اليوم : 18 مارس , 2013

تقرير عن لقاء الطلبة الجامعيين السنّة مع العلماء والمثقفين في مدينة زاهدان

تقرير عن لقاء الطلبة الجامعيين السنّة مع العلماء والمثقفين في مدينة زاهدان

انطلقت أعمال جلسة “لقاء الطلبة الجامعيين السنّة مع علمائهم ومثقفيهم” من مختلف الجامعات الحكومية الإيرانية ومن شتى المحافظات، بشعار “العصر الراهن عصر الصحوة الإسلامية، والكرامة والحرية والعدالة الإجتماعية”، وبمشاركة آلاف من الطلبة المحبين للدين من أنحاء البلاد، صباح الخميس 24 ربيع الثاني 1434 في جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان.

الجلسة التمهيدية لهذا اللقاء، كان مساء الأربعاء 23 ربيع الثاني في الجامع المكي في زاهدان. في تلك الجلسة قام القارئ “عزيز الرحمن صحت” طالب من جامعة “زابل”، بتلاوة آيات من كلام الله المجيد. ثم قدّم “يونس نارويي” وهو من الطلبة المشاركين في هذا اللقاء بقراءة مقالة في موضوع “محمد صلى الله عليه وسلم منجي البشرية”. أكد نارويي في مقالته على ضرورة معرفة الرسول الكريم قائلا: بما أن أكثر من مليار مسلم يؤمنون برسالة النبي الكريم، واعترف كذلك الكثيرون من مفكري الغرب بعظمته ومكانته الرفيعة، ينبغي أن يعرف العالم هذه الشخصية العظيمة. لأنه بخلاف دعاوي من يحاول أن يجعلوه ضد الإنسانية، أتى منقذا ومنجيا للبشرية، وجاء بدين هو الدين الوحيد الذي حمل للعالم رسالة السلم والسلام.
بعد المقالة، “ألقى فضيلة الشيخ “بهزاد فقهي” من علماء أهل السنة في محافظة خراسان الرضوية محاضرة.

محاضرة الشيخ “بهزاد فقهي”:
اعتبر الشيخ “بهزاد فقهي” بعد تلاوته آية “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”، الهمة والمجاهدة في سبيل الله كعامل رئيس لعودة المسلمين إلى عزتهم وكرامتهم قائلا: نعيش في عصر يبذل الغرب والأعداء جهودهم ودعاياتهم أن تبعد الأمة المسلمة من تاريخها المزدهر وتوقعها في مستنقع الانحطاط والتخلف، وترسم للعالم من الأمة التي علمت للعالم درس الحرية، صورة مشوهة ومتخلفة. لكن السؤال هل بقي للأمة المسلمة مكان للتقدم والرقي في العصر الراهن الذي تقدم فيها الغرب في الصناعة والعلوم والفنون؟ هل يمكن للمسلمين أن يعيدوا عزتهم وكرامتهم الفائتة ويتقدموا؟ هل نستطيع أن نشهد مرة أخرى تلك الكرامة التي كنا نملكها في العهد الأول؟
ثم ردا لهذه الأسئلة قال مشيرا إلى آية “له مقاليد السماوات والأرض”: رسالتنا كمسلم هي السعي والعمل وفتح الأبواب المقفلة والمغلقة بيد من عنده مفاتيح كافة الأبواب المقفلة، الذي جعل سفينة نوح وسيلة نجاة أمم في زمان، هو حي في عصرنا. لكن السفينة تحتاج إلى طاقم لديهم همم عالية ليأخذوا بزمام سكان هذه السفينة، ليخاطبوا من سيطروا بالمؤامرة والحيل على قمم الإقتصاد والسياسة ويقولون “سأوي إلى جبل يعصمني من الماء”، ويهتفوا بهؤلاء “لا عاصم اليوم من أمر الله” و”اركب معنا”.
وأضاف الشيخ “فقهي” مشيرا إلى أن القرآن الكريم شبه الماكرين وأهل الباطل ببيوت العنكبوت، ولا ينبغي للمسلمين أن يتوجسوا الخوف من دسائس الباطل ومؤامراتهم، وذكر قصة أصحاب الكهف للشباب، قائلا: الشباب والطلبة عليهم أن يجعلوا فتية الكهف أسوة لهم. إنهم آثروا الدار الآخرة على حياة الدنيا ومتاعها ومناصبها، مع أنهم كان بإمكانهم أن يزيدوا من مكانتهم وأموالهم بعدم الثبات والاستقامة مقابل الباطل، لكنهم اعتبروا متاع الدنيا ولذته شيئا قليلا، وباعوا أنفسهم بثمن غال لله تعالى. قاموا ضد الدقيانوس قائلين “ربنا رب السماوات والأرض”، ومقابل هذه المعاملة خلّد الله تعالى ذكرهم في القرآن الكريم قائلا: “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”.
وأضاف فضيلته قائلا: لما أراد أصحاب الكهف أن يعيشوا لله تعالى، سخر الله لهم النظام التكويني؛ “وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين”؛ وأصبح الكلب تابعا يطيعهم؛ “وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد”، وأصبحت قلوب الناس وأعينهم تابعة لهم، وجعل رعبهم في قلوب الناس؛ “لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا”.
وتابع فضيلته قائلا: روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن المراد من “الرقيم” في آية “أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم”، هو الكتاب. وذلك يعني لما هرب هؤلاء الفتية من ظلم الدقيانوس ولجأوا إلى الكهف، حملوا معهم الكتاب والعلم. كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم “من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال، وفي حديث شعبة من آخر الكهف”. هذا الحديث يريد أن يعلّم هذا الدرس للشباب بأنهم يجب عليهم أن يعيشوا مثل أصحاب الكهف، وبجانب فرارهم من فتن عصرهم، لا ينسوا العلم والكتاب، وفي ملاجئهم وخلواتهم لا يغفلوا عن العلوم العصرية، ولا يتخلفوا عن الاكتشافات في عصورهم.
في ختام محاضرته نقل الشيخ “فقهي” عن محمد إقبال اللاهوري سر نجاح الأمة الإسلامية قائلا: إقبال اللاهوري الذي جرب كافة الجامعات البارزة في العالم، ودرس الفلسفة وأدرك جذامها الأخلاقي، اعتبر سر نجاح الأمة في التضحية براحتها، كما قال أن كل مجتمع أقبل إلى راحة الجسم والابتذال، لم يظهر من ذلك المجتمع عالم ولا نابغة، وذلك المجتمع محكوم عليه بالزوال ولن يسود العالم.

الحلقة الأولى من جلسة لقاء الطلبة مع علمائهم:
برامج الحلقة الأولى من هذه الجلسة التوجيهية للطلبة مع علممائهم ومثقفيهم، بدأت صباح الخميس  في الجامع المكي بمشاركة رائعة من قبل الطلبة.
هذا اللقاء بدأ بتلاوة آيات من كلام الله بتلاوة المقرئ “أبو مصطفى سالارزهي” من أساتذة الحفظ والتجويد في دار العلوم زاهدان. بعد تلاوة القرآن قرأ الأخ “عبد الواحد باران زهي” من طلاب جامعة شابهار الدولية مقالة عنوانها “الصحوة الثقافية مدخل إلى الصحوة الإسلامية لتحقيق العدل”، ذكر فيها الإسلام كأفضل دين يؤكد على العدل ودعوة أتباعه إلى مراعاتها في كافة المجالات، كما أشار إلى مكانة العدل وأهميته في فطرة وحياة البشر.
كذلك قدم الأخ “ذبيح الله براهوئي” من طلبة جامعة دار العلوم زاهدان مقالة حول “أثر الدوافع الدينية على الصحوات الأخيرة”، اعتبر فيها “وجود الفطرة السليمة، والإسلام والمطالبة بالإسلام، والإساءة إلى المقدسات الدينية، والإساءة إلى الرسول الكريم، الإحتلال الغاشم الظالم لفلسطين والقدس وقبلة المسلمين الأولى، والعدل ومكافحة الظلم، والتمييزات وعدم المساواة، وتوفر رجال الفكر والنهضات الصاحية الواعية”، من أهم الدوافع الدينية في الصحوة الإسلامية.
استند “ذبيح الله براهوئي” في مقالته نقلا عن العلامة “أبي الحسن الندوي” إلى تقديم طرق وحلول لإحياء الدوافع الدينية مثل تقديم نموذج من الحياة المثالية، والتوجه الكامل إلى تعليم وتربية الجيل الجديد بمراعاة الجوانب التربوية الهامة، والقيادة الرشيدة المؤثرة، ومكافحة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية، والاستفادة من الحقوق المدنية والوطنية للحفاظ على الهوية الإسلامية، وإحياء العقيدة الإسلامية في الروح.
بعد مقالة الأخ “ذبيح الله”  قامت فرقة أنشودة لجامعة دار العلوم بتقديم أنشودة لتزيد من روعة الجلسة.
ثم قرأ الأخ “محمود براهوئي نجاد” أحد طلاب جامعة زاهدان مقالة عنوانها “دور ومكانة جامعة دارالعلوم زاهدان ورؤية الطلبة الجامعيين إلى هذا المركز العلمي والديني”. تطرق الأخ “براهوئي” في مقالته إلى دور ومكانة جامعة دار العلوم زاهدان ورؤية المثقفين وأساتذة الجامعات إليها كمركز علمي وديني كبير . وأشار “براهوئي نجاد” إلى موجز من تاريخ دارالعلوم زاهدان منذ تأسيسها على يد الشيخ عبد العزيز رحمه الله وتطوره ورقيه في أقل من ثلاث عقود في عهد خليفته الصالح (فضيلة الشيخ عبد الحميد) كنموذج بارز من النشاطات الدينية والعلمية في إيران.
وأكد “محمود براهوئي نجاد” على “منهج النصح وإرادة الخير للغير الذي تتولاه دارالعلوم زاهدان، وفضيلة الشيخ عبد الحميد”، مشيرا إلى التشويه ونشر الأخبار والمطالب الكاذبة من قبل بعض المواقع المتطرفة التي تتبع هدفا واحدا، ومحاولات لتخريب شخصية فضيلة الشيخ عبد الحميد، مطالبا العقلاء في الحزب الحاكم والمثقفين والمنتقدين الشيعة إلى التعامل مع مثل هذه التيارات التي تضر بالوحدة والتضامن الوطني والإسلامي.
وأشار “محمود” في مقالته إلى مكانة ودور جامعة دارالعلوم زاهدان في تشجيع الشباب من أبناء أهل السنة في مجال تعلم العلوم والفنون، واعتبر “إقامة الجلسات الطلابية”و”الدعم المباشر وغير المباشرللطلبة والنشاطات العلمية والبحوث العلمية لهم”، من مصاديق هذه المكانة بين الطلبة الجامعيين.
قال “براهوئي نجاد” في قسم من مقاتله: اليوم إن كان خريجوا أهل السنة بسبب بعض التعصبات والتمييزات لا يجدون الفرص المناسبة المساوية مع غيرهم، لكن مستقبلنا مستقبل باهر مزدهر أن شاءالله، لأن الأجيال تتغير، ويصبح الناس أكثر وعيا وصحوة. كلما تزداد نسبة صحوة الأجيال في المجتمع، تصبح التمييزات والتعصبات أقل لونا وتزول في النهاية. علينا أن نعد أنفسنا لمستقبل لا يؤمن فقط مجتمع إيران بل العالم إلى استعدادتنا وتخصصاتنا ونيتنا الطاهرة وإرادتنا للبشر الخير والصلاح.
ثم ألقى الشيخ “شريفي” من محافظة كردستان أيضا محاضرة عنوانها “من الممكن أن يعفو الله عن الجهل، لكن الغفله فلن يعفو عنها”.
في بداية محاضرته اعتبر التواصل والثقة والاتحاد سر نجاح الأمة. كما اعتبر  الإيمان بالله تعالى، حاجة وضرورة البشر ولا تقضي هذه الحاجة بغير المعرفة والإيمان بالله تعالى.
السيد شريفي ذكر الإسلام، والإيمان، والتقوى، والإحسان، والإخبات، والإخلاص، والمسابقة إلى الخيرات والرضوان و…. من مراحل سير الإنسان إلى الهداية الإلهية.
بعد هذه المحاضرة وأشعار قدمها طالب كردي مشارك في الجلسة، انتهت أعمال الحلقة الأولى من الجلسة بخطابة الشيخ المفتي محمد قاسم القاسمي، رئيس دار الافتاء في زاهدان، واستاذ الحديث في .

خطابة الشيخ المفتي محمد قاسم القاسمي:
رحب فضيلة الشيخ بكافة المشاركين في هذه الجلسة من الطلبة، معتبرا هذه اللقاءات والزيارات جلسات نصح وإرادة الخير وفي سبيل لقاء الطلبة مع مشائخهم ومثقفيهم.
وبحث رئيس دار الإفتاء في زاهدان “سر بقاء الدين الإسلامي في مواجهة الأزمات والمؤامرات عبر التاريخ”، قائلا: العلامة أبو الحسن الندوي ذكر في كتابه القيم “رجال الفكر والدعوة” القدرة الذاتية للإسلام ووجود أشخاص مخلصين ومشفقين، كعاملين لبقاء الدين الإسلامي عبر التاريخ.
وتابع فضيلته في شرح العامل الثاني  لبقاء الإسلام: إن الله تعالى حفظ الدين الإسلامي بواسطة أناس مخلصين من الطبقات المختلفة في المجتمع. هؤلاء المخلصون يظهرون في عصور وأمصار مختلفة كمجددين للدين، ويقوم دائما الشباب المخلصون والأشخاص المؤمنون إلى مساعدتهم.
وأضاف: لو نظرنا إلى تاريخ الرعيل الأول من المسلمين، نرى أن الذين قاموا بنصرة الرسول الكريم كانوا مجموعة من شباب مكة المكرمة كأبي بكر الصديق وعمر الفاروق ومصعب بن عمير ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. هؤلاء الشباب كانوا متعطشين للعلم والإيمان والحقيقة والهدف. فعشقوا القرآن الكريم والدين الإسلامي وصاروا حماة صادقين له، وقاموا بالذود عن الدين الإسلامي كالعشاق الوالهين ما كانت الدماء تجري في عروقهم.
في العصور الأخرى أيضا قام شباب مثل “محمد بن قاسم” و”محمد الفاتح” و”القتيبة الباهلي” بدعم الإسلام وحمايته تجاه الملحدين والمؤامرين.
واستطرد فضيلته مخاطبا الطلبة: الطلبة الشباب عليهم أن يعلموا أن ما يرفع مكانتهم هو تبليغ أحكام الله إلى العالمين. على الطالب أن يعلم نفسه مسؤولا لتبليغ رسالة الرب إلى العباد. وهذه الرسالة هي التي تعطي لحياة الشاب المسلم قيمة ومكانة. وبغير هذا فلا معنى لحياة الإنسان، وحياته تكون عابثة. الإنسان الذي لديه غاية وهدف يفكر دائما كيف ينبه النائم الغافل وكيف يعلم الإنسان الجاهل، وهذا هو الشخص الذي لا يصرفه طمع ولا يخيفه تهديد، وهو في الحقيقة خليفة للرسول الكريم ومصداق لشباب أصحاب الكهف. لكن الطالب الذي لا غاية له في حياته فهو كورقة جافة تنفصل عن هيكل الأمة الإسلامية لا يشاهد فيها أثر من الطرواة والنضرة.
وتابع أستاذ الحديث في جامعة دارالعلوم زاهدان معتبرا صحوة الشباب سببا للصحوة الإسلامية في الشرق الأوسط قائلا: الصحوة الإسلامية التي شهدها العالم الإسلامي هي في الحقيقة تحققت بصحوة الشباب وحفظت بهؤلاء الشباب الذين جعلوا القرآن الكريم مقتداهم وبهم سيستمر إن شاء الله. الشباب الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الله وتركوا لذلك الملذات والشهوات.
وأضاف فضيلته في توضيح آية “وجاهدوا في الله حق جهاده”: الجهاد يعني مخالفة الأهواء النفسية، القيام في جوف الليل والتضرع إلى الله تعالى، الوضوء في المكاره، والذهاب إلى المساجد، هذا هو الجهاد في سبيل الله تعالى. أشخاص مصلحون كالغزالي والسعدي وابن خلدون وإقبال اللاهوري تطرقوا إلى هذا الجهاد.
في نهاية الخطبة أمر الشيخ قاسمي الطلبة إلى الصلة الوطيدة مع القرآن والسنة ومطالعة سيرة وحياة الأكابر في تاريخ الإسلام.

حواشي الجلسة:
شارك الطلبة بعد صلاة الظهر وتناول الطعام في صفوف الرد على الأسئلة والشبهات الفقهية والعقدية والسيرة وتاريخ الإسلام التي أقامها أساتذة جامعة دار العلوم زاهدان. كذلك التقى طلبة بعض المناطق مع فضيلة الشيخ عبد الحميد حفظه الله تعالى. كذلك وجد الطلبة في هذه الجلسة فرصة لينتفعوا أيضا من حواشي الجلسة التي كانت تشمل معرض الكتاب،وغرفة الصحافة الداخلية للجامعة،وقسم تحميل المطالب الدينية والإصلاحية.

الحلقة الثانية من الجلسة:
الحلقة الثانية والأخيرة من جلسة لقاء الطلبة الجامعيين السنة مع علمائهم عقدت بعد صلاة المغرب مفتتحة بتلاوة آيات من القرآن الكريم تلاها المقرئ “ضياء الرحمن صحت” من أساتذة الحفظ والتجويد في دار العلوم زاهدان، ثم خطابة فضيلة الشيخ عبد الحميد حفظه الله، إمام وخطيب أهل السنة ورئيس جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان.

العلوم الدينية والعصرية تكمل بعضها الآخر للوصول إلى السعادة والكمال:
أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في بداية خطابه إلى ضعف البشر المعاصر في البعد الروحي قائلا: البشر المعاصر وإن كان قد حصل على تقدمات كثيرة في الصناعة والاختراعات والاكتشافات، لكنه رغم ذلك أصيب بانحطاط في البعد الروحي وخسارة لا يمكن تداركها بالمادية والتغذية الجسدية، بل يتدارك بالتغذية الروحية.
واعتبر فضيلته تقدم الإنسان في الروح والمادة “جناحين للطيران نحو الكمال والسعادة” قائلا: نظرا إلى أن الإنسان مركب من الروح والمادة، عليه أن يتقدم في البعدين معا ليصل إلى الكمال والفلاح والسعادة. لأن هذان البعدان يعتبران جناحان للصعود نحو الكمال والسعادة. البشر لا يمكن أن يصل إلى الكمال إلا بتكوين نفسه وأن يفتح مكارم الأخلاق. مع الأسف البشر في العصر الراهن غفل البعد الروحي ونسي الآخرة ويزعم أنه خلق لمتاع الدنيا، مع أن المتاع الحقيقي في الدنيا يمكن بالتقدم في المعنويات.
واعتبر فضيلة الشيخ عبد الحميد مستندا بآية “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي” النعم المعنوية والمادية مكملة البعض قائلا: لو أن شخصا طلب النعم المادية وحرم عن النعم الروحية، لا تكمل نعم الله في حق شخص مثل هذا. النعم المادية والعلوم العصرية الراهنة وكذلك العلوم الدينية بعضها تكمل البعض.
وأضاف مدير جامعة دار العلوم زاهدان مشيرا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية كإنجازان هامان للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قائلا: القرآن الكريم كتاب لا نجد مثله في الكتب السماوية. القرآن معجزة الرسول الكريم التي لا تبلى، وهي تلبي حاجات الناس في كل عصر. كتاب تحدى خصومه ومخالفيه من اليهود والنصارى إلى يوم القيامة قائلا: “فأتوا بسورة من مثله”. في العصر الراهن حيث ينفق الأعداء مليارات دولار ضد الإسلام، لكنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بآية واحدة من القرآن الكريم. لنعلم أن الله تعالى أعطانا ثروة عظيمة.
كذلك وصف فضيلة الشيخ عبد الحميد في القسم الأول من الخطبة تعاليم الرسول تعاليم مثالية لا مثل لها، وأوصى القادة المعاصرين إلى اتباع أخلاق وسيرة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين. كما اعتبر الطريق الوحيد لسعادة الأمة ونجاحهم وعودتهم إلى المجد وعزتهم الفائتة، في إجراء أحكام القرآن الكريم وتعاليم السنة النبوية في كافة أبعاد الحياة.

القادة الناجحون هم الذين يراعون حقوق وحريات شعوبهم:
وقال خطيب أهل السنة القسم الأخير من خطبته: الأمة المسلمة في عصرنا بعد قضاء فترة من التقلبات والتطورات، عزمت العودة إلى الحضارة الإسلامية وأصلها. لأن الوعود الفارغة للغرب والشرق باتت عارية زيفها وكذبها، وكانت سببا لشقاء الأمة المسلمة. اضطرابات الأمة المسلمة ومشكلاتهم في العصر الراهن، حركة طبيعية للمجاوزة من تجربة تاريخية والدخول في عهد جديد.
وأضاف فضيلته: العالم الذي يدعي دعم حقوق الإنسان والديموقراطية، أصبح اليوم يتفرج سقوط عشرات الآلاف من المدنيين في البلاد المختلفة. دعاوي البلاد التي تدعي حقوق الإنسان والديموقراطية ليست إلا كذبا وخداعا، لأنهم سكتوا على الجرائم التي تحدث في بعض البلاد، وسمحوا أن يقصف شعب يطالب الحرية والإسلام والكرامة والعزة، بالقنابل والصواريخ. بأي ذنب يقتل هؤلاء الناس؟ هذه الحركة حركة إلهية نحو الكرامة والعزة الإنسانية والحرية، ولن تتوقف مثل هذه الحركة بإذن الله تعالى. انتفاضة الشعوب في الشرق الأوسط هي لأجل الحرية والعدالة. القادة الناجحون والأنظمة الناجحة هم الذين يراعون حقوق شعوبهم وحرياتهم، وينظرون إلى الناس جميعا بنظرة متساوية.

على الطلبة السنة أن لا ييأسوا أبدا:
وخاطب فضيلة الشيخ عبد الحميد الطلبة قائلا: لا ينبغي للطلبة السنّة في الجامعات أن ييأسوا بسبب بعض التعاملات السلبية، ويتخلفوا من التعلم والدراسة.
وأكّد عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن طريقنا هو “الدستور والحوار”، ونحن مخالفون للعنف والتطرف واستهداف الأبرياء. ولو أراد أحد الحوار والتفاوض معنا، فنحن أهل الحوار والتعامل، ومواقفنا دائما تجاه التطرف والعنف كانت واضحة.
وأضاف: نحن لم نتكلم بكلام خارج القانون وغير حقوقنا. نحن نطالب بالحرية والكرامة لأهل السنة في إيران. لسنا نريد أكثر من حقوقنا، ونعتقد أن النظام بعد مرور 34 سنة من عمره لقد كان لديه فرصة كافية لرعاية العدل وإعطاء أهل السنة حقوقهم، لكن مع ذلك يقول بعض المسؤولين لنا ردا على مطالبنا “أعطونا المزيد من الفرصة.” الفرصة إلى متى؟ ألا تكفي فرصة ثلث قرن لإجراء الدستور وتلبية حقوق المجتمع؟! لسنا متعطشين للمنصب والجاه. مطالبتنا بتوظيف أهل السنة وتوليتهم المناصب، حقنا. ونطرح هذه القضية لئلا يحقّر أهل السنة.
وتابع رئيس جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان، قائلا: لسنا طائفيين ولا مخربين، ولا نؤيد الطائفية ولا التخريب. نعتقد أن النظام الإسلامي فرصة، شريطة أن يهتم بالأقوام والمذاهب والفرق، ويراعي حقوق الجميع. حرية الرأي والحريات السياسية والمدنية حقوق جاء التأكيد حولها في الإسلام والقانون. ليس لنا حاليا مطلب خارج نطاق القانون. مطلبنا تنفيذ القانون في البلد بشكل صحيح وللجميع. أهل السنة في إيران ليسوا مهاجرين ولا مشردين، بل من السكان الأصليين لهذا البلد. نحن أبناء هذا الوطن وأصحابه. آبائنا كانوا حراس حدود هذا البلد قبل أن يعتلي “رضاخان” وإبنه على كرسي الحكم. نحن عشنا قبل الملوك والأنظمة في هذه المناطق. هذه البلاد بلادنا ويجب أن نشارك في مصيرنا.
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد، قائلا: أي حكومة تدير البلاد برؤية طائفية وحزبية لن تنجح. الحاكم الإسلامي خليفة للحاكمية الإلهية. كما أن الله تعالى يرزق جميع الناس ويتولى أمورهم، كذلك الحاكم يجب أن تكون نظرته واسعة تسع كافة أبناء الشعب ويراعي حقوق الجميع. الحزب والتيار الواحد لا يقدر على إدارة البلاد. يجب أن يتحد جميع الأحزاب والتيارات ويديروا البلد بسعة الصدر. في رحلاتي إلى البلاد الأخرى نصحت الرؤساء ومن لهم كلمة مسموعة في بلادهم، بمراعاة حقوق الأقليات وخاصة الشيعة، لأننا نعرف وندرك معاناة الأقليات جيدا.

لن نترك طريقنا المعتدل بالأكاذيب الإعلامية وضجيج المواقع المتطرفة:
وأضاف رئيس منظمة اتحاد المدارس الدينية لأهل السنة في محافظة سيستان وبلوشستان، قائلا: بعض المواقع والتيارات المتطرفة تزعم أنها بالضجيج وبث الأكاذيب بإمكانها أن تصرفنا عن طريقنا. لكننا بعون الله تعالى لن نترك طريقنا واتجاهنا الصواب بضجيج المواقع المتطرفة. نحن دافعنا عن هذا البلد وقد ضحينا واستشهد منا، ونؤكد أيضا على سيادة أراضي البلاد. نحن نرى أن مراعاة حقوق الأقوام والمذاهب هي خدمة للنظام ولصالح النظام والحكومة.
وتابع فضيلته: الحقوق لابد أن تردّ إلى أهلها، لأنها لا تضيع ضمن ضجيج المواقع. نحن نريد أن نخدم بلادنا، ونحرس حدود بلادنا، ونحافظ عليها، ولا يمكن هذا إلا أن يستخدم شبابنا ومثقفونا حسب التخصصات والأهلية والجدارة، ولا يعاملوا معاملة تمييزية.
وأضاف فضيلته: لسنا خونة للوطن، ولا خونة للدين الإسلامي، ولسنا متعطشين للمنصب، وكل ما نريده هي الخدمة للوطن وإرادة الخير للمجتمع.
وفي نهاية كلمته، انتقد فضيلته العراقيل التي وُضعت أمام كثير من الطلبة الذين كانوا يعتزمون المشاركة في هذا الحفل الكريم، قائلا: لو أذنوا لنا وفتحوا علينا أبواب الجامعات، لكنا نلتقي في الجامعات مع طلبتنا الكرام، وكنا نشجعهم على التدين والتعلم، ولكن مع الأسف لم يتحقق هذا، وفضلا عن ذلك، مُنع الكثير من الطلبة الذين قد توجّهوا إلى زاهدان للمشاركة في الجلسة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات