعتمل في القلوب وتشغل العقول وتجرى في الدماء واللحوم هو هذا الأمر وليس إلا.
وفي اللقاء نفسه أكد عليّ لتكوين بيئة عربية في جامعة دار العلوم بـ زاهدان. والعمل على إيجاد الذوق في الطلاب، وأكد بشكل خاص على البدء بالكتابة العربية قائلا: “اجعلوا لكم صحيفة جدارية تكتبون فيها مقالاتكم وتلصقونها بجدران الجامعة”. وأذكر أنه بعد الرجوع من هذه الرحلة في ذلك العام بدأت النشاطات العربية والكتابة العربية والحث عليها في جامعة دار العلوم زاهدان. وهذه السلسلة توسعت وازدهرت وهي جارية بحمد الله وقد أصبحت دار العلوم في هذا المجال قدوة للمدارس والمعاهد الدينية الأخرى. والحمد لله.
وحينما جاءنا نبأ وفاة العلامة السيد أبي الحسن الندوي كانت كتابات الشيخ السيد محمد واضح رشيد وتعليقاته الحية النابضة تشفي غليلنا. قد حدث أن ذهبت إلى لكهنؤ والقلق يعصر قلبي بأنه ماذا قد حدث بعد ارتحال العلامة السيد الندوي، وعندما زرت الشقيقين الكريمين الدؤوبين، المتجافيين عن مهاد الراحة في خدمة البلاد، سررت للغاية، وذلك لسببين: الأول: أن الله تعالى قيّض للشيخ خَلَفاً صالحا ومنحه وارثين متأهلين ذوي الأيادي البيضاء. والثاني: أن الشقيقين ماضيان على درب واحد مجتمعان على فكرة واحدة وسائران نحو اتّجاه واحد، وقد وفّقا لملإ الفراغ الحادث من وفاة الشيخ أيما توفيق. وجدت الشقيقين يعيشان معا، ويفكران معا، ويأكلان معا، وعندهم من المشاغل العليا ما يشغلهم ومن الاهتمامات الجليلة ما يملأ أوقاتهم. ومثل هذا الانسجام والتعاطف والانقطاع في مثل بيئة اليوم المصابة بالمادية وفي خضم الأشغال المختلفة لو لم تكن العنقاء فهي نادرة بلا شك.
عندما جاءني نبأ وفاة الشيخ السيد محمد واضح المؤلم تذكرت أشعار متمم بن نويرة التميمي التي كانت تنشدها السيدة عائشة رضي الله عنها عندما وافت المنية أخاها عبد الرحمن:

وكــــنا كـــندمانَيْ جَذيمةَ حِقْبةً
من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
*
فلــــمّا تفرّقنــــــا كـأنّي ومالكاً
لطول اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معاً
*
وصرتُ كلما أقرأ هذه الأشعار تتراءى لي صورة شيخنا مولانا محمد الرابع حفظه الله بشكل عفوي. إن الله وحده يعرف ماذا يعاني الشيخ من فقدان شقيقه الأثير، رفيق دربه والحبيب إلى قلبه، إلا أني متأكد أن الشيخ من الرجال الأفذاذ الذين يتلقون المكاره برحابة صدر، وبقوةِ إرادةٍ، ومناعةٍ أبيةٍ، وأن الله تعالى أرضاه بقضائه وصنيعه إعلاءً لدرجاته عنده.
كان آخر لقائي مع الشيخ السيد محمد واضح رشيد -رحمه الله- قبل سنتين في رائي بريلي حيث سافرت أنا وحبيبي المفتي عبد القادر العارفي معا. حضرنا مجالس الأخوين الكريمين وحظينا بشفقتهما وإكرامهما المعهودين.
رغم أن الشيخ محمد واضح رشيد كان لا يتكلم إلا قليلا وكان أغلب حاله الصمت إلا أنه حينما تكلم فكلامه فصل يتكلم بجمل جامعة ثرية عامرة بالمعنى، بلغة تعتمل في القلب والضمير، وعندما زرناه في رائي بريلي قال: “نتواصل في المستقبل”. ومن ذا الذي كان يعرف منا أن هذا اللقاء هو الأخير في هذه الدنيا الفانية، المنغّصة اللذات، الجاهمة المحيا، الممتزجة بالكدر، المختلطة بالنكد! ولا نقول إلا ما يرتضيه ربنا عزّ وجلّ.
أدعو من صميم القلب أن يرفع الله درجات الشيخ السيد محمد واضح رشيد وينفع الأمة الإسلامية بآثاره الجليلة الرائعة ويحقق آماله.
آمين وهو المستعان.

(أصل المقال كان باللغة الأردية)
[افتتاحية مجلة “الصحوة الإسلامية” العدد الـ ١٢٣ وهو عدد خاص بمناسبة رحيل الأستاذ العلامة الشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي رحمه الله، الصادرة عن جامعة دار العلوم زاهدان-إيران].

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات