الدعوة والسياسة

الدعوة والسياسة

لاشك أن الأمة المسلمة أيقظتها عوامل عديدة من سباتها العميق. لقد تحدثتُ قبل هذا في هذا العمود عن “الصحوة الإسلامية بين الآمال والمخاوف”.

أهم شيء بعد اليقظة أن يعرف الشخص كيف ومن أين يبدأ نشاطه. فإدراك الأولوية هام وضروري لمن نهض من نومه العميق. فإذا كان القادة والمصلحون الذين يقودون الصحوة الإسلامية ارتكبوا الأخطاء والزلات في الأولويات، وقفزوا إلى مراحل متقدمة ومتطورة قبل تثبيت الدعائم وإكمال المتطلبات في المراحل التمهيدية، فلا غرابة إذن أن يضيع الكثير من الجهود، وأن لا تبقى نتيجة إلا الحسرة واليأس.
سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو النموذج الكامل والناجح للمسلمين وخاصة للناشطين في مجالات الدعوة والإصلاح، والقائمين على الحركات الدعوية والتربوية والنهضات الشعبية الدينية. يجب أن نركز رؤيتنا على كيفية إصلاح الرسول الكريم المجتمع، وماذا كانت أولويات الرسول صلى الله عليه وسلم في حركته الإصلاحية، وإلى أي جوانب اهتم أولا؟
 كيف استعمل من التدريج والحكمة في تطوير الأهداف والبرامج؟ مطالعة السيرة وتدقيق النظر فيها تعلمنا كيف اهتم الرسول الكريم بالدعوة والبنى التحتية للمجتمع الإسلامي. المجتمع الذي واجه مع الرسول الكريم، كان مجتمعا جاهليا؛ فسد فيه كل شيء من العقائد والأفكار والأعمال والأخلاق. الإصلاح البسيط وتشريع عدد من القوانين لم يكن نافعا وحلا لمشكلات تلك المجتمع.
كان الرسول الكريم في ظل الهدايات الربانية يعرف جيدا أن الأعمال والأخلاق لدى البشر تنشأ من معتقداتهم وأفكارهم، ولا يمكن أن نرجو ثمرة جيدة من شجرة فسدت جذورها في الأرض. وما أحسن قول الله تعالى في القرآن الكريم “والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا”.
لذلك استهدف رسول الله صلى الله عليه وسلم القلوب، وغيّر الميول والرغبات، وأصلح الأفكار والرؤى والعقائد. يصف العلامة أبو الحسن الندوي، إمام الدعوة والفكر الإسلامي في كتابه العظيم “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” دعوة الرسول الكريم بهذه الألفاظ: “بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً، فإذ كل شيء فيه في غير محله. نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته؛ رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضر. رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البديهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس، يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك، وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث، ويستمرئ الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم، ولا يحب الصديق الناصح. رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله. قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظيا، والصالح محروماً شقياً لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك. وكان مجال العمل في بلاد العرب فسيحاً إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم رجلاً إقليمياً وسار في قومه سيرة القادة السياسيين والزعماء الوطنيين، كان له أن يعقد للأمة العربية لواء تنضم إليه قريش والقبائل العربية، ويكوِّن إمارة عربية قوية موحدة يكون رئيسها، ولاشك أن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما كانوا في مقدمة من ينضم إلى هذا اللواء القومي، ويقاتلون تحته ويقلدونه الزعامة”. (ماذا خسر العالم  بانحطاط المسلمين)
السيرة النبوية تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل هكذا، لأنه كان يعرف جيدا أن حكومة مثل هذه ستنهار، لأنها لم تبن على أسس قوية متينة. كان الرسول الكريم يعرف جيدا أن الشعب الذي لم يتربّ أشخاصه، لا يمكن تحميل الأحكام الشرعية على ذلك الشعب، لأنه سيظهر النفاق بعد مدة في ذلك المجتمع أو يستنكف معظم أشخاص ذلك المجتمع عن العمل على الأحكام ويهربون منها.
مع الأسف يسعى الكثير من المصلحين والإسلاميين المعاصرين ـالذين لا شك في صلاحهم ورزانة أخلاقهم ـ دون الاهتمام الجيد إلى الأسس والبنى التحتية في المجتمع ودون ملاحظة العديد من الحقائق، أن يصلوا إلى كرسي الحكم وأن يقودوا المجتمع من فوق أريكة القدرة والمنصب نحو الإسلام بأي طريقة ممكنة؛ مثله كمثل بستاني رأى شجرة جافة فيسعى في إلصاق أثمار بها. لاشك أنه لا يمكن أن نطلق على مثل هذه الشجرة أنها شجرة مثمرة. الشجرة المثمرة هي التي تستعد لإعطاء الثمرة ويقوم البستاني بإصلاحها والقيام بها في الأوقات المناسبة.
يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه “واقعنا المعاصر”: وكل تعجل في ميدان التربية بالذات لا يأتي بخير، لأنه يكون بمثابة إقامة بنيان على غير أساس، أو على غير أساس مكين؛ فكلما ارتفع كان عرضة للانهيار.
والذين يستطيلون الطريق، ويحسبون أن هناك طرقاً أقصر وأخصر، ينبغي أن يأخذوا عبرة التجربة. فإذا كنا لا نعتبر بالأحداث، فذلك في ذاته دليل على نقص في تربيتنا يحتاج إلى علاج!
لذلك يجب أن نسعى  من خلال الدعوة والتربية المستمرة، أن يحل الدين مكانه في قلوب الطبقات المختلفة من الشعب ويقبل الناس على الإيمان والعمل الصالح، عندئذ يتحقق وعد الله تعالى. كما يقول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً”.
تتضح من هذه الآية أن الحكومة الصالحة هي من ثمار الإيمان والأعمال الصالحة. كلما وصل المسلمون إلى الكمال في الإيمان وأصلحوا أعمالهم، يعطيهم الله تعالى ثلاث نعم:1-الاستخلاف 2- التمكين والقدرة 3- الأمن.
بناء على هذا ذهب بعض المفكرين الإسلاميين إلى أن الحكومة في الإسلام موعودة وليست مقصودة. فلم يكن هدف الأنبياء الوصول إلى الحكم، وإن كانت الحكومة أتتهم كوسيلة لتنفيذ الأحكام الشرعية، وهي في الحقيقة كانت هدية على جهودهم الدعوية.
الحقيقة أن الدعاة والإسلاميين كلما أرادوا أن يتولوا القدرة دون الاهتمام إلى مراحل التربية والدعوة والسعي لإصلاح الأكثرية في المجتمع، لا يكون خصومهم السياسيين وكذلك الأنظمة الاستبدادية مانعين لهم من هذا الأمر فحسب، بل يتصدون لكافة نشاطاتهم الفكرية والثقافية السلمية، وتكون عندئذ اصطدامات عنيفة بين أعضاء هذه الحركات الإسلامية وأنظمة الحكم، وتتوجه خسائر كبيرة إلى المجتمع الإسلامي. وإن وصلت هذه الحركات إلى القدرة والحكومة بطريقة، لن يستمر ذلك الحكم ولن يثبت. وإذا توسلت إلى القوة والضغوط لاستدامة حكمها، تفقد شعبيتها في قلوب أفراد المجتمع. أشار العارف والداعي الكبير الشيخ محمد إلياس رحمه الله إلى مطلب هام يرجى أن يجعله الدعاة والعاملون في المجالات السياسية  في البلاد الإسلامية نصب أعينهم.
يكتب العلامة الندوي رحمه الله في كتابه “الشيخ محمد إلياس ونهضة الدعوة والتبليغ” حول هذه القضية: “جدير بالذكر أن كل سياسة لا تكون قائمة على أساس الدعوة، متعرضة للإنهيار. كان الشيخ محمد إلياس له وجهة نظر خاصة في هذا المجال وكان يقول: للقدر القليل من السياسة نحتاج إلى الكم الهائل من الدعوة. كلما ضعف الدعوة أو استعجلت في مراحلها، يأتي بقدره ضعف وتضخم في السياسة، أو لا تحصل الأهداف المطلوبة من تلك السياسة، أو سيتعرض بناء تلك السياسة للإنهيار بعد الوجود. هذه هي الحقيقة في أرض الواقع. فالنظم والقوة العظيمة في الخلافة الراشدة وتنظيمها الخاص والإطاعة الفريدة للناس منها، كانت نتيجة الدعوة الطويلة المنظمة التي بدأت منذ بداية بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم واستمرت إلى نهاية الخلافة الراشدة. لكن الضعف بعد ذلك والانحطاط الاجتماعي كانت من نتائج التغافل عن الدعوة الذي حدث في عصر بني أمية وبني العباس.
كان الشيخ محمد إلياس رحمه الله يكرر في غالب الأحيان وصية الحسن بن علي رضي الله عنه لأخيه الحسين رضي الله عنه: من الآن يجري أمر هذه الأمة من خلال الدعوة.
كان الشيخ محمد إلياس رحمه الله يعتقد أن سبب الكثير من الاختلافات والمفاسد والتشتت، هو تقديم السياسة على الدعوة، والنشاط الديني يعمل بطريقة سياسية وتنظيم غربي”.

 الكاتب: فضيلة الشيخ محمد قاسم القاسمي (رئيس تحرير مجلة نداء الإسلام)
تعريب: عبد الله البلوشي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات