اليوم : 18 أغسطس , 2016

حتّى يردّوكم عن دينكم…

حتّى يردّوكم عن دينكم…

يواجه المسلمون اليوم في ميادين الحروب النفسية ثلاث إساءات لثلاث مقدّسات لديهم. هذه الإساءات الثلاث غايتُها واحدة، وهي ما صرّح بها القرآن الكريم: “لا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم”. الإساءة الأولى، الإساءة إلى الذّات الإلهية، والثانية الإساءة إلى الرسول الكريم، والثالثة الإساءة إلى الصحابة رضي الله عنهم، ولا شكّ أنّ من أهان إلى صحابي أو إلى صحابيين وأساء إليهما، هانتْ له الإساءة إلى غيره من الصحابة أيّا كان. وهذا من الكلام الباطل أن يدّعي شخص فيقول: إني أُسيء إلى الصحابي الفلاني فقط، وأحترم غيرهم، فجماعة الصحابة في الاحترام والتقديس بعد الأنبياء كجماعة الأنبياء، فمن لم يؤمن بنبيّ لا يُعتبر إيمانه بسائر الأنبياء، ومن لم يحترم صحابيا واحدا، لن يحترم غيره وإن ادّعى ذلك.
إنّ الإساءات الثلاث المذكورة ليست ظاهرة جديدة، فالإساءة للذّات الإلهية التي نسمع بها أحيانا في بعض البلاد، فكرةٌ يهودية قديمة، وكانت موجودة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال اليهود آنذاك مستهزئين بالله وآياته: “إنّ الله فقير ونحن أغنياء”، وقالوا: “يد الله مغلولة”.
وهكذا فكرة الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم تعود إلى عصر الرسالة، وفي ذلك الوقت دافع الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانته بكلّ الوجود، وسطّروا ملاحم وبطولات في سبيل ذلك.
و الإساءة إلى الصحابة والاستهزاء بهم وإيذائهم بالطعن فيهم أيضا قديمة قام بها لأول مرّة مشركو قريش، ثمّ عمل عليها يهودُ المدينة ومنافقوها، لذلك نجد مجموعة كبيرة من الآيات في القرآن، ومن الأحاديث في مصادر السنة، وردت في مناقب الصحابة رضي الله عنهم.
حينما ندرس سيرة سيدنا علي رضي الله عنه وسيرة ذرّيته الكرام، لا نجد عن علي أو أحد من ذرّيته روايةً واحدة فيها إساءة لمعاوية رضي الله عنه وأهل الشام، ولا نجد أيضا ما فيها إساءة لأمّ المؤمنين عائشة الصديقة ومَن معها في معركة الجمل من طلحة والزبير وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، رغم الاختلافات بينهم، بل نجد أنّ أحد أسباب ظهور الخوارج هو موقف علي رضي الله عنه ممن قاتلوه في واقعة الجمل وصفين، واجتنابه من استحلال أعراض وأموال الخصوم المسلمين، فالخوارج خرجوا على علي بعد معركة صفين، وکان من ضمن حججهم للخروج أنّ عليا رضي الله عنه لم يستحلّ أعراض أهل الجمل وصفين وأموالهم، ولم يتبع جرحاهم كما يُستحل ذلك من الكفار في الحروب.
وأرسل علي رضي الله عنه ابن عباس سفيرا لمناظرة الخوارج ليثنيهم عن هذه الفكرة ويرجعهم إلى جماعة المسملين، وابن عباس روى حادثة مناظرته مع الخوارج، وتفصيل هذه المناظرة موجودة في كتب السير والتاريخ، في تلك المناظرة قال ابن عباس لهم: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله (عائشة وطلحة والزبير ومعاوية و… رضي الله عنهم) وابن عمّه (علي بن أبي طالب)، فقالوا: ثلاث، فذكروها له، وذكروا في الثانية قائلين: فإنه قاتل ولم يَسب ولم يغنم، فإن كانوا كفارًا لقد حلّ سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلّ سبيهم ولا قتلهم، ثم ذكر ابن عباس جوابه، وأمّا قولكم: قاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، أفتسبون أمّكم عائشة، تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمّكم؟، فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحلّ من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمّنا فقد كفرتم “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ” [الأحزاب:6] ، فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج؟
هكذا الذي يستحلّ عرض صحابيّ من الصحابة رضي الله عنهم بلعن، فهو في صفّ الخوارج فكرا واعتقادا، وهو بين ضلالتين كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، بل ينغمس في الضلالات والظلمات.
الإساءات الثلاث القديمة، بما فيها الإساءة إلى الصحابة، تبدّلت في عصرنا في ظلّ وسائل الارتباطات والتواصلات الجديدة إلى أسلحة مهدّمة، وتبدّلت إلى أسلحة تهدف إلى إزالةَ التقدّس الموجود في قلوب المسلمين لدينهم الذي أنزله الله تعالى، وبيّنه الرسول، وحمله ونقله إلينا الصحابة رضي الله عنهم. تلك الإساءات تبدّلت اليوم إلى أسلحة تهدف إلى إحلال الإلحاد العلماني أو الضلال الليبرالي محلّ الإسلام في قلوب المسلمين؛ ليكون المسلمون أيضا من الخاسرين أمثالهم، وليُصبحوا إمّا عُبّاد الأهواء وشهوات النفس، وإمّا عبيد إنتاجات ومصنوعات عقولهم، وإمّا أسرى الخرافات والأساطير الباطلة التي تمتلأ بها كتبُ النحل والفِرق الباطلة في العالم.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات