اليوم : 21 مايو , 2018

نظرة إلى أبعاد عقيدة ختم النبوّة وفوائدها

نظرة إلى أبعاد عقيدة ختم النبوّة وفوائدها

إشارة: عقدت إدارة جامعة دار العلوم زاهدان دورة في السيرة النبوية مدّتها عشرون يوما، بداية من أوّل شهر شعبان، قام فيها الأساتذة الكبار بإلقاء محاضرات تناولت الجوانب والأبعاد المختلفة من السيرة النبوية المطهرة، كما ألقى فضيلة الأستاذ المفتي محمد قاسم القاسمي مساء الاثنين (7 شعبان 1439) كلمة حول موضوع “ختم النبوة”.
تطرّق الأستاذ القاسمي أوّلا إلى أهمية عقيدة ختم النبوة في الإسلام ومكانتها قائلا: عقيدة ختم النبوة ليست اجتهاد مجتهد أو استنباط مستنبط يمكن حوله النقاش والبحث وتبادل الآراء بين الأمة الإسلامية، بل هذه القضية من ثوابت العقيدة الإسلامية ومن البديهيات وخصائص الدين الإسلامي.
ثمّ أشار فضيلته إلى إغلاق أبواب النبوة إلى يوم القيامة، وإلى أنه لولا عقيدة ختم النبوة لما كان العالم في شكله الراهن، وتابع قائلا: إن الله تعالى يبيّن في آية “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما” قضية ختم النبوّة بصراحة تامة. هكذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي”، أبطل كافّة ادعاءات النبوّة من جانب الأشخاص، بناء على ما ورد في هذه الآية والحديث، أغلقت أبوابُ النبوة للأبد.

دوافع مدّعي النبوّة الكاذبة
وأشار الأستاذ القاسمي إلى بيان العوامل التي دفعت بعض الأفراد إلى ادعاء النبوة بعد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر التاريخ، وذكر أربعة عوامل لذلك وهي: 1- المشكلات النفسية؛ 2- ابتغاء الشهرة والمنصب؛ 3- العمالة للأعداء (المستعمرين)؛ 4- التلبيسات الشيطانية.
وأوضح أستاذ الحديث والفقه في جامعة دارالعلوم زاهدان، في بيان هذه العوامل الأربعة، قائلا: المشكلات النفسية من العوامل التي دفعت في التاريخ الإسلامي البعض من البشر أن يدّعوا النبوة، بحيث تبين بعد التحقيقات المطلوبة أن مدّعي النبوة كان يعاني من اختلالات نفسية، كما أن بعض من لديه مشكلات نفسية ادّعى “المهدوية” في إيران وفي بعض البلاد الأخرى.
وأضاف الشيخ القاسمي: العامل الآخر الذي كان وراء ادعاء النبوة، هو الوصول إلى المنصب والشهرة والثروة واكتساب محبة الناس وتكريمهم؛ فهؤلاء لما رأوا مكانة الأنبياء ومحبتهم في قلوب أفراد المجتمع، ادعوا النبوة رجاء أن يجدوا تكريما وتعظيما من جانب بعض أشخاص المجتمع، واستعبدوا واستثمروا من هذا الطريق الكثير من الناس.
وأشار المفتي محمد قاسم القاسمي إلى صفات الأنبياء الصادقين وخصائصهم قائلا: الأنبياء الصادقون لم يستعبدوا الناس، ولم يأمروهم بعبادة أنفسهم وعبوديتهم. يقول الله تعالى في وصفهم: “ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون”. يرى الأنبياء عبديتهم لله تعالى أعظم مفاخرهم، وكانت خلاصة أهداف حياتهم أن يكونوا هم وأتباعهم عبادا لله تعالى. خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين: “لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم”.
وأشار رئيس دار الافتاء التابعة لجامعة دار العلوم زاهدان إلى عمالة أحد مدعي النبوة في الهند للقوى الاستكبارية، وتابع قائلا: “غلام أحمد قادياني” كان من الأشخاص الذين ادعوا النبوة بتحريض البريطانيين الذين استعمروا الهند.
وأضاف قائلا: الإنكليز استعمروا الهند بعد أن حكمها المسلمون لقرون، بحيث لمّا دخلت القوات البريطانية هذه البلاد، أقام المسلمون معركة كبيرة ضدّها سنة 1857م. تولّى قيادتها علماء كبار كالشيخ “محمد قاسم النانوتوي”، والشيخ “رشيد أحمد كنكوهي”، وحافظ “ضامن”، والحاج “إمداد الله مهاجر مكي”.
وصف الأستاذ القاسمي “محبة الرسول”، “والروح الجهادية” من خصائص مسلمي الهند تجاه المحتلين الإنكليز، واستطرد قائلا: وصل الإنكليز إلى هذه النتيجة بأنهم للنجاح في برامجهم الاستعمارية، ولمحاربة هاتين الصفتين، يحتاجون إلى أن يحلّوا محبة نبي كاذب مكان محبة الرسول في قلوب المسلمين، بحيث لا تكون لأحد جرأة المخالفة أيضا؛ لذلك انتخبوا “مرزا غلام أحمد” الذي كان ذكيّا وعابدا، لكنه كان ساذجا فخدعوه، واختاروه لهذه المهمة.
وتابع فضيلة الاستاذ القاسمي قائلا: استطاع الإنكليز المخادعون أن ينجحوا بشكل كبير في برامجهم ويحدثوا اختلافا وقلقا بين الأمة المسلمة بانتخاب شخص هندي، وبالاستغلال السيء للمشاعر القومية للشعب الهندي حيث أوهموهم بأن منهم أيضا بعث نبي.
لقد استمرت فتنة القاديانية نحو 9 سنة، إلى أن استطاع المسلمون بجهود الشيخ “محمد يوسف البنوري” رحمه الله من خلال تأسيس مؤسسة “مجلس العمل” في باكستان احتشاد فتاوى العلماء ضد هذه الفتنة، بحيث اضطرت الحكومة الباكستانية استنادا بهذه الفتاوى الإجماعية أن تكفر الطائفة القاديانية وتعدّها جماعة خارجة من الدين الإسلامي.
قال الأستاذ القاسمي حول العامل الرابع من عوامل ادّعاء النبوّة الكاذبة: يُلقي الشيطان الوسوسة والوهم في ذهن شخص في حالة اليقظة أو النوم، بحيث يبتلى بنوع من الثقة المفرطة والزائدة بنفسها، ويرى نفسه مقدسة، وهذا الإفراط في التقدس يوسوس فيه بأن يدعي النبوة.

فوائد عقيدة ختم النبوة للأمّة الإسلامية والعالم البشري
واصل رئيس تحرير “مجلة نداي إسلام” كلمته بالإشارة إلى بيان فوائد وثمرات عقيدة ختم النبوة. واعتبر فضيلته ” تكامل الدين الإسلامي”، و” التصدي لضياع قدرات الأمة في القبول أو ردّ مدعي النبوة”، و”تكوين صناعة قبول الذات، وصلاحية قيادة المجتمع البشري في الأمة”، من أبرز فوائد هذه العقيدة، وأوضح كل واحد من هذه العوامل:

1- تكامل الدين الإسلامي:
ختم النبوة علامة ودليل على كمال الدين الإسلامي، يعني الدين الإسلامي وصل إلى التكامل والكمال في كافة الشعب والأبعاد (الاعتقادات، والأخلاقيات، والمعاملات، والسلوكيات) وليست هناك حاجة إلى شريعة ولا إلى نبي جديد. يقول الله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”.

2- التصدي من ضياع استعدادات الأمة في قبول أو رد مدعي النبوة:
فلولا ختمت النبوة، ولولا أغلقت أبواب النبوة للأبد، لضاع قسم كبير من طاقة الأمة واستعداده في مسألة “هل الذي ادّعى النبوة صادق في دعواه أم كاذب؟”
فلو كان الفرد المدعي نبيّا صادقا، وأنكره الناس، هلكوا جميعا وأصابهم عذاب الله تعالى، ولو كان نبيا كاذبا وصدّقه الناس، وقعوا في الضلال المبين. أراد الله تعالى أن تبذل طاقات هذه الأمّة وقدراتها في أعمال إصلاحية وتربوية.

3- تكوين صناعة قبول بالذات، وصلاحية القيادة للبشرية في الأمة:
عقيدة ختم النبوة تصنع في كوامن أبناء الأمة هذه العقيدة والثقة بأن المسلمين وصلوا إلى درجة من الرشد والأهلية تمكّنهم من تربية رجال يقودون البشرية من غير أن يكونوا أنبياء. فلو استمرت سلسة إرسال الرسل، لتكاسل أفراد المجتمع في القيام بواجب الإصلاح والتربية، رجاء بعثة نبي جديد. لذلك تدلّ قضية ختم النبوة على أن الأمة المسلمة فيها طاقات وكفاءات فأصبح موضع ثقة الرحمن حيث منحه أهلية نجاة البشرية وقيادتها.

سبل تكامل الأمة المسلمة
لمّا أغلقت أبواب النبوة كيف يمكن أن يصل أفراد الأمة إلى الكمال والتكامل؟ وكيف يحققون الأهلية اللّازمة لقيادة المجتمع؟
في القسم النهائي من الموضوع، ردّ الأستاذ القاسمي على هذا السؤال، مشيرا إلى بيان طرق الوصول إلى الكمال، وتابع قائلا: يعدّ العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله، “القرآن الكريم والصلاة” أفضل الطرق للوصول إلى الكمال والتكامل، لا سيما لمن حرموا صحبة الرسول ومجالسته.
واستطرد قائلا: سرّ الكمال والتكامل من خلال القرآن الكريم يكمن في العمل على السيرة النبوية الكريمة، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن الكريم، وكان أسوة عملية حسنة من القرآن لنا جميعا. يقول الله تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر”.
ثم أشار أستاذ الحديث في جامعة دارالعلوم زاهدان إلى التأثيرات العميقة للصلاة في كمال الفرد، قائلا: الارتباط مع الله تعالى، والتقرب والاقتراب مع الربّ، والوصول إلى منصب الولاية من أهمّ تأثيرات الصلاة. الصلاة توصل الإنسان إلى الإيمان واليقين والعلم والمعرفة والأخلاق والمعنوية والقرب والولاية.
وأكد الأستاذ القاسمي كنتيجة البحث قائلا: إن عقيدة ختم النبوة كما أنها ميزة وعزة للأمة المسلمة، تجعل هذه المسؤولية على كاهل الأمة أن يواصلوا رسالة الأنبياء من غير أن يكونوا أنبياء، ويقوموا بعمل النبوة. فالعمل الذي كان رسالة الأنبياء وخاتم النبيين والصحابة، هو مسؤولية كل فرد من أفراد هذه الأمة. يقول الله تعالى: “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات