اليوم : 4 فبراير , 2016

الاستبداد البرلماني

الاستبداد البرلماني

نوع جديد من الاستبداد تولّد من الاستبداد الطاغوتي القديم، لكن بفارق أن الاستبداد القديم كان مكشوف الوجه، سهل الوصول، قليل العدد والأعوان؛ ثلة ورثوا الحكم أباً عن جدٍ يَرَوْن البلاد والديار ضيعة أبيهم، يأكلون عن غنىً ويدّخرون بمقدارٍ، لا يستعجلون النهب والاختلاس ولا يتهالكون على المناصب والإنتاجات تهالك الفراش على النور، بل لهم أمدٌ وموعد طويل ترتزق من المائدة التي تربعوا عليها جموعٌ أخرى غير قليل، ويصل من كأسهم شيء إلى الشعب المسكين، كما أن وفائهم الشديد وحبهم الخالص إلى أرضهم وديارهم واطمئنانهم بحكمهم وما ورثوه من الثروة والقدرة، تمنعهم أن يبيعوا ممتلكات بلادهم إلى الأجانب بثمنٍ بخسٍ وأن يدَّخروا الثروات المنهوبة والمسروقة فى بنوك الأجانب ليومٍ يجرّون أذيال الخيبة والهروب.

أما الاستبداد البرلماني الجديد فيتمتع بأبواق وطبول وأجنحة وأذرع، يتكلم باسم الشعب والجمهور، له أحزابٌ وجمعيّات، جرائد وصحف، قنوات وفضائيات، يملأ أسماع الناس بشعاراته الخادعة ووعوده الكاذبة، يستخدم جميع أجهزة الإغواء والخداع، ويختار جميع طرق التخدير والتضليل، فيعد ويخالف، يتحدّث فيكذب، يعمل فيناقق، جُلّ همه الاستيلاء على الحكم والقبض على السلطة.
إذا فاز حزبه ونجح جمعه، وامتلك سياسة البلاد وأمورها، وتربّعت أعوانه على الكراسي، وتغلّبت أنصاره على أغلبية البرلمان، واختار وزرائه وساسة المدن والبلديات، وتحالف مع الجند وسائر القوات، وسيطر على الأمن والمليشيات، وتحكمّ على البرّ والبحر وجميع طرق المواصلات، اذا به يخطّط ويدبّر، ويوصي حزبه المنتشر في طول البلاد وعرضها كيف يهجمون على الشعب المسكين وثروات بلادها، وكيف ينتهزون الفرصة الذهبية لصالح جمعهم وحزبهم، وكيف يسرقون الأموال والممتلكات، وكيف يقومون بعمليات التهريب والاختلاس.
إذا درسوا الظروف ومهّدوا الطرق وسلّطوا أذرعهم السياسية والنظامية والاقتصادية داخل البلاد وخارجها، يهجمون على الشعب المسكين وثروات البلاد مهاجمة الذئاب الضارية والكلاب الجائعة على جيفةٍ هامدة تنهشها نهشاً وتقطعها ارباً ارباً.
ونظراً إلى تحديد حكمهم وتعيين فرصتهم واحتلال سلطتهم بجماعةٍ أخرى بعدهم، تراهم يتسارعون على المائدة المبسوطة لديهم، وربما يتنازعون عليها ويتناطحون.
هذا هو الاستبداد البرلماني، لاسيما في الشرق، وهو أشد بطشاً وخيانة وهمجيةً من أيّ استبدادٍ آخر، خاصةً إذا تلبس ثوب الدين وتقنع قناع الطائفية، فيبيح كل رذيلةٍ و يبرِّر كل مفسدةٍ باسم الدين وشريعة الله، ويحدث في الأرض جورا وفساداً.
بما أن الشرق لم يتعوّد ولم يتجرب الحكم البرلماني، ولم تتكوّن المجتمعات الشرقية والحياة الاجتماعية والتعليمية أساساً على هذا النوع من الحكم، ولم تنشأ المكوّنات البشرية والكتل القومية فيه على درك هذا النوع من الحكم وفهمه، نرى الذين يقفزون على الحكم ويسيطرون على البرلمان، يتخذونه ذريعةً لخدمة جماعتهم وحزبهم، ولا يألون أيّ جهدٍ في الحصول على أهدافهم المادية ومصالحهم الحزبية، ويمارسون أنواع الطرق والتضليلات لتسليط مٓن هو على دربهم منهجاً وفكراًعلى البرلمان المزعوم، لكن باسمٍ آخر وعنوان جديد، حتى تعود الفرصة ويأتي الإقبال مرةً أخرى لنهبٍ أكثر وخيانةٍ أشد.
هكذا يتكرر البرلمان ويأتي مهاجمون آخرون بأسماء جديدة، والشعب المسكين هي الضحية الحقيقية.

الكاتب: الشيخ عبدالحكيم العثماني (الأستاذ بجامعة دار العلوم زاهدان)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات