اليوم : 18 نوفمبر , 2015

نماذج من فساد أخلاق اليهود (تفسير آية 43 إلى 46 من سورة البقرة)

نماذج من فساد أخلاق اليهود (تفسير آية 43 إلى 46 من سورة البقرة)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46).

التفسير المختصر
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} يعني أسلموا، {وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أسلم أقارب بعض علماء بني إسرائيل، وعندما كانوا يسألون علمائهم عن أمر رسول الله صلی الله عليه وسلم، كانوا يقولون لهم في الخفاء لا شك أن محمدا هو رسول الله، ولكن نحن لا نسلم لأجل مصلحة ما، وعليكم أن لا تتركوا هذا الدين. بناء على هذا خاطبهم الله تعالى قائلا: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} بالإيمان برسول الله وإطاعته، {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} التوراة التي ذكر في مواضع كثيرة منها ذم علماء السوء، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ. وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} إذا كان الإيمان صعبا لكم بسبب حب المنصب والمال، التزموا في هذه الحالة الصبر والصلاة، فحب المال والجاه سيخرج من القلب. لكن إذا قال شخص: التزام الصلاة والصبر صعب أيضا، فاسمعوا كلام الرب في تتمة الآية: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ويكون حساب للأعمال في ذلك اليوم. وبهذين التصورين تنشأ في النفس رغبة في العبادات وخوف من العاقبة وذانك الشيئان روح كل عمل.

فقه الحياة أو الأحكام
المناسبة:
ذكّر الله سبحانه وتعالی بني إسرائيل بما أنعم عليهم، ودعاهم إلی الإيمان والعمل الصالح. كانت الآيات الثلاث الأولی تشتمل علی ذكر العقائد والإيمانيات، وفي هذه الآيات الأربعة وصّاهم الله تعالى بالعمل الصالح، وذكر أهم الأعمال، وبيّن حبّ المال والجاه، وأوصاهم أن يستعينوا بالصبر والصلاة، لأن بالصبر يقلّ حبّ المال، ولأنّ المال إنّما يرغب فيه لأجل الحصول علی اللّذات وقضاء الشهوات؛ فإذا عزم الإنسان علی تحدید اللذات وكبت الشهوات، لا تبقی ضرورة عندئذ إلی كثرة الأموال ولا يغلب حبّ المال علی الإنسان بحيث لا يفرّق بين الحلال والحرام.
أمّا الصلاة فهي تقلل حبّ الجاه، لأنّها تدعو إلی التواضع والانكسار؛ فإذا تعوّد الإنسان أداء الصلاة بالخشوع والخضوع مراعيا أركانها وآدابها، يقلّ فيه حبّ الجاه والمنصب، ويزول عنه الكبرياء والأنانية؛ ولا شكّ أن مادة الفساد التي تمنع المرء من الإيمان والإسلام، هي حبّ المال والجاه. فإذا اقتلعت هذه المادّة فسوف يسهل علی المرء الإيمان والاستسلام.
ثمّ اعلم أنّ الصبر هو ترك الملذّات غير اللازمة، والصلاة مجموعة من الأعمال التي يؤديها الإنسان تاركا في تلك الحالة كثيرا من الأفعال التي كانت مباحة قبل ذلك مثل الطعام والشراب والكلام والمشي.
ثم لابدّ من مواظبة أوقات الصلاة، خمس مرّات في اليوم والليلة؛ فهي مجموعة أفعال لابد من الصبر والمصابرة في أدائها في أوقات معينة. أثبتت التجربة أن الإنسان كلما داوم على ترك الملذات غير الضرورية أياما، زال حبها بعد مدة ولا تبقى أية صعوبة في تركها. لكن الاهتمام بالصلاة في أوقاتها مع مراعاة جميع شروطها والاجتناب من اللذات غير الضرورية في تلك الحالة، شاقّ على طبيعة الإنسان؛ فاستعمال هذه الوصفة نفسها أمرٌ صعب جدا، فما العلاج إذن؟
فقال تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنّون أنهم ملاقوا ربهم}، أي يتیقنون أنهم سيلاقون مولاهم، فعند ذلك يسهل علی المرء كل صعب بإذن الله تعالی.
ولو تدبرنا في كون الصلاة كبيرة علی النفس، لعلمنا أنّ القلب الإنساني متعوّد بالحرية في الجولان، وسائر الأعضاء تابعة له. فكانّ القلب يتمنی حرية الأعضاء وجولانها، والصلاة كلها تنافي الحرية والجولان.
فلا يجوز الضحك والكلام والأكل والشرب وغيره من الأفعال المباحة أثناء الصلاة، فالقلب يتضايق من هذه القيود، كما تتضايق سائر الأعضاء تبعا له.
خلاصة الكلام، أن الصلاة كبيرة وشاقة علی النفوس، والعلاج الناجع لهذه المشكلة هو الخشوع والسكون، لأن الخشوع يسبب السهولة والتيسير. فلا تسهل الصلاة الحقيقية إلا لمن خشع قلبه، وخشعت جوارحه إتباعاً للقلب.
ولقائل يسأل: كيف نحصل على الخشوع؟ ههنا تفيدنا التجربة؛ وذلك لأنّ المرء مهما اجتهد أن يدفع فكرة الوساوس من قلبه، لا يقدر علی ذلك. وعلاج ذلك أن يشغل النفس بشيء واحد ويركز فكره عليه. فإذا فعل ذلك لا تاتيه فكرة أخری؛ لأن القلب لا يلتفت إلی شيئين في وقت واحدٍ، فإذا اندفعت الأفكار الأخری ولم يتحرك القلب إليها فیحصل عند ذلك خشوع وطمأنية. وإذا واظب الإنسان علی ذلك يقلّ فيه حبّ الجاه ويزول الاستكبار ويغلب عليه الانكسار؛ فيزداد إيمانا ويقينا، ويتقرب إلی الله بالعبادة والطاعة. فما أحسن هذه الوصفة للحصول على الخشوع والفلاح. وإلی هذه الحقيقة يشير القرآن {وإنها لكبيرة إلا علی الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}، فالخاشعون يعلمون جيدا أنهم سوف يتشرفون بلقاء الله ويجدون عنده أجرا عظيما وثوابا خالدا وجائزة تقرّ أعينهم بها، كما أنهم يعرفون جيداً {أنهم إليه راجعون}، وهناك يجابهون حساب ما عملوه من حسنات وسيئات. فهم يعيشون رغباً ورهباً يرجون ثواب الله ويخافون عقابه. ولا ريب أن اشتغال الفكر بالخير يثبت القلب علی التقوی. وإذا اجتمع الخوف والرجاء في قلب أحدٍ، فسوف يستعد للخير والهدی، ويهتدي إلی النور والتقوی.

{أقيموا الصلوة}
الصلاة هي الدعاء لغة، وفي الاصطلاح العبادة المخصوصة التي هي مجموعة أعمال وحركات.
ومن الجدير بالتدبر، أنّ القرآن الكريم كلما ذكر الصلاة، عبر عنها بإقامة الصلاة، أما الصلاة وحدها فلم تذكر إلا مرة أو مرتين؛ فالمهم هو إقامة الصلاة، فلابد من معرفة حقيقتها وفهمها. معنی الإقامة هوالتسديد أو التثبيت، فالشجرة القائمة والجدار الثابت مثلا لا يسقطان، فكذلك الصلاة القائمة الدائمة السديدة لا تتعرض للزوال والهدم، ومعنى إقامة الصلاة في مصطلح القرآن الكريم المحافظة علی أوقاتها وأدائها بآدابها وشروطها، وبديهي أنّ ما ورد من فضائل وآثار وبركات في الكتاب والسنة، يتعلق بإقامة الصلاة، كما قال الله تعالی في التنزيل: {إن الصلوة تنهی عن الفحشاء والمنكر}.
بديهي أنّ الصلاة إذا كانت متصفة بالإقامة التي ذكرناها، عند ذلك تؤثر في الحياة وتنهی عن رذائل الأعمال وسوء الأخلاق وارتكاب الفحشاء والمعصية، فلا يقال إننا نری كثيرا من الناس يصلون فلا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، لأنهم لم يقيموا الصلاة حق إقامتها بعد.

{آتوا الزكوة}
وللزكاة معنيان، الطهارة والنمو والزيادة، وفي اصطلاح الشرع يطلق الزكاة علی المقدار الذي يخرج من الأموال بأمر الشارع وينفق فيما أمر به الله تعالى. الخطاب في الآية موجّه لبني اسرائيل الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم. فهل كانت الصلاة والزكاة فرضتا علی بني إسرائيل قبل الاسلام؟ يعلم من سورة المائدة، أن الصلاة والزكاة كانتا فرضتا عليهم وقد أخذ الله منهم الميثاق حيث قال: “ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكاة”.

{واركعوا مع الراكعين}
الركوع هو الانحناء، وقد يطلق علی السجدة أيضاً، لأن السجدة نهاية الانحناء؛ وفي الاصطلاح یقال الركوع للانحناء المعروف الذي يكون بعد القيام في الصلاة.
ومن الجدير بالتدبر، أنّ الله سبحانه وتعالى خصص الركوع بالذكر من بين سائر الأركان، والمراد به الصلاة، وهذا من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما قال في مقام آخر: “قرآن الفجر” وأراد به صلاة الفجر، لا القرآن وحده. وقد ورد في الروايات إطلاق السجدة وإرادة الصلاة بها. فمعنى قوله {واركعوا مع الراكعين}، أي صلّوا مع المصلين. ولقائل يقول: إن للصلاة أركانا كثيرة، فلماذا خصّ الركوع بالذكر؟ الجواب: إنّ الركوع لم يفرض علی اليهود في صلواتهم، بل هو من خصائص الصلاة في الإسلام؛ فالمراد بالراكعين في الآية هم المصلون من الأمة المحمدية، فكأنهم أمروا أن يؤمنوا بالله ورسوله ويصلوا مع المسلمين جماعة.

حكم الصلاة بالجماعة:
علمت فرضية الصلوة من قوله {أقيموا الصلوة}، ولكن ما هو حكم الصلاة بالجماعة الذي دل عليها قوله {واركعوا مع الراكعين}؟
اختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهبت جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء أن أداء الصلاة بالجماعة واجب يأثم تاركها إثما شديدا. وذهب طائفة من الصحابة، أنّ صلاة المنفرد من غير عذر شرعي لا تجزئ، واحتجوا بهذه الآية وظاهرها. وهناك روايات تدلّ على هذا الإتجاه، منها قول النبي – صلی الله عليه وسلم – “لا صلوة لجار المسجد إلاّ في المسجد “. (رواه ابوداود)
لا شكّ أن المراد بالصلاة في المسجد هي الصلوة بالجماعة. أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، – رضي الله عنه- قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب». وعن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر”. (صححه القرطبي)
نظرا إلی الأحاديث المذكورة، أفتی عبدالله بن مسعود وأبو موسی الأشعري وغيرهما من الصحابة، بعدم جواز الصلاة من غير عذر، لمن سمع صوت الأذان (والمراد بالسماع أن يسمع صوت الأذان، بدون مكبر الصوت). قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين: إن صلاة الجماعة سنة مؤكدة، أقرب إلی الوجوب؛ وهؤلاء أوّلوا الأحاديث التي تدلّ علی بطلان الصلاة إلا بالجماعة، أنها تؤدی ناقصة. وقد أخرج الإمام مسلم بن حجاج النيسابوري في صحيحه، عن فقيه الصحابة عبدالله بن مسعود- رضی الله تعالی عنه ـ أنّه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف».
ولا يخفی ما في هذا الكلام من أهمية الصلاة بالجماعة، والتوصية بها والتأكيد عليها، حيث قال: إنها من سنن الهدى، ويعبر الفقهاء عنها بالسنن المؤكدة، فإذا صلی أحدٌ منفرداً من غير عذر شرعي ولم يشترك في الجماعة، فهذا وإن كانت صلاته صحيحة، لكنه يستحق العقاب لترك السنة الموكدة؛ وإذا اتخذ ترك الجماعة عادة له يكون آثماً شديداً، ويشتد الإثم إذا ترك الناس كلهم الجماعة وصلّوا في بيوتهم، فكلهم يستحقون العقاب. قال القاضي عياض: “وإن أصروا علی ذلك يقاتلوا”. ( قرطبي 298 ج 1)

ذمّ من يأمر الناس بالخير وينسى نفسه:
{أتامرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم}
كان علماء اليهود يوصون أقربائهم وأصدقائهم باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقبول الإسلام، وكان هذا دليلاً علی أنهم يعلمون أن الإسلام حق، لكنهم لم يكونوا يرضونه لأنفسهم؛ لأنهم كانوا غارقين في شهواتم، ويرون أن الإسلام لا يتفق مع أهوائهم، فالآية وإن نزلت في شأن علماء اليهود، لكن معناها عامّ يشمل كل من يأمر الناس بالخير وينسی نفسه ويوصي غيره بالخشية ولا يخشی الله. لقد جاء الوعيد على ذلك في الأحاديث، منها: ما أخرج الإمام أحمد بن حنبل، في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: “مررت ليلة أسري بي علی قوم تقرض شفاهم بمقاريض من نار قلت من هولاء؟ قالوا خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون”.
روى ابن عساكر عن الوليد بن عقبة عن النبي صلی الله عليه وسلم، أنه قال: إن أناساً من أهل الجنة يطلعون علی أناس من أهل النار فيقولون بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم. فيقولون “إنا كنا نقول ولا نفعل”. (ابن كثير / 83)

موعظه الفاسق للناس:
قال العلامة الآلوسي رحمه الله في تفسيره: لا حجة فيها لمن زعم أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهی عن المنكر، لأن التوبيخ علی جمع الأمرین بالنظر للثاني فقط، لا منع الفاسق عن الوعظ، فان النهي عن المنكر لازم، ولو لمرتكبه، فإنّ ترك النهي ذنب وارتكابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر. وقال الحسن: “يودّ الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.” (تفسير القرطبي 1/367)
روی مالك رحمه الله عن سعيد بن جبير يقول: “لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر”. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء!.(القرطبي)
كان سيدي حكيم الأمة، الإمام أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالی يقول: “عندما أشعر بوجود عادة سيئة في نفسي، أتكلم بشأنها وأذمّها وأنهی الناس عنها، لعلّي أوفّق لتركها ببركة النهي عن المنكر”.
إذن ليس مقصود الآية أنّ مرتكب المعصية ليس له أن ينهی الناس عنها، بل المقصود أنه يجب للواعظ أن يكون متعظاً وعاملاً بما يقول، والفرق واضح، ولقائل يقول: إن التساهل بالأعمال وعدم الاتّعاط لا يجوز للجميع، فلماذا خصص الواعظ بالذكر ههنا؟ الجواب: أن عدم الجواز للواعظ وغيره سواءٌ، ولكن ذنب الواعظ الذي لا يعمل بنصيحته أكبر من غيره، لأنّ الواعظ يعلم ولا يعمل، أما الذي لا علم له وإن كان عاصياً بسبب عدم اهتمامه بالعلم، لكن ذنبه أخفّ من ذنب الذي علم ثمّ أعرض. إضافة إلى هذا، فالذي ينهی غيره عن المعصية ويرتكبها بنفسه، یعدّ عمله نوعاً من الاستهزاء بالحق، ومن ثمّ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء”. (رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه-).

مرضان نفسيان وعلاجهما:
إنّ حبّ المال وحبّ الجاه مرضان من أشدّ أمراض النفوس، يسببان فساد الحياة الدنيا والآخرة. لو تدبرنا في عوامل الحروب الطاحنة والمنازعات المبيدة، لوجدناها تعود إلی هذين الدائين. وإليكم ما ينتجه حبّ المال في النفوس والمجتمع من أثرات سيئة:
1 – يسبب حبّ المال، الشحّ والبخل، فيحرم المجتمع من خير‌ المال. ولا ريب أن الشحيح البخيل لا يتمتع بالاحترام والمحبة في المجتمع.
2 – من غلب عليه حبّ المال يرتكب للحصول عليه أعمالا شنيعة، مثل الغش، والتطفيف في الكيل، والارتشاء، والمكر والخديعة، وإخلاف الوعد، ونقض العهد، ويتوسل بكل حيلة تُكثر ماله، وقد يمتصّ دماء الآخرين ليملأ جيبه أو بطنه، وقد يودّي عمله إلى الحروب والمنازعات بين العمال وأصحاب الأموال.
3 – الذي غلب عليه حبّ المال، لا يقف عند حدّ ولا يشبع، بل يسعی ليلاً ونهاراً كيف يحصل علی المزيد، ويتفكر حتی وقت النزهة والراحة كيف يصل إلی درهم جديد؟ فالمال الذي كان ينبغي أن يسبب الراحه والهدوء، صار وبالاً على صاحبه وعذاباً له.
4 – الذي غلب عليه حبّ المال، لا يتبع الحق ولو كان بيّنا واضحاً إذا وجده مزاحماً لأغراضه السئية، وهذه هي الظاهرة التي تقضي علی هدوء المجتمع وتسبب الفساد فيه.

التأثيرات السلبية لحبّ الجاه:
لا ريب أن حبّ الجاه له تأثيرات سلبية؛ مثل التأثيرات التي كانت لحبّ المال، فما نراه من غطرسة على العباد واستئثار بالأموال وإضاعة للحقوق وتنافس في الوصول إلى المناصب وحروب ومنازعات جعلت الدنيا كالجحيم، كلها يعود إلی حب المال وحب المنصب.
وقد بيّن القرآن الكريم علاج هذين المرضين، ووصف لهما الدواء الناجع، حيث قال عزّ من قائل: “واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين”. ومعنی الآية “اصبروا علی ترك اللذات والشهوات حتی يتقلل فيكم حب المال”، لأن الإنسان يحب المال ليتخذه ذريعة للحصول علی اللذات والشهوات. فإذا عزمت أن لا تتبع الشهوات ولا تجري وراءها وإن كان يشق ذلك عليك في بداية الأمر، لكن سوف تتعود بتركها فتقل الشهوات وتعتدل؛ ثم تری أن كثرة المال لا حاجة إليها، فتتخلص من حبه المفرط الذي يسبب العمی عن الحقائق ويفضي إلی الخسران المبين.
وهكذا الصلاة تقلل حب الجاه، لأن المصلي إذا اهتم بالصلاة حق الاهتمام وحصل علی خشوع الظاهر والباطن وتعوّد أداء الصلاة ومراعاة آدابها، يشعر بعد ذلك بتذلل وانكسار أمام ربه، فيتواضع وينكسر قلبه ويتخلص من داء التكبر وحبّ الجاه والمنصب.

حقيقة الخشوع:
قوله تعالى “إلا علی الخاشعين”؛
ورد في الكتاب والسنة التأكيد البليغ علی الخشوع في الصلاة، والمراد بالخشوع هو التواضع لله مع استحضار عظمته وجلاله واستصغار النفس أمام الرب، وقد تظهر آثار الخشوع على الجسم؛ فالمتصف بالخشوع يبدو متأدبا متواضعا منكسرا قلبه، أما الذي ليس في قلبه مخافة الله، فمهما تواضع في الظاهر وتظاهر بالأدب، فلا يعد خاشعا. نظرأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه؛ فقال: “يا هذا! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب”.
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: “ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض”.
عن الحسن أن عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا.
قال الإمام القرطبي: هذا هو الخشوع المحمود، لأن الخوف إذا سكن القلب، أوجب خشوع الظاهر، فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا، وإنما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان. (القرطبي .1/375)
فائدة: قد يعبر عن الخشوع بالخضوع، والخضوع أيضا ورد في القرآن أكثر من مرة. وهذا أيضا يقارب الخشوع، ولكن الخشوع يستعمل في عامة الأحوال للتذلل وخفض الصوت والنظر، وهو ينشأ من التواضع الحقيقي ومخافة الله في القلب ولم يكن صاحبه متكلفا. أما الخضوع فيستعمل للتواضع والانكسار بالجسم، كما ورد في القرآن : {فظلت أعناقهم لها خاضعين}.

الخشوع في الصلاة:
ورد في القرآن الكريم التأكيد على الخشوع في الصلاة في أكثر من موضع، ما يدل على أهميته ودوره فيها، وللإمام محمد بن محمد الغزالي مطلب حول “أهمية الخشوع” لا يخلو ذكره عن الفوائد، وإليكم ملخص ما ذكره في كتابه إحياء علوم الدين:
“إعلم أن أدلة اشتراط الخشوع وحضور القلب كثيرة؛ فمن ذلك قوله تعالى “أقم الصلاة لذكري”، وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضادّ الذكر، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره؟ وقول الله تعالى {ولا تكن من الغافلين}، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الصلاة تمسكن وتواضع”، حصر بالألف واللام. وكلمة «إنّما» للتحقيق والتوكيد، وقوله صلی الله عليه وسلم «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله الا بعداً » وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر، وليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.*
والتحقيق فيه أنّ المصلي مناج ربه عز وجل كما ورد به الخبر، والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة، وبيانه أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلاً، فهي في نفسها مخالفة للشهوة، شديدة علی النفس، وكذا الصوم قاهر للقوی، كاسر لسطوة الهوی الذي هو آلة للشيطان، فلا يبعد أن يحصل منها المقصود مع الغفلة، وكذلك الحج أفعاله شاقة شديدة، وفيه من المجاهدة ما يؤدي إلى إيلام الجسم، كان القلب حاضراً أو لم يكن؟ أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، فأمّا الذكر فإنه مجاورة ومناجاة مع الله عز وجل، فأيّ مشقة في تحريك اللسان مع الغفلة لا سيما بعد الاعتياد؟ ولا شك أنّ المقصود من القراءة و الأذكار، الحمد والثناء والتضرع والدعاء، والمخاطب هو الله عز وجل، وقلبه بحجاب الغفلة محبوب عنه، فلا يراه ولا يشاهده، بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة، فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقیل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل وترسيخ عقد الإيمان به. وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم قطعاً، وإذا خرج عن كونه تعظيماً، لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس، وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان به،… وما أری أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة، إلا أن یضاف إليها مقصود المناجاة، فإن ذلك يتقدم علی الصوم والزكاة والحج وغيرها من العبادات، بل على الضحايا والقرابين التي هي مجاهدة النفس بتنقیص المال.
قال الله تعالی: «لن ينال الله لحومها ولا دماءها ولكن یناله التقوی منكم»، أي الصفة التي استولت علی القلب حتی حملته علی امتثال الأوامر، فهذا ما يدلّ من حيث المعنی علی اشتراط حضور القلب.

شبهة وجوابها:
فإن قلت: إن حكمتَ ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطاً في صحتها، خالفت إجماع الفقهاء، فإنهم لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير؟ فاعلم أن الفقهاء لا يتصرفون في الباطن ولا يشقون عن القلوب ولا في طريق الآخرة، بل يبنون أحكام الدين علی ظاهر أعمال الجوارح؛ وظاهر الأعمال سقوط الثقل وتعزير السلطان؛ فأما أنه ينفع فی الآخرة فليس هذا من حدود الفقه، علی أنه لا يمكن أن يدّعى الإجماع، فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه عنه أبوطالب المكي عن سفيان الثوري، إنه قال: “من لم یخشع فسدت صلاته”. وروي عن الحسن أنه قال: “كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلی العقوبة أسرع”. وعن معاذ بن جبل: “من عرف من علی يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له”. وروي مسنداً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن العبد ليصل الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها”، وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين وعن علماء الآخرة أكثر من أن يحصی. والآثار ظاهرة في هذا الشرط إلا أن مقام الفتوى في التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق. فلا يمكن أن يشترط علی الناس إحضار القلب في جميع الصلاة، فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الأقلين، وإذا لم يمكن اشتراط الاستیعاب للضرورة، فلا مردّ له إلا أن يشترط عنه ما يطلق عليه الإسم ولو في اللحظة الواحدة، وأولی اللحظات به لحظة التكبير فاقتصرنا علی التكليف بذلك.

الصلاة بغير الخشوع لا تخلو عن الفائدة:
ويقول الإمام الغزالي في النهاية:
ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية. فإنه علی الجملة أقدم علی العمل ظاهراً وأحضر القلب لحظة. وكيف لا، والذي صلی مع الحدث ناسياً، صلاته باطلة عند الله تعالی ولكن له أجر ما یحسب فعله وعلی قدر قصور وعذره، ومع هذا الرجاء فيخشی أن يكون حاله أشد من حال التارك، كيف لا والذي يحضر الخدمة ويتهاون بالحضرة ويتكلم بكلام الغافل المستحقر، أشد حالا من الذي يعرض عن الخدمة!
ومع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما أفتوا به من الصحة مع الغفلة، فإن ذلك من ضرورة الفتوی، كما سبق التنبيه عليه و”من عرف سرّ الصلاة علم أن الغفلة تضادها”.
وحاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصلاة، وأن أقل ما يبقی به رمق الروح، الحضور عند التكبير. فالنقصان منه هلاك، وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة وكمثل حيّ لا حراك به قريب من ميت. فصلاة الغافل في جميعهاً إلا عند التكبير كمثل حي لاحراك به. نسأل الله حسن العون (إحياء علوم الدين 1/ 161).
*التعليق: (ثم أشار الإمام الغزالي إلی المعاني الباطنة التي تتمّ بها الصلاة وهي حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء و ذكر تفاصيلها في الإحياء). راجع 1/161.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات