اليوم : 28 نوفمبر , 2018

عن الحاج عبد الوهاب.. فقيد الدعوة

عن الحاج عبد الوهاب.. فقيد الدعوة

منذ عقود وقد عُرف الحاج عبد الوهاب في ميدان الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كشخصية نشيطة إليه تنتهي الصدارة والزعامة.
كان مصدر الكثير من الكلمات التي يتردّدها أهل التبليغ في شتى البلاد مسندين إليه بقولهم: «يقول الحاجي كذا» فكل من ينتمي إلى التبليغ ويمتّ إليه بصلة يعرفه ويروي عنه أقواله ولو لم يره قطّ.
وبلغ إلى حد لا تذكر الدعوة في أنحاء العالم إلا ويذكر هو أيضاً. فأصبح عنوانا للدعوة، وصار كأنه الاسم الثاني للدعوة والإرشاد. كلما ذُكر ذُكرت الدعوة وكلما ذُكرت الأخيرة تلاها ذكرُه.
إن الجميع متفقون على أنه نصح للإنسانية وللأمة المحمديةن، ومتفقون على أنه كرّس حياته في هذا المجال. ضحّى لأجل مبدئه تضحية، واستقام استقامة، وجاهد ولم يتنازل عن مبادئه قِيد أنمُلة.
عُرف بالحرص على نشر الدعوة إلى الله وكلمة الحق في أنحاء العالم، فساعده الله على تحقيق أمنيته الإلهية وأوصل صوته وصيته إلى ما شاء تعالى أن يصلا. تعرف عليه الملايين واستفادوا من مواعظه وتوجيهاته المؤثرة الحكيمة، وسبب لاهتداء الملايين من البشر، بين كافر آمن وغافل تاب وفاسق أناب ومتهاون أفاق، فغيروا منحى حياتهم والكثير منهم انضموا إلى ركب الدعوة اقتداء بالحاج ليقضوا حياتهم في كفاح وجهد مستمرين.
لقد أرسل بعثات تبليغية دعوية إلى أنحاء العالم من مركز الدعوة في باكستان، فلم تترك هذه البعثات مكانا يمكنها الذهاب إليه إلا ودخلته فـ غزته فجعلته تهب في عرصاته رياح الإيمان، وشقّت طريقها إلى السبل الوعرة والعويصة، سهولها وجبالها، أصولها وفروعها. والنتيجه أن الدعوة عمت وفشت إلى ما يزيد على مائة وثلاثين دولة امتدت إليها هذه الدعوة الموفقة!
والعجيب أنه لم يكن مجال هذه الدعوة الفساق والعصاة من المسلمين فقط بل عممت لتشمل التجار، وأصحاب المهن من مدرسين، وأطباء، ومهندسين، وطلاب العلم وطلاب الجامعات وأساتذتها، ويُختار لكل شريحة أسلوب يلائمه.
والأعجب هو سنّ الدخول على الوزراء والحكام وأصحاب المناصب واستعطافهم لدين الله تعالى نصرة وخروجاً ودعوة حتى أصبح أولاد الأمراء وأنسبائهم وأقربائهم يدخلون هذه الدعوة وينصرونها ويفتحون لها الأبواب في بلادهم. والذي ذهب إلى اجتماع (رايوند) رأى عجائب في مجال التنوع الطبقي، يأتيه الناس من عشرات البلاد من شرائح مختلفة؛ فهذا طبيب، وذاك مهندس، وذلك تاجر، وهو سياسي. وهناك الباكستاني، والإيراني، والفلسطيني، والمغربي، والبريطاني، والأمريكي، والإفريقي، كلهم على همّ واحد، وفكر واحد وعاطفة واحدة … إنهم قلب واحد.
فوفقت هذه الجماعة في جمع الناس على مختلف الشرائح والمستويات والرؤى والاتجاهات توفيقا قلّما حظي به جماعة أخرى، وذلك لأن دعوتها إلى الدين الحنيف دون تطرّق إلى الخلافات المذهبيّة والفقهيّة والكلاميّة.
إن الحاج عبد الوهاب حطّم القيود الحائلة دون انتشار الدعوة في البلاد والمنطقة بل العالم كله. إنه سعى كل السعي في مجال دخول الإسلام كل بيت مَدَرٍ ووَبَرٍ، داعيا الناس كافة إلى تجديد الإيمان وإصلاح الأعمال والتوبة.
كان يخطب ويتكلم ساعات وساعات دون أن يتعب، لأن قلبه كان ينطوي على ولوعة في داخله. وكان لا محالة يتعب، إلا أنه كان يأبى الاستسلام والخضوع أمام التعب والنهك، فكان يقوم لو كان جالسا. ويجلس لو كان قائما. ويضطجع أو يتخذ حيلة ما ولا يتوقف عن التوجيه والإرشاد. وكان نومه بقدر فواق. كان يخطب فيغشّيه النعاس من شدة الأرق فيبقى نائما لمدة دقائق ليستيقظ فيواصل كلامه من حيث انقطع!
لماذا هذا التاريخ الحافل بالكفاح ؟ لماذا هذا الأرق؟ لماذا هذا التحمس؟ لماذا هذه اللوعة والحرقة؟ هل للارتزاق وكسب المال وجلب والمتاع والحطام؟ كلا، لم يكن وراء الدنيا، إذ له قصص سائرة بين الأنام في رفض الأموال الطائلة التي قدمت إليه. فماذا كان الحافز؟! لا يمكن أن يكون الحافز على هذا الجهاد المرير غير النصح والإخلاص. لا، إنه النصح للأمة جمعاء. إنها اللوعة والحرقة، إنه الحرص على الهداية والنجاة، وإنه الحب لبني الجلدة. وليس إلا.
لقد اجتهد في سبيل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحاول وكافح وناضل خالصا مخلصا ناصحا أوّابا، فرزقه الله القبول وجعل اسمه يسير به الركبان، ويتحدث به الصغار والكبار والرجال والنساء، دخل ذكره البيوت مع دعوته وفكرته، وأصبح شخصية ذات أثر ودويّ كبير في العالم، ولعلّ احتلال اسمه المركز العاشر في قائمة 500 شخصية إسلامية الأكثر تأثيرا في العالم یغنینا عن إقامة أي دليل آخر على مدى أثره في العالم.
حيمنا توفي نعي العالم به كله وقد سالت على إثر النبأ الدموع على الخدود، كاشفة عن حزن القلوب وتفجع الصدور، فبكاه العالم، وكيف لا؟ والجميع يحبون الناصح الذي يجدونه محبا إياهم حريصا لهدايتهم ونجاتهم وصلاح دينهم ودنياهم، الذي يسهر لأجلهم ويأرق، ويضحّي براحته، ونفسه ونفيسه، في صدق وإخلاص وحكمة.
إن الحاج عبد الوهاب لبّى نداء ربه مسرعا إلى لقائه صبيحة يوم الأحد 10 من ربيع الأول الجاري لیصير تاريخا للدعوة، فلو أن أحدا أراد تصفّح تاریخ الدعوة المعاصر يجد اسم الحاج عبد الوهاب يلمع في صفحاته الزاهرة. وإن اسمه ليبقى في طيات هذا التاريخ، لأنه كان بانتظار عبقری مثله على أحرّ من الجمر ليحتضنه بقوة ففعل.

سيد مسعود

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات