اليوم : 29 أكتوبر , 2015

عوامل التطرف وحاضناته

عوامل التطرف وحاضناته

إن العالم الذي نعيش فيه، رغم التطور والتقدم في بعض المجالات، لم يزل يعاني الحروب والدمار، وهيمنة القسوة والجور، وغياب العدل والإنصاف. ملايين من البشر يعانون الاعتداءات والانتهاكات، واستبداد أبناء جلدتهم. حسب قاعدة العلة والمعلول المشهورة، إن كافّة الاضطرابات والقلاقل والتحديات والأزمات والفتن، لها علل وعوامل يجب دراستها ومعرفتها، واتخاذ تدابير وحلول ناجعة لمعالجتها؛ لأنّ محاربة المعلول من غير محاربة عللها وعواملها والظروف التي وفرتها، لن تؤدي إلى النتائج المطلوبة.
فلو تعمّقنا النظر، نجد أنّ بعض العوامل والحواضن التي لها دور فيما آلت إليه الأوضاع الراهنة، تختصر فيما يلي:
1- إنّ الصراع بين الفكرة الغربية والفكرة الإسلامية دخلت مرحلة معقّدة وصعبة. الغرب يستخدم كافة طاقاته بتخطيطات متطورة وأساليب جديدة لاتهام العالم الإسلامي بالتطرف والإرهاب، وليسوق العالم الإسلامي نحو اتخاذ موقف دفاعي؛ وهي سياسة مناسبة في وجهة نظرهم للسيطرة على الحكومات والشعوب الإسلامية، والتصدي للصحوة الإسلامية، ولإثارة الاختلافات الداخلية والقومية والطائفية والنزاعات الانفصالية في العالم الإسلامي، ولتغيير الخرائط السياسية لبعض البلاد، وبسط نفوذهم.
2- إنّ الله تعالى فضّل العالم الإسلامي بالموارد الطبيعية والطاقات البشرية الواسعة التي أثارت حسد وحقد عالم الكفر؛ لأجل هذا يسعون أن يجدوا موطئ قدم لهم في العالم الإسلامي، ليتدخلوا في شؤون البلاد الإسلامية وليسيطروا عليها ويتمتعوا بهذه المصادر تحقيقا لأهدافهم وغاياتهم.
3- إنّ العالم تبدّل إلى قرية بعد ثورة الاتصالات والتواصلات وتوسّع وسائل الإعلام، حيث لم تكن تخفي الأنباء والمعلومات من نقطة على نقطة أخرى في عالمنا المعاصر. استخدم الدعاة والناشطون هذه الفرصة لبث الدعوة الإسلامية في كافة أنحاء العالم. ولما أنّ تعاليم الإسلام تتفق مع فطرة البشر، يعتنق الكثيرمن الغربيين هذا الدين، ويدرسه الآخرون، وهي النقطة التي أقلقت المؤسسات التبشيرية في الغرب. فهي خائفة على أن يميل الأجيال المعاصرة أو القادمة في الغرب إلى الدين الإسلامي. لأجل هذا يسعون أن يظهروا دين الرأفة والرحمة على أنه عامل التطرف والعنف في العالم، وأن يشوّهوا صورة الإسلام المضيئة والطاهرة بتهويل حوادث وقضايا بسيطة هم في الحقيقة عواملها وأسبابها ليصدّوا بهذه الطريقة سبيل وصول الإسلام إلى القلوب في الغرب.
ما حدث في الدنمارك وفرنسا من إساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لا شكّ أنها حلقة من هذه السلسلة القبيحة، وجزء من هذه الخطة الكبيرة الممتلئة بالحقد والبغضاء.
٤- من الأهداف الأخرى التي يتبعها الكفار من توفير حاضنات وعوامل العنف والتطرف، أن يتصدّوا للتطور الاقتصادي في البلاد الإسلامية، ويصنعوا أجواء تدفع أغنياء المسلمين أن ينقلوا أموالهم إلى الدول الأجنبية. وهذه خطوة تصبّ في مصلحة المصارف والشركات الغربية.
٥- مع الأسف، يساعد الكثير من القادة والزعماء في العالم الإسلامي متجاهلين أو مخدوعين، على تنمية التطرف وتوفير حواضنه، بإشاعة الإلحاد وتبرير الظلم وعدم تنفيذ قوانين الإسلام؛ وهذا نفس غاية الغرب والأمريكان؛ لأنهم يعرفون جيدا أن جرثومة التطرف والعنف سوف تنمو في مستنقع الظلم والجور والأزمات. وكلّما ازداد التطرف والعنف والفوضى في البلاد الإسلامية، ازدادت لهم فرص التدخّل العسكري في تلك البلاد.
6- رغم العوامل المذكورة؛ لابدّ من الاعتراف بهذه الحقيقة أن جذور بعض التصرفات تعود إلى دراسات ناقصة واستنباطات خاطئة من الدين الإسلامي. هناك آيات وأحاديث في القرآن والسنة ونصوص شرعية لابد من المراجعة إلى الفقهاء والعلماء الراسخين لاستيعاب معانيها الصحيحة والدقيقة. فعندما يقوم من لا يملك الأهلية وصلاحية الاستنباط من هذه النصوص مباشرة، لا شك أنه سيعود باستنباطات خاطئة، ويكون مصداقا لآية “يضل به كثيرا”.
النموذج الأول من هذا النوع من الانحرافات هي التصرفات الخاطئة للخوارج الذين ظهروا في عهد سيدنا علي رضي الله عنه.
إن أزمة الخوارج في ذلك الوقت جعلت الأمة في مواجهة مشكلات معقّدة مستمرة. ثمّ انقرض الخوارج كطائفة وبمنهجه التقليدي، لكن توجهاتهم وأفكارهم الخاطئة بقيت لترثها بعض الجماعات والطوائف. يمكن أن يكون بعض هذه الجماعات مع قلّة العلم في الأحكام الشرعية مخلصة في غاياتها وأهدافها، والبعض الآخر لديها نواياها الخالصة. مع كلّ ذلك، لا يمكن إنكار وجود الأفكار الضالّة والمنحرفة، ولا شكّ أنّ الخطوات والتصرفات غير المدروسة والسلوكيات المستبدة ليست طريقة حل هذه الأزمات بل تزيد في الانحراف والتطرف والعنف، وتوفّر أرضية الاستغلال السيء، وردود سيئة، وتثير شماتة الأعداء.
في مثل هذه الظروف والأوضاع، يجب على الجميع أن يبحثوا عن حلول وتدابير.
نعم؛ الجميع من العامّة والنخب والعلماء والدعاة والمفکرين والسياسيين والحکومات والشعوب، على کواهلهم مسئوليات يجب أن ينهضوا من أجلها. فالاكتفاء بالتأسفات والتحليلات لا يغني شيئا، بل لابد أن ينزل كلّ شخص إلى الميدان مع ما عنده من طاقة وقوة. “يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم، و يثبت أقدامكم”.
إنّ الإسلام دين الرحمة والعدل والسلام. العنف، والقساوة، والظلم، والجور، والحرب، والفتنة، مرفوض من وجهة نظر الإسلام. إن الله تعالى تطرق إلى بيان صفة رحمته بعد بيان حمده وربوبيته في أول سورة من القرآن الكريم قائلا: “الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم”. وأرسل رسوله رحمة للعالمين. “وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين”. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
إن الله تعالى ينصح عباده في واحدة من أجمع آيات القرآن الكريم بالعدل هكذا: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء و المنكر والبغي”.
فعلى الكتّاب والناشطين المعتدلين أن ينزلوا إلى الميدان، ويفنّدوا الدعايات ضدّ الإسلام من ناحية، ويزيلوا غبار التهم عن وجه الإسلام، ويقنعوا العالم بأنّ الإسلام دين الرأفة والرحمة، والاعتدال والسلام، وأنّ الجهاد في الإسلام ليس معناه أن يقتل المسلم إذا وجد كافرا أومخالفا ويسلب أمواله؛ وإنّ قتل الأشخاص في ميادين القتال يتطلب شروطا لو لم تتوفر تلك الشروط يبقى الشخص مصونا عن القتل.
أوصى رسول الرأفة والرحمة الصحابة المجاهدين قائلا: “لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا ولا صغيرا، ولا إمرأة”. (رواه الترمذي)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من غارة منازل الأعداء وأموالهم.
وقد أوصى الخليفة الراشد أبوبكر الصديق رضي الله عنه قائد جيش المجاهدين “إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله. فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له. وستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر. فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف”. وإني موصيك بعشر: “لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا، إلا لمأكلة. ولا تحرقن نحلا، ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن”. وفي عهد سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه في الاتفاقية التي تمّ عقدها بين القائد العظيم خالد بن الوليد رضي الله عنه مع أهل الحيرة، نجد هذه المادة: “لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة، ولا يمنعون من ضرب النواقيس، ولا إخراج الصلبان في يوم عيدهم”. ( كتاب الخراج:215)
إنّ التاريخ الإسلامي حافل من هذه النماذج من مراعاة حقوق المخالفين والتسامح معهم. فلا ينبغي أن يكون الدين أو المذهب لعبة لأيّ نوع من الاستنباطات والتوجهات الخاطئة.
إنّ مسئولية العلماء والقادة والمراكز العلمية عظيمة في هذه القضية. فعندما لا تقدّم مواقف شفافة وواضحة تجاه قضايا العالم الإسلامي، وعندما لا تقدم طرق وحلول صحيحة، يقوم أشخاص وجماعات لا تجربة لديها بأخذ المبادرات، ويرون الميدان خاليا، فيفسّرون الأحداث والقضايا حسب أفكارهم واستنباطاتهم. ولا شكّ أنّ الضرر في مثل هذه الأحوال يعود على المسلمين في أنحاء العالم.

“نقاط تسترعي الانتباه”
نعتقد أنّ الأوضاع الراهنة تقتضي الانتباه إلى النقاط التالية:
1- تأسيس وتقوية مراكز للعلوم والدراسات والبحوث الاستراتجية، والاستفادة من الخبراء والمفكرين لدراسة الأوضاع دراسة دقيقة، وتقديم حلول علمية قابلة للتنفيذ في المستويات الإقليمية والعالمية.
2-إقامة المؤتمرات والجلسات الهادفة، بحضور الدعاة والنخب والمثقفين والعلماء والشخصيات المؤثرة، الصالحين والموثوقين عند الناس.
3- توفير بيئة الحوار وتبادل الآراء في المجتمع وإعطاء الحرية، وإزالة البيئات العسكرية والأمنية.
4- اللقاء مع قادة الدول والحكومات، والجماعات والأحزاب، للتنسيق معهم لتحقيق الأهداف المشتركة والكبيرة.
5- مكافحة جادة ضد العوامل الطائفية، وتوفير مقدمات الانسجام والوحدة الحقيقية.
6- والأهمّ من ذلك، إقامة العدل في المجتمعات الإسلامية، وتغيير السياسات التمييزية الموهنة، وإسهام كافة الطبقات في المجتمع وفقا لضوابط مدوّنة ومتفقة عليها، ومراعاة كافّة حقوق المواطنة، ليشعر كل شخص أنه لا يهمّش بسبب قوميته أو مذهبه أو حزبه الذي ينتمي إليه.
لا شكّ أنّ العالم الإسلامي يواجه تحديات ومشكلات عديدة في العصر الراهن؛ غزو فكري وثقافي وعسكري، وتخطيط منظم من جانب الأعداء للسيطرة على الثقافات والشعوب الشرقية والإسلامية من ناحية، ومشكلات داخلية بين المسلمين من ناحية أخرى؛ وهذه محنة شاقّة، تتطلّب من العالم الإسلامي وقيادته السياسية والفكرية والثقافية و كلّ من يشعر بالمسؤولية أن يفكروا في حلول مفيدة وناجعة، وأن ينقذوا العالم الإسلامي من الأمواج المتلاطمة إلى برّ العزة، والنجاح. “والله من وراء القصد وهو المستعان وعليه التكلان”.

الكاتب: الشيخ المفتي محمد قاسم القاسمي (رئيس تحرير مجلة نداي اسلام)
التعريب: عبد الله البلوشي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات