اليوم : 1 أغسطس , 2017

رحيل الشيخ العارف الزاهد مولانا الشيخ محمد أنور ملازهي

رحيل الشيخ العارف الزاهد مولانا الشيخ محمد أنور ملازهي

كنت أثناء رحلة في محافظة كلستان “صحراء تركمان” وفوجئت بهذا الخبر المؤلم أن الشيخ محمد أنور انقلبت سيارته أثناء عودته من رحلة دعوية في الطريق بين مدينة خاش وجشت فحمل إلى مستشفى “خاتم الأنبياء” بزاهدان وهو مغمى عليه. فتضرعنا إلى الله تعالى أن يعافيه ويشفيه ثم فوجئنا بأن الشيخ محمد أنور لبى نداء ربه وانتقل إلى رحمته يوم الإثنين 21 من شوال 1438 هـ فإنا لله وإنا إليه رجعون اللهم اغفر له وارحمه وعافه وأكرم نزله ووسّع مدخله وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله.
كان الشيخ محمد أنور رحمه الله نسيج وحده في التقوى والورع والتواضع والاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهار بكلمة الحق.

الولادة والدراسة
ولد الشيخ محمد أنور في قرية ” كله كان” (من أعمال مدينة سراوان الإيرانية) ودرس المرحلة الابتدائية في منطقته ثم رحل لتحصيل العلم إلى باكستان وأقام بمدينة بنجكور واستفاد من أهل العلم ثم سافر إلى كراتشي والتحق بمدرسة “أحرار الإسلام” واستفاد من أساتذتها ثم ذهب إلى الجامعة الشهيرة بدار العلوم الإسلامية ” تندوالله يار” بإقليم السند، فأقام هناك وانتهل من ذلك المنهل العذب. كانت دار العلوم الإسلامية آنذاك أكبر جامعة في باكستان حيث يدرس فيها سماحة الشيخ المحدث العلامة ظفر أحمد العثماني، صاحب “إعلاء السنن” في علم الحديث، والداعية الكبير فضيلة الشيخ جمشيد علي والشيخ إشفاق الرحمن الكاندهلوي وغيرهم، ثم غادر إلى جامعة “قاسم العلوم ملتان” حيث استفاد من كبار العلماء في ذلك العهد أمثال الشيخ العبقري مولانا الشيخ موسى خان البازي صاحب المؤلفات الشهيرة في الآفاق، ثم قصد دار العلوم كراتشي حيث كانت محطّ الرجال العظماء فدرس التفسير والحديث والفقه والآداب لدى الشيخ المفتي الأكبر، المفتي محمد شفيع، صاحب تفسير “معارف القرآن” والعلامة الكبير المفتي رشيد أحمد اللدهيانوي والشيخ المحدث العلامة سليم الله خان، وتخرج في دار العلوم كراتشي عام 1382 من الهجرة فلم يكتف بما حصل بل ساقه ظمأه العلمي إلى حلقة تفسير العلامة الشيخ غلام الله خان والعارف الكبير مولانا الشيخ عبد الله الدرخواستي ثم اتصل بالشيخ المفتي رشيد أحمد اللدهيانوي للتزكية والإصلاح فنال الإجازة في السلوك والإرشاد وعُدّ من خلفائه.

إلى إيران
عاد الشيخ محمد أنور إلى بلاده وبدأ بالإفادة والإرشاد في مسقط رأسه فدعاه العلامة الشيخ محمد يوسف حسين بور إلى التدريس والإفادة في “جامعة عين العوم جشت” بــسراوان فلازم خدمة العلوم الإسلامية وتربية الطلاب إلى آخر حياته المباركة.

صلتي بالشيخ
تعرفت على الشيخ محمد أنور أيام دراستي في المرحلة الثانوية الحكومية في مدينة تشابهار وحيث كنت في السنة الثالثة عشر من عمري وكان الشيخ من شباب العلماء فكان يلقي مواعظ مؤثرة في مساجد “تشابهار” فكنت أشتاق إلى استماع مواعظه الحكيمة وكان مع الشيخ محمد دهقان وكلاهما كانا يرغّبان أبناء المسلمين لدراسة العلوم الدينية ويبيّنان فضائل العلم وأهمية المعاهد الدينية وكان لمواعظهما تأثير في النفوس ودور في الإصلاح. ثم شاء الله أن أذهب إلى باكستان وأرجع بعد مدة إلى زاهدان فتجددت الصلة مع الشيخ محمد أنور رحمه الله فازداد حبا في قلبي وأحبني كثيرا وكان يبدي ذلك كلما أزوره وأحيانا يأتيني في منزلي فأتجاذب معه أطراف الأحاديث حول إصلاح المجتمع وإزالة المنكرات السائدة فكان يحترق قلبه لما يرى من ذيوع الفساد الخلقي وضعف الوازع الديني وقلة الحياء، والسفور، وعدم الاهتمام بالأحكام الشرعية في الحياة.
عقدت جامعة الرشيد بكراتشي ذات مرة مؤتمرا دعت خلفاء الشيخ المفتي رشيدأحمد وتلاميذه للمشاركة فيه، فذهب تلاميذ الشيخ إلى باكستان وكان الشيخ محمد أنور منهم، فاستقبله رئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي عبد الرحيم، وأكرمه وطلب منه أن يلقي كلمة على أساتذة الجامعة وطلابها فألقى الشيخ محمد أنور كلمة مفيدة في جامعة الرشيد فأفاد وأجاد، جزاه الله تعالى خيرا.
وكان الشيخ محمد أنور بجانب تدريسه وإفادته، يتجول في المناطق والقرى والأرياف، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وينصح للمسلمين وكان هذا دأبه إلى آخر حياته مع أنه كان يعاني من الأمراض والأوجاع والطعن في السن وعدم توفير الإمكانيات.
وكان آخر لقائي معه في مدينة سراوان في اجتماع العلماء بمعهد “رحمة للعالمين” ولا أنسى أنه اجتمع لديه لفيف من شباب العلماء فتكلم الشيخ حول المنكرات الشائعة سيما السفور، والخلاعة، وقلة الحياء، فأوصى الجميع بأن لا يقصروا في نصح المسلمين وإصلاح المجتمع وتطهيره من الآثام والمنكرات، ولا يخافوا لومة لائم في هذا المضمار، ويفضلوا مرضاة الله على مرضاة الناس، وذكّرنا بصنيع الربانيين من العلماء وأنشد أشعارا فحرّض الجميع، وهز المشاعر والعواطف، فجزاه الله خيرا. وشاء الله سبحانه أن يكون توديعه للحياة في سبيل الله، فعاش سعيدا ومات شهيدا رحمه الله.
لقد حدث بوفاته فراغ رهيب في أوساط العلم والتقوى، والزهد والدعوة إلى الله، سيّما في جامعة عين العلوم بكشت. وحزن الناس وأهل العلم والطلاب جميعا على فراقه، فاجتمع خلق كثيرون من ذوي العلم وعامة الناس لتوديعه الأخير وصلى عليه فضيلة الشيخ عبد الحميد وأثنى عليه وأشاد بدوره وخدماته وعزّى أهله والشيخ محمد يوسف وأساتذة عين العلوم وطلابها واعتبر رحيل الشيخ محمد أنور خسارة فادحة في أوساط العلم والدعوة، ودعا الله سبحانه وتعالى، أن يسد الفراغ الحادث برحيله، بفضله ورحمته.
إننا إذ نعزي أساتذة عين العلوم سيما شيخنا المكرم العلامة الكبير سماحة الشيخ محمد يوسف وأسرة الراحل، نتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد برحمته ويسكنه فسيح جنانه ويحشره مع الأنبياء والصديقين وعباده الصالحين.

اللهم اغفر له وارحمه وعافه وأكرم نزله ووسّع مدخله وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، اللهم لا تفتنّا بعده ولا تحرمنا أجره.

المصدر: مجلة الصحوة الإسلامية – العدد الـ104

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات