اليوم : 6 يونيو , 2012

جزاء المؤمنين الصالحين (تفسير آية 25 إلى 29 من سورة البقرة)

جزاء المؤمنين الصالحين (تفسير آية 25 إلى 29 من سورة البقرة)

بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. (25)

المناسبة:
ذكر في الآيات التي قبل هذه الآية عذاب المنكرين لحقّية القرآن الكريم، كما ذكر في هذه الآية بشرى للذين يؤمنون بالقرآن؛ بشّرهم ربهم بالجنة ونعيمها الأبدي، من اللذات والفواكه والحور العين.

فقه الحياة أو الأحكام
إنما تعرض على أهل الجنة أنواع من الثمرات والفواكه، صورتها واحدة وطعمها مختلف، للتنزه والتمتع. وقال بعض المفسرين: “المراد بالتشابه في الثمرات، أنها تشبه فواكه الدنيا في الصورة والشكل، فإذا رآها أهل الجنة قالوا هذا ما أوتيناه في الدنيا؛ ولكنها تختلف عنها في اللذة والطعم كل الاختلاف، ولا تشاركها إلا في الإسم.
أما الأزواج المطهرة في الجنة، فهن اللاتي طهّرهنّ الله من كل عيب خلقا وخلقا؛ فهن طاهرات من كل ما يتنفر منه الإنسان عادة من خبث جسدي مما تبتلى به النساء في الدنيا، كالحيض والنفاس، أو نفسي كالكيد وسوء الخلق.
ثم ذكر أن نعيم الجنة ليس كنعيم الدنيا، لأن نعيم الدنيا في معرض الفناء والذهاب، ولكن المؤمنين الصالحين لا يزالون متمتعين بنعيم الجنة وهم فيها خالدون مسرورون. ومن الجدير بالذكر أن الله سبحانه وتعالى عندما بشّر المؤمنين بالجنة، زاد شرط العمل الصالح مع الإيمان؛ فعلم من هذا أن المؤمن الذي لا يختار العمل الصالح، لا يستحق هذه البشارة، وإن كان الإيمان يحفظ صاحبه من أن يخلد في النار. (روح البيان والقرطبي)

الهدف من ضرب الأمثال في القرآن
إِنَّ اللَّـهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾

التفسير المختصر
كان من المعترضين من يقول: لو كان القرآن كلام الله حقا، لماذا ذكر الأشياء التافهة كالبعوض والذباب؟ فأجاب عزّ من قائل: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}، أيّ مثال كان، بعوضة فما فوقها، أي أكبر منها في الصغر والحقارة.
{فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه} أي مثل {الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا} أي بهذا المثل، {فيضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين} أي الخارجين عن طاعته. {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} حيث أخذ منهم العهد فقال ألست بربكم فقالوا بلى ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، فيدخل فيه جميع ما أمر الله من صلات بين الأقرباء وعامة المسلمين، وما يجب على المسلم تجاه الناس، {ويفسدون في الأرض} بالكفر والإشراك والظلم وإضاعة الحقوق؛ {أولئك هم الخاسرون} المحرومون من الراحة في الدنيا ونعيم الآخرة. أما في الدنيا لأن الحاسد وإن حصل على نعمة، ولكن يعيش حياة مريرة قلقة بسبب الحسد.

فقه الحياة أو الأحكام
المناسبة:
ذكر الله سبحانه وتعالى في بداية السورة أن القرآن هو لا ريب فيه ولا شبهة فيه، ومن كان في شك منه فليأت بمثله أو سورة منه. وأما هنا فقد ذكر الله سبحانه وتعالى شبهة من شبهات منكري القرآن من اليهود والمشركين الذين كانوا يقولون لو كان هذا القرآن حقا فلماذا جاء فيه ذكر الذباب والبعوض وهما حشرتان صغيرتان حقيرتان. أليس هذا ينافي العظمة؟ لأنا نرى العظماء من الناس يستحيون عن ذكر الأشياء التافهة. فنزلت هذه الآيات دفعا لهذه الشبهة، وبيانا لحكمة الله في ضرب الأمثال، وتطمينا للمؤمنين.
{إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}:
فالله هو رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة وما فوقها؛ فليس في ضرب الأمثال ما يعاب؛ فلا داعي للاستحياء. وإنما تعتري هذه الشبهات على أناس زاغت قلوبهم، وانحرفت أفكارهم بالكفر والضلال، فحرموا الوعي الصحيح. أما المؤمنون فلا يعتريهم مثل هذه الشبهات الواهية.
ثم بيّن الله سبحانه وتعالى حكمة أخرى من ضرب هذه الأمثال، وهي امتحان الناس، لأنهم عندما يستعملون هذه الأمثال ينقسمون إلى فريقين، فريق وهم المؤمنون يتفكرون، فيقولون: إن الله خالق الأشياء حقيرها وعظيمها، فالكل لديه سواء، فيهتدون. وفريق آخر وهم الكافرون، يستهزؤن بالأمثال احتقارا لها، فحقت عليهم كلمة ربهم، فيزدادون كفرا وضلالا. ثم بيّن الله سبحانه وتعالى صفات هؤلاء الزائغين، فقال تعالى: هم الفاسقون الذين ينقضون عهد الله ويقطعون ما أمر الله أن يوصل، فيضيعون الحقوق ويفسدون في الأرض.
قوله تعالى: {بعوضة فما فوقها}: البعوضة أو أصغر منها. (المظهري)

{يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا}:
أمّا الهداية بالقرآن فظاهر وبديهي، فمن سمعه وفكر فيه وأطاع، اهتدى إلى الصراط المستقيم. ولكن قد يضل به كثيرون، أي من غلب عليهم الجهل إذا سمعوه كابروا وعاندوا، أو قابلوه بالإنكار، فكان ذلك سببا في ضلالهم وحرمانهم.

{وما يضل به إلا الفاسقين}:
معنى الفسق هو الخروج، وفي اصطلاح الشرع الخروج من طاعة الله تعالى، وذلك قد يكون بالكفر والإنكار، وقد يكون بارتكاب المعاصي والفجور، فيطلق الفاسق على الكافر، كما يطلق على العاصي. وقد كثر إطلاق الفاسقين على الكافرين في آيات القرآن، كما كثر إطلاق الفاسق على العاصي في مصطلح الفقهاء؛ فالفاسق عند الفقهاء هو الذي يرتكب الكبائر ولا يتوب، أو يصر على الصغائر ويتعوّد بها. (المظهري)
أما الفاجر فيقال لمن يرتكب الفسوق والمعاصي جهارا. فمعنى قوله {وما يضل به إلا الفاسقين}، أي وما يضلّ بضرب المثل إلا الذين خرجوا عن طاعة الله وغرقوا في المعاصي وتركوا جادة الحق. أما الذين يخافون ربهم فهم يهتدون بضرب الأمثال.

{الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}:
العهد والمعاهدة يكون بين رجلين أو فريقين، والميثاق هو العهد الذي أكّد باليمين والحلف. وهذه الآيات تؤكد وتوضّح مضمون ما سبق، وتبيّن سببين ضلال من يعترض على القرآن وأمثاله.
السبب الأول: أن هؤلاء ينقضون ما عاهد الناس عليه ربهم، حيث جمعهم قبل خلق هذا العالم وسألهم: “ألست بربكم”، فأجاب الجميع واعترفوا وقالوا: “بلى”. فمقتضى العهد أن يطيعه كل إنسان ولا يعصيه قيد شعرة.
وليعلم الناس أن الأنبياء والمرسلين إنما جاؤوا في هذا العالم ليذكروهم بإيفاء ذلك العهد، فالذين نقضوا العهد كيف يستفيدون من بعثة الأنبياء ونزول الكتب السماوية.
السبب الثاني: أن هؤلاء قطعوا ما أمر الله تعالى بوصله، ويدخل في حكم هذا صلة العبد بربه، والإنسان بوالديه وأقربائه وجيرانه وشركائه وعامة المسلمين؛ وإلإسلام هو عبارة عن تأدية حقوق الجميع؛ فالذين قصروا في تأدية الحقوق وقطعوا هذه الصلات، فهم الذين سببوا الفساد في الأرض، فقال عنهم في آخر الآية {يفسدون في الأرض وأولئك هم الخاسرون}.

ضرب الأمثال بالأشياء التافهة ليس بقبيح:
لقد ثبت من قوله تعالى ” إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها” أن ضرب الأمثال بالأشياء التافهة ليس بقبيح، ولا ينافي عظمة القائل. ومن ثم نرى في الكتاب والسنة وأقوال العلماء أمثالا يحسبها كثير من الناس منافية للحياء في العرف، ولكن نظرا إلى الواقع لم يكن بدّ من ذكرها.
قوله “ينقضون عهد الله”: ثبت من هذا أن نقض العهد من الكبائر وقد يسبّب الحرمان من الحسنات كلها.

أداء الحقوق واجب، وتضييعها من الذنوب الكبيرة
“إن الشريعة الإسلامية توجب على المرء أداء ما يجب عليه من حقوق، كما يحرم عليه قطع العلاقات الواجبة. ومما يجدر بالتدبر أن الدين الحق هو عبارة عن أداء الحقوق نحو الخالق والمخلوق، ولا شك أن صلاح العالم بإحياء الحق، وفساده بإضاعته.
فالذين يضيعون الحقوق، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، أولئك هم المفسدون في الأرض، وأولئك هم الخاسرون، لأنهم خسروا الآخرة، فلم يخسر أحد مثلهم. وفي الآية إشارة إلى أن الخسارة في الدنيا لا يعبأ بها، لأنها خسارة قليلة بالنسبة للآخرة.

مظاهر من قدرة الله في خلق الإنسان
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٨﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾

التفسير المختصر
{كيف تكفرون بالله} وتنسون إحسانه، وتشركون به غيره في العبادة، مع قيام البراهين القاطعة على وحدانيته؛ منها أنكم {كنتم أمواتا} أي نطفا في الأصلاب قبل نفخ الروح فيكم، {فأحياكم} أي وهبكم الحياة، {ثم يميتكم ثم يحييكم} بالبعث يوم القيامة، {ثم إليه ترجعون} للحساب والجزاء.
{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}، فلا يوجد شيء في الدنيا إلا وهو ينفع الإنسان، ولا يلزم من هذا أن يحل للإنسان استعمال كل شيء كالحيات والحشرات القاتلة، لأن أكلها مضر للإنسان، ولكن لها فوائد أخرى.
{ثم استوى إلى السماء} أي توجهت إرادته مع خلقه الأرض بمنافعها، إلى خلق السماوات وإكمالها، {فسوّاهنّ سبع سماوات} فجعل منها سبع سماوات منتظمات، والله محيط بكل شيء، عالم به.

فقه الحياة أو الأحكام:
المناسبة:
قد ذكر في الآيات السابقة مسئلة التوحيد والرسالة بالدلائل الواضحة، ومع الرد على المنكرين واتهاماتهم الباطلة. أمّا في هاتين الآيتين جاء ذكر نعم الله، وأظهر التعجب بالنسبة للذين ينكرون هذه النعم ويختارون سبيل الكفر والضلال، وكأنه يقال لهم إذا لم تتدبروا في الدلائل ففكروا في النعم واعترفوا بها، لأن الاعتراف بالنعم وإطاعة المنعم مما تقتضيه الفطرة البشرية السليمة.

{لعلكم تشكرون}
وقد ذكر في الآية الأولى، النعم التي توجد في نفس الإنسان، لأن الإنسان لم يكن شيئا مذكورا، فخلقه ورزقه الحياة. وفي الآية الثانية ذكر النعم الشاملة التي يستفيد منها الإنسان وسائر الخلق، فذكر الأرض وما يخرج منها، ثم ذكر السماوات وما ينزل منها.

{كيف تكفرون بالله}:
إن المشركين والكفار ما كانوا يكفرون بالله، ولكن لما كفروا برسوله وأنكروا رسالته، جعل الله سبحانه الكفر بالرسول كالكفر بالله تعالى.

{وكنتم أمواتا فأحياكم}:
الأموات جمع الميت، يطلق على الجماد وكل ما لا حياة له. ولو فكر الإنسان مراحل حياته، وجد أنه كان قبل ذلك مبعثرة في شكل ذرات بعضها جماد، وبعضها أشياء سائلة، وبعضها في شكل الأطعمة، فجمع الله هذه الذرات كلها من مكانها، ثم خلق فيها الروح، فصار كائنا حيا يتحرك بالإرادة.

{ثم يميتكم ثم يحييكم}:
فالله الذي خلق الإنسان من العدم وجعله يعيش في الدنيا بأجل مسمى، سوف يميته ويعدمه، فتتفرق أجزائه في الأرض كما كان قبل الحياة، ثم يحييه يوم القيامة. فهناك موتان؛ موت قبل الحياة في الدنيا، وموت بعد نهاية العمر في الدنيا وقبل الحياة في الآخرة.
اللطائف اللغوية:
وبما أن الحياة الأولى اتصلت بالموت الأول، ذكر كلمة “ف”، فقال “وكنتم أمواتا فأحياكم”، ولكن إذا تحقق الموت الأول، فبعد مدة طويلة تأتي الحياة الثانية، فذكر كلمة “ثم”، وهي للتراخي، فقال “ثم يميتكم ثم يحييكم”.

{ثم إليه ترجعون}:
أي إلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء على ما قدمتم من عمل.
ومن الجدير بالتدبر في هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها نعمة هي أساس النعم كلها، وهي الحياة، لأن جميع النعم يتوقف عليها. فالذي حرم الحياة، حرم النعم كلها. فكون الحياة نعمة بديهي ظاهر. لكن هنا ينشأ السؤال: كيف ذكر الموت في عداد النعم أيضا؟ الجواب: إن الموت بعد الحياة الأولى باب الحياة الأبدية التي لا موت بعدها، فالموت بهذا الاعتبار أيضا نعمة كبيرة.

المسألة:
ثبت من هذه الآية أن الذي ينكر رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ينكر كون القرآن كلام الله، فهذا الشخص وإن لم ينكر وجود الله وعظمته، ولكنه يعدّ في زمرة الذين ينكرون وجود الله، فهو من الكافرين حقا.

الحياة البرزخية:
ذكر في هذه الآية حياة واحدة وهي الحياة في الآخرة، ولم يذكر الحياة البرزخية التي تكون في القبر، وفي هذه الحياة يسأل المرء فيثاب على الحسنات ويعاقب على السيئات، وقد ثبت وجود الحياة البرزخية بالآيات والآحاديث الكثيرة، فلماذا لم تذكر هنا؟ والجواب عن هذه الشبهة أن الحياة البرزخية ليست كالحياة الدنيوية، ولا كالحياة الأخروية، وإنما تشبه كلتا الحياتين، ويمكن أن يقال إنها تكملة للحياة الدنيا ومقدمة للآخرة، ومن ثم لم تذكر على حدة.

“هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا”:
ذكر النعم العامة التي ينتفع بها الإنسان والحيوانات جميعا، والنعمة في هذه الآية تشمل الأشياء كلها، كالطعام واللباس والسكن والدواء والراحة، وجميع ما يحصل لأي إنسان في الدنيا.
“ثم استوى إلى السماء فسوهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم”:
أي قصدها قصدا مستويا، وأتم خلقهن، فجعلهن سبع سماوات تامات الخلق والتكوين، وهو يعلم كل شيء، فلا يصعب عليه خلق العالم.
كل ما خلق في الأرض نافع ولا يوجد في الخلق ما هو عبث:
ذكر في الآية أن جميع ما يوجد في الأرض، إنما خلق للإنسان لينتفع به مباشرة أو بواسطة شيء آخر. هناك أشياء ينتفع بها الإنسان في الدنيا، وأشياء خلقها الله ليعتبر بها الإنسان فيزداد إيمانا بالآخرة. ومن الجدير بالذكر أن كثيرا من الأشياء، يستفيد منها الإنسان في طعامه أو دوائه ويعلم ذلك، ولكن هناك أشياء يستفيد منها الإنسان ولا يعلم ذلك ولا يشعر. توجد أشياء يظنها الإنسان ضارة كالحشرات المؤذية والحيوانات الضارة والأشياء المحرمة، ولكنها أيضا قد تنفع الإنسان في بعض الأحيان؛ وما أحسن ما أنشد الشاعر بالأردية.
نہیں ہے چیز نكمی كوئی زمانے میں كوئی برُا نہیں قدرت كے كارخانے میں
(لا يوجد شيء تافه على مر الزمان كما لا يوجد سوء في صنع الله تعالى)
وقال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري:
وخلق لكم ليكون الكون كله لك، وتكون لله، فلا تشغل بمالك عما أنت له (البحر المحيط)

الأصل في الأشياء الإباحة:
استدل طائفة من العلماء من هذه الآية أن الأصل في الأشياء الإباحة، لأنها خلقت للإنسان، إلا ما حرّمه الله، فكل شيء حلال، ما لم تثبت حرمته في الكتاب والسنة. وقال طائفة منهم لا يلزم من كون الشيء نافعا للإنسان أن يكون حلالا طيبا، فالأصل هو الحرمة، ما لم يثبت الجواز في الكتاب والسنة. وقد توقف البعض.
قال ابن حيان: الصحيح أنه لا دليل لأحد في ذلك على ما ذهبوا إليه، لأن اللام في “خلق لكم” لبيان السبب، أي “خلق لأجلكم”، وليس في هذه الجملة ما يستدل به على حرمة شيء أو حلّه، بل إن أحكام الحظر والإباحة أفردت في القرآن والسنة، ويجب الأخذ بها من هنالك.
دلّت الآية على تقدم خلق الأرض على خلق السماء، كما يظهر من لفظة “ثم” وهو الصحيح، ولا يعارض هذا قوله تعالى في سورة النازعات “والأرض بعد ذلك دحاها”، لأن المراد من ذلك أن بسط الأرض وتمهيدها وإخراج الماء والمرعى منها تمّت بعد خلق السماوات، وإن كانت الأرض نفسها خلقت قبل السماوات. وثبت بهذه الآية أن السماوات سبع، وأن زعْمَ الفلكيين في عدّها تسعا رأي فاسد بني على الأوهام لا يستند إلى حجة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات