اليوم : 8 يونيو , 2014

صورة وصفية للشيخ الفقيد الأستاذ “يارمحمد رخشانی” رحمه الله

صورة وصفية للشيخ الفقيد الأستاذ “يارمحمد رخشانی” رحمه الله

لقد أبصر سماحة الفقید العلامة الشیخ “یارمحمد رخشانی” النور عام 1344 من الهجرة النبوية في قریة “بائیان” التي تبعد عن مدينة زاهدان60 كم.

كان اسم والده رحمه الله “محمد”، وكان والده یؤم الناس في هذه القریة. ووفقا لما قال الفقید الأستاذ یارمحمد رحمه الله، فإن أجدادهم كانوا أهل العلم كابراً عن كابر إلی خمسة أجیال، وكانوا یؤمون الناس بالتناوب، وعلّموا الناس الدین والحكمة في منطقتهم. وكبیر قبیلة “ریغي” الذي كان یدعی “أمان الله خان” قد تلمذ لدی الشیخ الملا محمد (والد الفقید) عندما كان مراهقاً.
فهذا الوالد السعید سمّی مولوده الجدید بـ “یار محمد” الذي سطع نجمه وتلألأ ككوكب دري، فخدم الناس وزوّدهم بالعلم والحكمة والسداد، فجزاه الله عنا وعن المسلمین خیر الجزاء.
وقد انشغل الفقید رحمه الله في طفولته بالجد والاجتهاد، وحبب إلیه العلم، فأقبل ینهل من معینه مرتشفاً أصناف المعرفة دون كلال أو ملال، وبعزیمة قویة وثابة.
فبعد ما تعلم المصحف الشریف والكتب الابتدائیة والإعدادیة، رحل إلی سجستان وإلی نیمروز، ولم یمكث هناك إلا قلیلاً حتی رحل إلی محافظة “سند” بباكستان، مهد العلماء الكبار، كي یكمل الدراسة بشكل رسمي ووفق منهج مدارس تلك البلاد. ثم ساقه حادي الشوق إلی مناطق أخری لنهل ینابیع العلوم العذبة، فظعن إلی محافظة “بنجاب” وبالتحدید في مدینة “ملتان” حتی ینهل من معین أكبر علماء المنطقة الذي ألهمه الله العلم والسیاسة، وكان عالي الكعب فیهما، وهو العلامة المفتي “محمود” رحمه الله، وبقیة الأساتذة الذین كانوا یدرسون في مدرسة “قاسم العلوم” بـ “ملتان”.
وكان من قضاء الله وقدره أن یدرُس في هذه المدرسة طالب آخر الذي كان هو أیضا من البلوش ومن سیستان؛ ذلك الطالب العبقري الذي كان ذائع الصیت فیما بین أساتذته حیث كانوا یعترفون بذكائه الذي صار فیما بعد “مفتي جامعة دار العلوم زاهدان”، وهو فضيلة المفتي “خدانظر” رحمه الله.
كان الشیخ المفتي خدانظر رحمه الله، أكبر سنا من الشیخ یارمحمد رحمه الله نحو عامین، والتلمذ لدی الشیخ المفتي محمود رحمه الله قد أثر تأثیراً بالغاً في شخصیة هذین العالمين، حتی إنهما یعرفان فیما بین أهل السنة بإیران ولا سیما في منطقة بلوشستان وبالتحدید بمدینة زاهدان، من أوائل الذین خدموا بعلمهم في هذه المنطقة؛ ونقلا ما تعلما من الشیخ محمود رحمه الله إلی دار العلوم بزاهدان. وعلی هذا الغرار سمّی المفتي الفقید خدانظر رحمه الله مجموعة فتاواه التي بذل في سبیلها كل الغالي والرخیص وعلی مدی سنوات طوال، باسم “محمود الفتاوی”، یعني باسم شیخه الفقید.
وقد اعتنی رحمه الله بوقته وحرص علیه، فلم یضیع منه شیئاً دون فائدة، فانطلق في رحاب العلم، وشارك بقوة في مختلف علوم الشریعة ولدی أساتذة متعدة، فاستفاد أیضاً في هذا المشوار من الشیخ “أحمد علي اللاهوري” رحمه الله، وأخذ عنه علم التفسیر، وشغف بهذا الأستاذ المفسر وتأثر منه شدیداً. وكان الفقید العلامة “أحمد علي اللاهوري” ماهراً في مختلف أنواع العلم، كما كان ماهراً في حلبات أخری كالسیاسة والفكر والإصلاح، وكان زعیم جمعیة علماء الإسلام برهة من الزمن.
یقول العلامة “السید أبوالحسن علي الندوي” رحمه الله حول شخصیة العلامة “أحمد علي اللاهوري” المؤثرة: “ومن أعظم الأیام وأبجلها في حیاتي (عندما كنت یافعاً ومتعلما)، یوم كنت أتعلم التفسیر وحجة الله البالغة لدی الشیخ أحمد علي اللاهوري رحمه الله. ولو لم أساهم في دروس الشیخ ولم أتلمذ لدیه، لكانت حیاتي – بغض النظر عن السيء والحسن – غیر ما هي الآن، ولم تكن حافلة إلا بذوق الأدب العربي والبحث في التاریخ والتألیف ولا غیر. فمعرفة الله والوصول إلیه و الهدایة علی الصراط المستقیم، هي صفات سامقة، وبفضل صحبتي للشیخ اللاهوري رحمه الله اكتسبت معرفة الله وحلاوة الذكر ومحبة رجال الله وحاجتي إلی التزكیة والسلوك والوقوف علی نقائصي. وهذا فضل عظیم لأمثالي، وعلی وجهة نظر بعض العارفين فإن هذه الصفات أیقونة الثروة والتوفیق.” {ندوي، پراني چراغ 1/134}.
وبعدما تخرج الشیخ “یارمحمد” رحمه الله عن الدروس الدینیة من باكستان، رجع إلی منطقته وبدأ الخدمة والتدریس من إبان عقد 1370 من الهجرة في مدینة زاهدان وضواحیها. و كان وجود الشیخ رحمه الله في تلك السنوات وفي هذه المنطقة النائیة والبعيدة عن العلم، نعمة عظیمة وجسیمة، إضافة إلى أنه كان من أبناء هذه المنطقة. نعم! إن وجوده كان بمثابة قمر منیر في سماء هذه المنطقة، وزاد النور علی النور بعد مجيء الشیخ “عبد العزیز ملازاده” رحمه الله في هذه المنطقة، وملأ لیالي وأیامها بالنور التام، وبفضلهما سطعت وتلألأت نجوم وأقمار أخری في سماء هذه البقعة.
ونری في رصید إنجازاته العلمیة، إمامته للناس في یوم الجمعة في الجامع الفاروقي، وأول مركز للدعوة والتبلیغ في مدینة زاهدان، وكذلك مرافقته للشیخ الفقید “عبد العزیز” رحمه الله في بناء مدرسة إشاعة التوحید ودار العلوم بزاهدان، كما درس المعقول والمنقول في الثانویة، وكذلك أترع الطلاب علی مدی عقود متوالیة من العلوم الشرعیة في جامعة دار العلوم بزاهدان، وكذلك سنوات طوال وعظ الناس وأرشدهم.
و قد رزقني الله سبحانه وتعالی بأن أری منذ سنة 1412 إلی عام 1434من الهجرة نشاطاته العلمیة في جامعة دار العلوم بزاهدان وعلی صعید المنطقة والبلد، فوجدته خادما للناس ومرشداً لهم، كما وجدته یتفكر دوماً لرقي المجتمع و إصلاح النقائص والشحوب والمضیقات، والنصیحة لعامة الناس وخاصتهم، ووجدته أیضاً صاحب كلمة حكیمة ومفعمة بالعلم والمودة والصراحة.
وبعد أربعة عقود من التدریس في جامعة دار العلوم بزاهدان و تعلیم جمع غفیر من الطلاب والتلامیذ، ومنذ سنة أرهقه الضعف و الأمراض الجسمیة فلم یقدر أن یجلس علی مسند التدریس كالسابق، فبات یقضي أیامه الباقیة في بیته. وفي الشهور الأخیرة وبفضل سماحة الأستاذ المفتي حمد قاسم القاسمي حفظه الله رزقت زیارته مرتین، وفهمت في كلتا المرتین بأن قلبه كان یهفو للتدریس وتعلیم أبناء المسلمین وأن یصاحب العلماء والمراكز الدینیة، وكانت عیونه تفیض بالدموع الساخنة بمذاكرة الذكریات الماضیة. أما الملاحظة التي تناهت إلي خلال هاتین الزیارتین من الشیخ، هي حبه الشدید بفضيلة الشيخ عبدالحمید حفظه الله. وكان یقول: “إنكم ترون فضيلة الشیخ عبد الحميد بعیونكم، إنه رجل عبقري ومجدد، وإن نشاطاته في تاریخ علماء بلوشستان من جانب العمق لا یُشق له غبار ومنقطع النظیر”.
وفي نهایة المطاف، رحل هذا العالم العبقري لیلة الأحد 22 من رجب عام 1434، عن عمر یناهز 88 عاماً من هذه الدنیا.
“إنّا لله و إنّا إليه راجعون. اللهمّ اغفر له وارحمه وعافه وأكرم نزله ووسِّع مدخله وأبدله داراً خیراً من داره وأهلاً خیراً من أهله. اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره.”
وصلی علیه جمع غفیر، وساهم لصلاة جنازته عشرات الآلاف الناس من مختلف الأجیال من العلماء والطلاب والمثقفین والجامعیین وعامة المسلمین في مصلی أهل السنة والجماعة بزاهدان بإمامة فضيلة الشیخ الشیخ محمد یوسف حسین بور، الأمين العام لمنظمة اتحاد المدارس الدينية لأهل السنة في محافظة سيستان وبلوشستان، ورئیس معهد عین العلوم بـ “غشت”، ثم نُقل جثمانه الطاهر بعد الصلاة علیه إلی قریته (قریة بائیان في منطقة جون آباد) للتدفین، فدفن هنالك.
وكتابة حیاة الشخصیات الكبار كالشیخ یارمحمد رحمه الله مذكرة للتاریخ والشخصیات والتغییرات والخدمات الكثیرة، وفي الحقیقة تثبت بعض تواریخنا وهویتنا. فنرجو من العلماء والمعاصرین وتلامیذ الشیخ وأقربائه ومحبیه أن یسجلوا ذكریاتهم من الشیخ، أو یقیموا مؤتمرات لحفظ ذكریات الشیخ الفقید “یارمحمد” رحمه الله وبقیة الشخصیات الكبار الذین تركونا وفقدناهم كي نحیى بذكراهم.
نسأل الله سبحانه وتعالی أن یلهمنا التوفیق والهمة الوثابة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الكاتب: ثناءالله شهنوازي
تعریب: ابن عیسی

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات