اليوم : 12 أغسطس , 2012

اتساع نطاق التمييزات ضد أهل السنة في إيران

اتساع نطاق التمييزات ضد أهل السنة في إيران

أهل السنة في جميع المناطق التي يسكنونها في إيران، وخاصة في محافظة سيستان وبلوشستان (حيث يشكلون الأغلبية في هذه المحافظة الواسعة) عانوا بعد الثورة التي أطاحت بنظام الشاه من التمييزات وعدم المساواة في المجالات المختلفة، كالتوظيف في الدوائر وتولي المناصب العامة، ومشاركتهم في إدارة البلاد. هذه القضية أثارت دائما انتقاد بعض نواب أهل السنة في مجلس الشورى كالمنابر الرسمية، وخطباء وأئمة الجمعة كالمنابر غير الرسمية للدفاع عن حقوق أهل السنة.
إن سياسة عدم توظيف أهل السنة سياسة غير مدونة، لكنها نفذت بحق أهل السنة باستمرار خلال هذه السنوات التي مرت على عمر النظام.
في زمن الإصلاحيين حاولت دولتهم المنتخبة كسب أصوات المواطنين السنة في البلاد، وفي المقابل أعطتهم بضعة مناصب من الدوائر المحلية في مدن بعض المناطق السنية وفي نطاق ضيق، لكن هذا الإعطاء لم يتجاوز من حدود معينة وضيقة، وبقيت إزالة هذه التمييزات في قالب الشعار للحملات الانتخابية للكثير من المرشحين للإنتخابات في الدورات القادمة أيضا.

الخطوط الحمراء:
مع أن عدم توظيف أهل السنة في الإدارات لا نطاق معين له، لكن يبدو أنها توجد العديد من الدوائر التي يحرم دخول أهل السنة كرؤساء فيها كاملا، وهي الخطوط الحمراء التي لا يجوز لأهل السنة الاقتراب منها، فضلا عن الدخول فيها. والتوظيف لأهل السنة في هذه المؤسسات والدوائر كموظفين عاديين إما لا وجود لها نهائيا، أو يتم انتخاب اختيار أشخاص معدودين.
من هذه المؤسسات:
– المؤسسات التابعة لقيادة الثورة.
– رئاسة الجمهورية.
– المخابرات.
– القوات المسلحة والشرطة.
– الإذاعة والتلفزيون الرسمي للبلاد.
– إدارة المحافظات.

في هذه المقالة نريد أن نسلط الضوء على جانب من التمييزات الطائفية التي يعاني منها أهل السنة في إيران، وخاصة في محافظة “سيستان وبلوشستان” ذات الأغلبية السنية.
في الآونة الأخيرة قام الحرس الثوري في محافظة سيستان وبلوشستان بإجراءت لتوظيف بعض أهل السنة في هذه المؤسسة، وليست عندنا معلومات صحيحة عن نتائجها وإحصائياتها، وليس من الواضح هل باستطاعة هذه القوى أن تحصل على الترفيع وكذلك المشاركة في الصفوف والمراتب العالية لإدارة هذه المؤسسة وفقا لكفاءاتهم وأهليتهم أم لا؟
في مستوى المحافظات ففي محافظة سيستان وبلوشستان تمت إجراءات بسيطة في زمن الإصلاحيين لمشاركة أهل السنة في بعض الدوائر الهامشية وغير الحساسة، واستمرت هذه المشاركة بشكل بطيء جدا كادت تتوقف في زمن “دهمردة” المحافظ السابق للمحافظة على سيستان وبلوشستان، حيث  أثارت في وقته انتقادات الكثيرين بالنسبة إلى تصرفاته التمييزية في  قسمي التوزيع التمييزي لميزانية المحافظة وأمور أخرى مثلها.
تعيين “إسماعيل ريغي” كرئيس لمؤسسة العمل والشؤون الإجتماعية في المحافظة وتعيين “المهندس عبد الجليل شهنوازي” كرئيس لمؤسسة الطرق والمواصلات في المحافظة، كان من إنجازات رئيس المحافظة في ذلك الوقت. ثم بتقاعد “إسماعيل ريغي” ونقل رئيس الطرق والمواصلات إلى منصب جديد، خلا هذان المنصبان عمليا من أهل السنة، ولم يتم اختيار بديل لهما لحد الآن.
هكذا بتقاعد بعض رؤساء الإدارات في محافظة سيستان وبلوشستان الذين لا يتجاوز عددهم أنامل اليد، اتسع نطاق التقييدات والتحديدات واتسعت سياسة طرد أهل السنة وتهميشهم من الإدارات الحكومية.
في زمن “المهندس آزاد” المحافظ الحالي لمحافظة سيستان وبلوشستان، رغم إعلان رغبته في مشاركة أهل السنة في إدارة المحافظة وبذل جهود في سبيل ذلك، وتعيين عدد من الحاكمين للمدن، لم نشهد خطوة عملية أخرى، ويبدو أن المحافظ خاضع بشدة لمطالب الجهات المتطرفة، فمن وجهة نظره في مجال الوحدة وتعامله في الأعمال التوسعية والعمرانية يخلو عن التمييز، لكن الظاهر أن قضية رئاسة الإدارات خارج عن دائرة اختياراته، ولا يمكن تجاهل الجهات الأخرى وخاصة العناصر المتطرفة في المنع من انتصاب رؤساء من أهل السنة في الدوائر الموجودة في هذه المحافظة.
يوجد حاليا من بين خمسة نواب المحافظ، نائب واحد من أهل السنة، وبتقاعد “حامد مباركي”، من المتوقع خلو نيابة إدارة محافظة سيستان وبلوشستان من أهل السنة. من بين  14 حاكما لمدن المحافظة، 3 منهم فقط من أهل السنة. وفي مؤسسة التعليم والتربية في المحافظة لا وجود لأهل السنة بين النواب الخمسة لهذه المؤسسة، كما أنهم لا مكانة لهم في المركزين الموجودين لمؤسسة التعليم والتربية في زاهدان. ورغم خلو  أحد المناصب في أحد المناطق في مدينة زاهدان لمدة طويلة واقتراح بعض نواب المحافظة والمثقفين لتعيين رئيس من أهل السنة، إلا أن “محمد قاسمي” رئيس دائرة التعليم والتربية في المحافظة لم يعط أدنى اهتمام لأهل السنة الذين يشكلون غالبية سكان المحافظة.
إن رؤساء الدوائر من أهل السنة لا يتجاوز عددهم قيد الأنامل في هذه المحافظة. كما أنهم لا حضور لهم في مجلس أمن المحافظة تماما، بينما أذعن المسؤولون دائما أنهم عاجزون عن توفير الأمن في المحافظة لو لا دعم السنّة، مع ذلك تسجل كافة الإنجازات بإسم “الجنود المجهولين للإمام الزمان” و”القوات المسلحة” وتبث في وسائل الإعلام، ولا يقدم شكر إلى العوامل الأصليين لتوفير الأمن وإزالة الأزمات.
بالنسبة إلى مؤسسة القضاء أيضا الوضع ليس بأحسن من هذا. نظرة واحدة إلى عدد القضاة والقوات الرسمية لهذه الجهة الهامة التي تؤثر تدابيرها على مصير المجتمع وأفراده مباشرة ويجب أن يكون مظهرا للعدل ومنفذا له، تثبت أن القضاء في محافظة سيستان وبلوشستان لم تستطع أن يدفع عنه التمييز بمشاركة أهل السنة في إدارة المحاكم ومجالات القضاء والاستشارة. فنظرا إلى خبرة علماء وخبراء من أهل السنة، لم ينتفع أبدا بوجودهم في هذه المؤسسة في حل المشكلات والأزمات والقضايا الإجتماعية.
التمييز مستمر في قسم التعليم والتعلم أيضا، ففي جامعة سيستان وبلوشستان، لو نظرنا إلى أعضاء المجلس العلمي فيها، نرى أن من بين 600 عضوا لهذا المجلس، 12 منهم فقط من أهل السنة، هذا وأن لأهل السنة في محافظة سيستان وبلوشستان عشرون خريجا بشهادة الدكتوراه من الهند فقط، لكن المسؤولون في الجامعة قاموا بخطوة غريبة إلى تدوين قانون يحرم توظيف خريجي الجامعات الأجنبية، ثم خلال العامين الماضيين لم يبتعث من طلبة أهل السنة طالب واحد، وإنما يبتعث شيعة المحافظة بلا حساب إلى الخارج للدراسة.

سياسة النظام العامة:

حول سياسة النظام العامة، فلم ينتشر في وسائل الإعلام المحلية ما يوضح وجهة نظر النظام حول عدم مشاركة أهل السنة في إدارة البلاد في مستوى المحافظة أو البلاد.
وما يتضح من الدستور كأهم وثيقة وطنية للنظام في إيران وبعض وجهات زعيم الثورة، أنها لا توجد رقابة قانونية لهذا الأمر، وأن ما يجري ضد أهل السنة كل ذلك قوانين غير مكتوبة و ناشئة عن سلائق بعض العناصر المتطرفة، والسيطرة القوية للحركات المتطرفة في النظام، وعدم التعامل القاطع للنظام مع هذا الظلم الواقع والإرادة الضعيفة للمسئولين في التعامل معه.
يحكى أن زعيم الثورة أبدى قلقه جدا في مجلس الشورى الإداري لمحافظة كردستان عندما شاهد حضورا ضعيفا لأهل السنة في إدارة هذه المحافظة، وقال كيف تديرون محافظة سنية بغير توظيف رؤساء من أهل السنة؟ إن كانت هذه الرواية صحيحة، تدل على أن وجهة نظر قائد الثورة في هذه القضية تختلف عما يجري في أرض الواقع. لكن هذه الوجهة كغيرها من نوايا المرشد لم تتحقق بل وكان العمل أثبت عكس ذلك. ويرجى مع وجود نظرية مثل هذه أن تبدأ إزالة التمييزات من داخل مؤسسة القيادة ويسمح أن يتولى أهل السنة إدارة أمورهم بأنفسهم في مناطقهم في المؤسسات التابعة للقيادة.
إن مبادرة الحرس الثوري الذي يقوم بدور مؤثر في مجالي  الأمن والاقتصاد في البلاد، وتراقب هذه المؤسسة المسائل الإقليمية والعالمية والظروف الحاسمة للبلاد خاصة في هذه المحافظة، والتطورات في المنطقة، ووصول الحركات الإسلامية السنية إلى الحكم في البلاد العربية التي نجحت ثوراتها، جديرة بالتأمل. وتعتبر هذه المؤسسة حاليا أول مؤسسة جعلت توظيف أهل السنة كالمجندين في قائمة أعماله في الآونة الأخيرة. فإن تحقق هذا الأمر واستطاعت قوى أهل السنة أن يقطعوا مراتب التقدم حسب أهليتهم من غير تمييز، سيحقق للحرس إنجازات في توفير أمن المنطقة، وستؤدي هذه الخطوة في النهاية إلى تنظيم هذه القوى والاستفادة الجيدة منها.
إن كانت توجد حاليا انتقادات إلى كيفية تعامل الحرس في الاهتمام الأكثر إلى العشائر والتغافل عن تغييرات المجتمع، وإهمال التقدم الجامعي والمثقفين الذي يكون مؤثرا بمرور الزمن في تغيير  المعادلات الاجتماعية. ثم  تسليح العشائر بناء على الثقة برؤساء هذه العشائر إن كان يتم بهدف توفير أمن المحافظة، لكن بإمكانها أن تترك آثارا سيئة في قادم الأيام نظرا إلى الخلافات الموجودة بين بعض القبائل وللنظام في بعض الأحيان. يبدو أن دخول الحرس إلى مشاركة سكان المحليين في أمن المحافظة من قناة واحدة وهي العشائر والقبائل التي يقل نفوذها يوما فيوما بسبب نمو الطبقة الجامعية، ستتحدى في قادم الأيام خطوات الحرس الثوري، وتقل من نطاق عمل هذه المؤسسة في المجتمع.

وصمة” الوهابية”:
من الوصمات التي تستعمل دائما لتهميش أهل السنة من إدارة البلاد، وهي تطرح في كل منطقة لمنع أهل السنة من الوصول إلى التوظيف، هي تهمة الوهابية. قضية مثل الوهابية كانت مطروحة منذ بداية الثورة، ودائما حذر المسؤلون وعلماء الشيعة بالنسبة إلى نموها. لكن في الحقيقة جرى تعظيم هذه القضية بشكل واسع، وبدل أن تكون ظاهرة مثل هذه بشكل واسع في مناطق أهل السنة، تبدلت هذه الوصمة حجة قوية لتهميش أهل السنة، حيث انتفعت التيارات المتطرفة من هذه الوصمة لمواجهة مشاركة أهل السنة في إدارة البلاد، وكانوا ناجحين إلى حد ما في الوقوف ضد أهل السنة، وحرمانهم من المشاركة السياسية والاجتماعية.

مستقبل مجهول:

في الأشهر الباقية من عمر هذه الدولة، لا يوجد أمل مطلوب في إزالة التمييزات، وأوضاع أهل السنة في الدولة القادمة أيضا مجهولة. فيواجه تحقيق العدالة الاجتماعية التي كانت من أهداف الثورة والتي وردت في الدستور أيضا، هالة من الغموض، ويبقى أيضا تحقق العدل وإزالة التمييزات كسراب وبلا جدوي، ما لم تكن إرادة قوية من قبل مسؤولي النظام الكبار لتحقيق هذه العدالة.
هذه الأحوال والأوضاع ليست جيدة، وخاصة في الظروف الحاسمة الحالية في العالم الإسلامي الذي شهد الصحوة الإسلامية التي أدت إلى وصول الإسلاميين من أهل السنة إلى الحكم في البلاد الإسلامية، وتأمل إيران في إقامة علاقات جيدة معهم وأن تكون أسوة للربيع العربي، بل تبقى إيران محرومة من أن تكون أسوة للعالم الإسلامي.
الخطوات التي رفعت لأجل إزالة التمييز في السنوات الأخيرة من قبل الدولة قليلة وبطيئة جدا، وهذه الخطوات لإزالة التمييزات لم تصل إلى الرئاسات في الدوائر التي هي من العناوين الظاهرة للتمييز، ويبدو أن مرشد الثورة الذي يملك الولاية المطلقة على كافة الأمور في البلاد، وبإمكانه إزالة التمييزات المذهبية في المجتمع، هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تقضي على هذه التمييزات الطائفية الواسعة التي يعاني منها أهل السنة في إيران.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات