اليوم : 22 أكتوبر , 2017

نظرة إلى حياة العلّامة المحدث الشيخ “محمد يوسف حسين بور” رحمه الله

نظرة إلى حياة العلّامة المحدث الشيخ “محمد يوسف حسين بور” رحمه الله

الولادة والأسرة: السيد “محمد يوسف حسين بور”، نجل السيد “محمد كريم” ابن الشهيد الملا “غلام محمد” ابن السيد “محمد أنور”. تشتهر هذه السلالة في منطقة بلوشستان بالسادات الحسينية، وهي سلالة ملتزمة متدينة، اشتغل كبارها دائما بالدعوة والإصلاح. أبرز وجوه هذه السلالة كان الشيخ السيد “عبد الواحد غشتي” المعروف بـ”حضرت صاحب”. السيد عبد الواحد كان ابن الشهيد ملا سيد غلام محمد، لذلك فهو عمّ العلامة محمد يوسف رحمه الله.
ولد الشيخ “محمد يوسف” رحمه الله سنة 1349 من الهجرة النبوية في مدينة “غشت” من توابع سراوان في محافظة سيستان وبلوشستان. ولمّا يبلغ الحلم، فقد رحمه الله والده، ثم توفيت والدته بعد سنتين من وفاة والده، وهكذا ذاق مرارة اليتم وعاناه. كان الشيخ محمد يوسف رحمه الله يقول دائما: “أذكر أن والدتي كانت تدعو لي بالخير، وشعرت تأثير دعائها في حياتي”. إن كان الشيخ محمد يوسف حُرم من نعمة الوالدين إلا أنه كان محظوظا بوجود عمّ رباني مخلص وعالم فقيه، وهو الشيخ “عبد الواحد غشتي” الذي تكفل بتربية ابن أخيه فأحسن تربيته وتعليمه. رحمهما الله.

التعليمات الابتدائية:
درس العلامة “محمد يوسف” رحمه الله المرحلة الابتدائية حتى الصف الرابع، ثم التحق سنة 1358 من الهجرة بالتزامن مع تأسيس مدرسة “عين العلوم” في غشت على يد عمه الجليل الشيخ السيد “عبد الواحد غشتي”، بالمدرسة المذكورة، وتلقى العلوم الابتدائية و كتبا دينية مثل كنز الدقائق والكافية على عمّه.

الدراسات العالية:
سافر الشيخ السيد محمد يوسف رحمه الله بمشورة عمّه الكريم إلى باكستان –التي حصلت على استقلالها جديدا- لمواصلة دراسة العلوم الدينية. درس في البداية نحو سنة في مدرسة “دار الهدى” في تيري؛ ثم لما انتبه أن علماء باكستان أسسوا مدرسة تشبه جامعة ديوبند في مدينة “تندو اللهيار”، باسم جامعة دارالعلوم، ويدرّس فيها بعض كبار العلماء لشبه القارة الهندية، رحل إلى تلك المدرسة، واستفاد من أساتذة ذاك المركز العلمي زهاء ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى مدرسة “قاسم العلوم” في ملتان سنة 1373 من الهجرة، ودرس دورة الحديث النبوي الشريف في تلك المدرسة. كان الشيخ مولانا “موسى خان البازي” رحمه الله من زملائه في الصف، وكان تلامذة دورة الحديث يبلغ عددهم إلى 27 طالبا.
تعلم الشيخ التخصص في الحديث النبوي في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي، كما درس التفسير للقرآن الكريم على المفسر الكبير العلامة “عبد الله الدرخواستي” رحمه الله.

أساتذته المشهورون:
أبرز وأشهر أساتذة العلامة المحدث “محمد يوسف حسين بور” كما يلي:
1-الشيخ السيد عبد الواحد غشتي.
2- الشيخ عبد الله الدرخواستي.
3- محدث العصر العلامة السيد محمد يوسف حسيني البنوري.
4- شيخ الحديث عبد الخالق الملتاني.
5- الشيخ المفتي محمود.
6- الشيخ بدر عالم ميرتهي.
7 – الشيخ عبد الرشيد النعماني.
8- الشيخ إشفاق الرحمن الكاندهلوي.
9- الشيخ عبد الحق نافع.
10 – الشيخ عبد العزيز الكامل بوري.

النشاطات الدينية والاجتماعية:
كتب السيد “عبد الواحد غشتي” قبل هجرته إلى قرية حق آباد، رسالة إلى الشيخ محمد يوسف يأمره فيها بالعودة بعد التخرج فورا. امتثل الشيخ محمد يوسف لهذا الأمر، واستأذن العلامة البنوري للعودة إلى الوطن، لكن العلامة البنوري خالف في البداية عودته إلى البلاد، ووافق عليه بعد ما اطلع على رسالة الشيخ عبد الواحد رحمه الله.
بعد العودة إلى إيران، سلّم الشيخ السيّد عبد الواحد رئاسة معهد عين العلوم في غشت، إليه.
بدأ الشيخ محمد يوسف رئاسته على معهد عين العلوم في غشت منذ البداية بجد ونشاط، وبالاستفادة من تعاليم الشيخ عبد الواحد والعلامة البنوري رحمهما الله، وقد استمرت رئاسته على هذه المدرسة نحو 64 سنة، وقد تقدم بها علميا ومعنويا بحيث كانت في ذاك الوقت المدرسة الوحيدة الناشطة في منطقة بلوشستان، وأصبحت مركزا علميا يقدّم كل سنة مجموعة من العلماء والخريجين إلى أهل السنة والجماعة.
الشيخ محمد يوسف كان أول من ابتكر جلسات تخريج الطلبة في المدارس الدينية لأهل السنة في بلوشستان؛ حيث عقدت لأول مرة جلسة تخريج طلبة عين العلوم غشت سنة 1390 بحضور علماء بارزين من سيستان وبلوشستان، كالشيخ السيد عبد الواحد الغشتي، والعلامة عبد العزيز ملازاده، والشيخ محمد شهداد السراواني، والشيخ عبد العزيز الساداتي، والشيخ قمر الدين ملازهي، والشيخ محمد عمر السربازي، والشيخ محمد إبراهيم الدامني، والشيخ نظر محمد ديدكاه، وهذه الجلسة كانت في نوعها فريدة ورائعة.
من الابتكارات الأخرى للشيخ محمد يوسف رحمه الله التي ينبغي أن نشير إليها، هي تأسيس منظمة اتحاد المدارس الدينية لأهل السنة في محافظة سيستان وبلوشستان، ولقد ظل الأمين العام لهذا الاتحاد حتى آخر عمره، وقدّم خدمات جليلة إلى المدارس الدينية لأهل السنة والطبقة العلمية في البلاد.
كان الشيخ محمد يوسف رحمه الله من مستشاري الشيخ العلامة عبد العزيز رحمه الله في الشؤون المذهبية والاجتماعية والسياسية، وكان رافق الشيخ رحمه الله زمن تدوين الدستور الإيراني في مجلس خبراء القيادة. أما نشاطاته في الأمور الاجتماعية كثيرة، ومن أبرزها لقاءاته الشعبية، وحل الاختلافات القبائلية والمذهبية.
لا شك أنه رحمه الله كان مصلحا كبيرا في بلوشستان، وكانت لنشاطاته الإصلاحية والاجتماعية دورا مؤثرا في تثبيت الأمن في منطقة بلوشستان.

الخصائص الأخلاقية للشيخ رحمه الله:
كان الشيخ يعيش حياة بعيدة عن التكلفات المعاصرة. كانت البساطة في العيش والتواضع من أبرز صفاته، حيث اشتهر بهاتين الصفتين.
من التقى به لأول مرة لم يكن يعرفه بسبب ارتداء الملابس الخالية عن التكلف. كان لا يستعين بأحد في القيام بأعماله، بل يقوم بنفسه لإكرام ضيفه، كما كان يقوم بنفسه بأعمال الزراعة، ويذهب لجمع التبرعات لمدرسة عين العلوم غشت إلى مناطق مختلفة. رغم أنه كان مدير المدرسة، إلا أنه لم يخصص لنفسه شيئا. لم يكن يعجبه أن يذهب أحد لاستقباله، ويخالف المنكرات والمحرمات والمحظورات بشدة، وكان صوته عاليا ضدها. يختار السكوت ما لم يتحدث معه أحد، ويحترم العلماء وإن كانوا تلامذته. كان ملتزما بصلاة الليل والركعتين بعد الوضوء، ويقضي أكثر أوقاته في تلاوة القرآن والمطالعة.

أسلوب التدريس:
رغم أنّ وقت التدريس لديه كان يتجاوز ساعتين، إلا أنه لم يكن يتكيء على وسادة. كان دقيقا في تفهيم المطالب، منفردا فذّا في أسلوب التدريس. كان يشرح المتون القديمة بأحسن الأساليب وأدقها، وكان يبيّن الوقائع التاريخية بشكل يتصور المخاطب أنه كان موجودا أثناء وقوع الحادثة، وكانت حلقات درسه ممتعة بحيث لو جلس أحد ساعات فيها لما شعر بالتعب والملل.

مكانته العلمية:
تتبين مكانته العلمية من الوصف الذي أطلق عليه علماء بلوشستان البارزون، حيث وصفوه بـ”أستاذ العلماء”. كان قد أتم تفسير القرآن الكريم بعد صلاة الفجر مرارا، واشتغل بتدريس صحيح البخاري وسائر كتب الحديث والفقه والتفسير أكثر من نصف قرن، ويعدّ أكثر علماء بلوشستان بالواسطة أو بغير الواسطة من تلامذته، كما أن لآرائه العلمية مكانة خاصة لدى الفقهاء والعلماء، وفتاواه كانت مقبولة لدى الجميع.
نظرا إلى مكانته العلمية المرموقة، أقامت جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي، من أكبر المدارس الدينية في باكستان، جلسة تكريم له سنة ١٤٣٠ من الهجرة. كان العلامة عبد العزيز رحمه الله يحبه ويعظمه لعلمه، وأرسل ولده الشيخ عبد الملك رحمه الله إليه للتعلم والدراسة.

المؤلفات والآثار:
ترجم رحمه الله عددا كبيرا من الكتب إلى الفارسية، أبرزها ما يلي:
١- تفسير معارف القرآن، تأليف المفتي محمد شفيع العثماني رحمه الله.
٢-حجة الله البالغة، من مآثر العلامة الشاه ولي الله الدهلوي.
٣-سيرة الخلفاء الراشدين، تأليف العلامة عبد الشكور اللكهنوي.
٤-علوم القرآن، للشيخ شمس الحق الأفغاني (أكمل الترجمة الناقصة للشيخ محمد شهداد السراواني).
٥- المخدرات في الفقه الإسلامي، تأليف الدكتور عبد الله بن محمد أحمد الطيار.
٦- أنوار الباري شرح صحيح البخاري، للعلامة المحدث أنور شاه الكشميري.

الوفاة:
توفي رحمه الله مساء الإثنين ١٨ محرم ١٤٣٩ عن عمر ناهز 87 عاما، بعد إجراء عملية جراحية للقلب في إحدى مستشفيات مدينة كراتشي الباكستانية التي سافر إليها لتقلي العلاج.
رحل العلامة المحدث إلى الدار الآخرة، تاركا ورائه مجموعة من المشاريع الدينية والعلمية والآثار العلمية القيمة.
شيعت جنازته بحضور عشرات الآلاف من أهل السنة من مختلف المناطق في إيران، في مدينة “غشت” التابعة لإقليم “سيستان وبلوشستان”، تمام الساعة التاسعة من صباح يوم الأربعاء، 20 محرم 1439.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات