اليوم : 25 يوليو , 2011

تطبيق القرآن على الحياة

تطبيق القرآن على الحياة

لما نزل القرآن الكريم لم يمكن الإعلان بتعاليمه فضلاً عن تطبيقها في السنوات الأولی، فكان النبي صلی الله عليه وسلم يدعو الناس مختفياً، ثمّ بدء الجهر بالدعوة، ولكنه واجه مشكلات وعراقيل من ناحية القوم. ولما هاجر إلی المدينة وجد المسلمون هناك حرية في مجال العمل والتطبيق، ولكن مؤامرات الأعداء من اليهود والمنافقين شغلت المسلمين ست سنوات في المدينة بحيث لم يجدوا فرصة لصياغة نظام شامل في ضوء القرآن يطبقونه علی الحياة، لأن الغزوات الكبری وقعت في تلك المدّة مثل بدر وأحد والأحزاب وغيرها، حتی قامت الهدنة بين المسلمين والمشركين في العام السادس من الهجرة لمدة عشرة أعوام، ولكن قريشاً نقضوا العهد، ثم نشبت الحروب، فلم يجد النبي صلی الله عليه وسلم لتطبيق القرآن في المجتمع بالهدوء إلا سنتين، وفي هذه المدة كتب إلی ملوك العالم وبلّغهم رسالات الله ودعاهم الی القرآن، ثم وقع فتح مكة.
ولو استعرضتم السنوات الأربعة الأخيرة من عمر النبي صلی الله عليه وسلم، وجدتم أن القرآن الكريم طبق علی الحياة، وعمّ الحكم الإسلامي الجزيرة العربية إلی ثغور الروم والعراق والعدن.
ثم فكّروا أن الرسول صلی الله عليه وسلم كان أمياً، وكان أتباعه أميين لم يتعوّدوا طاعة الحكام، وأن المشركين واليهود والنصاری كلهم يريدون القضاء علی الإسلام. ولو تغاضيتم عن جميع هذا وتصورتم بيئة مناسبة لتطبيق النظام القرآني، فقولوا بالله، فإلی كم مدة يحتاج النبي صلی الله عليه وسلم لتطبيق هذا النظام الجديد، وإلي كم مال وكم رجال يحتاج لإصلاح الأمور والأوضاع، وهل كان يملك من الرجال والعدة والمال ما يكفيه لهذه المهمة، حتی يقدر علی تطبيق ما يريد؟
فإذا نظر عاقل بعين الإنصاف والاعتبار، يجد غير ذلك. أفلا يدل هذا كله علی قدرة الله الخاصة وإرادته ومشيئته وفيض عنايته.
ولا يعزبن عن البال أن وجوه إعجاز القرآن وتفاصيله بحث طويل؛ ألّف حولها علماء الأمة عشرات من الكتب بلغات شتی في أزمنة مختلفة، وإن أول كتاب ألّف حول الموضوع “نظم القرآن”، ألّفه الجاحظ في القرن الثالث الهجري، ثم ألّف أبوعبدالله الواسطي كتاباً سمّاه إعجاز القرآن في القرن الرابع، وألّف ابن عيسی الرباني كتاباً مختصراً باسم “إعجاز القرآن”، وقام القاضي أبوبكر الباقلاني في القرن الخامس بتأليف كتاب “إعجاز القرآن” وهو كتاب مفصل، ثم جاء العلّامة جلال الدين السيوطي فألّف كتابين قيمين وهما “الإتقان” و”الخصائص الكبری”، وتحدث بشأن وجوه إعجاز القرآن فيهما بالتفصيل، كما تحدث الإمام الرازي في “التفسير الكبير” بشأن الموضوع، والقاضي عياض في كتابه “الشفاء بتعريف حقوق المصطفی”، وفي الزمن الأخير ألّف المرحوم مصطفي صادق الرافعي كتابه ـ إعجازالقرآن ـ والسيد رشيد رضا المصري كتابه ـ الوجه المحمدي ـ وكلاهما كتابان قيمان ويتحدثان في الموضوع بالتفصيل والشمول، وفي اللغة الأردية ألّف أستاذنا العلامة شبير أحمد العثماني كتاباً سمّاه “إعجاز القرآن”.
وهذا من خصائص القرآن الكريم أن العلماء أفردوه لبعض مسائله رسائل وكتباً مستقلة لا توجد لها نظير، وذلك عدا التفاسير المفصلة الشاملة. ألا يكفي هذا دلالة علی أن هذا الكتاب كلام الله تعالی ومعجزة النبي الخالدة؟ وهل ينكر هذا إنسان عاقل عادل له قلب سليم؟

شبهات وردود
قد يقال من قبل الناس: يمكن أنها كُتبتْ وألّفتْ كتبٌ ومقالاتٌ مثل القرآن، ولكنها لم تحفظ حتی تصل إلينا، فلم نطلع عليها. ولكن العاقل المنصف لا يصدق هذا الإمكان، لأنه لا يخفی علی أحد أن المنكرين للقرآن أكثر عدداً من المؤمنين، كما لا شك في هذا أن إمكانيات الطباعة والنشر كانت متوفرة منذ القديم لدی المنكرين أكثر مما هي لدی المؤمنين، فكيف ألّف كتاب مثل القرآن ولم يصل إلينا، والقرآن ينادي الناس ويتحداهم ويثير غيرتهم، وقد رأينا الأعداء ولا نزال نراهم أنهم يضحون بأموالهم وأنفسهم ليصدوا عن سبيل الله وعن القرآن، فلو كان لديهم شيء مثل القرآن لما خفي علينا، ولقدّمه الأعداء إلی العالم، ولوجدنا إجابات من قبل المسلمين.
انظروا إلی قصة مسيلمة الكذاب الذي ادعی النبوة في يمامة وأتی بكلمات وعبارات قائلاً إنها مثل القرآن، ولكن اشتهر أمره واستهزأ به الناس حتی قومه، وسخروا منه، وكانت كلماته التي أتت بها، كلمات تنافي الحياء والعفة، ولا يمكن ذكرها في مجالس الصالحين، ومع كونها كذلك تناقلتها الكتب؛ فلو كان هناك كلام طيب يشبه القرآن، كيف لم يصل إلينا ولم يذكر في الكتب ولم يذكره حتى الأعداء.
إن الذين خالفوا القرآن وأظهروا العداوة، وتقوّلوا الأقاويل، ذكرت شبهاتهم في القرآن وأجيب عنها، ولكن لمَ لا يوجد ذكر لمن ادعی بإتيان مثل القرآن. ومن الجدير بالذكر أنه كان بالمدينة عبد رومي يعمل الحدادة وكان قد قرأ شيئاً من التوراة والإنجيل، وقد كان يأتي إلی النبي صلی الله عليه وسلم، فأعلن الأعداء المتعصبون أن هذا العبد هو الذي علّم القرآن للنبي صلی الله عليه وسلم، فالقرآن ذكر شبهتهم هذه وأجاب عنها وأفحمهم وأوضح أن هذا العبد الذي يقولون عنه أنه علّم النبي صلی الله عليه وسلم، هو عجمي ولا يعرف شيئاً من البلاغة، فكيف استطاع تعليم القرآن؟
وإلی هذا أشار القرآن الكريم في سورة النحل:
{لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103]
نعم! ادعی البعض أنهم يقدرون علی الإتیان بمثل القرآن، وقد نقل القرآن ادعاءهم { لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال : 31]. ولسائل يسأل لماذا لم يشاءوا ولم يفعلوا إن استطاعوا حتى يكونوا فاتحين وغالبين؟ أليس هم الذين ضحّوا بأموالهم وأنفسهم ليصدوا عن سبيل الله وعن القرآن؟ وهل الإتيان بمثله أصعب من التضحية بالأنفس والأموال؟
فجملة القول أن أعداء القرآن لم يسكتوا بعد أن تحداهم القرآن، بل حاولوا ليجيبوا عن هذا التحدي، ولكنهم رغم ذلك لم يقدموا شيئاً يدّعون أنه مثل كتاب الله.
ادّعی طائفة من الأعداء المعاندين أن النبي صلی الله عليه وسلم لما سافر إلی بلاد الشام، التقى حين رحلته بالراهب «بحيرا»، وكان الراهب عالماً بالتوراة، فتعلم النبي صلی الله عليه وسلم منه هذا العلم الذي نشره في صورة القرآن!
أو لم يفكر هؤلاء المساكين كيف يمكن لرجل أمي أن يتعلم كل هذه العلوم التي يحتويها القرآن والتي تشمل جميع شعب الحياة من تدبير المنزل إلی سياسة المدن والبلاد في مقابلة واحدة لا يستغرق يوماً واحداً؟!
ويقول البعض: لا يكفي لكون القرآن أنه لم يكتب كتاب مثله دليلا على إعجازه، لأن من البشر من يكتب كتاباً لا يوجد مثله، وذلك مثل السعدي الشيرازي الذي ألّف كتاب گلستان «الوردة»، ومثل الشاعر الكاتب «فيضي» ألّف تفسير «سواطع الالهام» بالحروف الغير المنقوطة؛ فهل هذا يدل علی أنهما معجزتان؟
ولو فكّر الذين يلقون مثل هذه الشبهة لعرفوا الحقيقة.
ألا يعرف هؤلاء أن الشيخ السعدي والشيخ فيضي ما كان یملكانه من إمكانيات التأليف والكتابة؟ فكم درسا في المدارس، وكم اجتهدا علی التعلم والتمرين علی الكتابة؟ وكم سهرا الليالي لأجل الدراسة، وكم تلمذا لدی العلماء الكبار حتی استطاعا أن يكتبا و يؤلفا كتابين مثل كلستان و سواطع الالهام؟
فلا غرو أن يكتب السعدي باللغة الفارسية والفيضي والحريري و المتنبي في العربية، والملتون في الإنجليزية، والهومر في اليونانية، وكالي داس في السنسكرتية، كتاباً تفوق علی سائر الكتب؛ لأنهم جميعا قضوا سنين في الممارسة والتدريب.
أما المعجزة، فتعريفها أن تتحقق بدون الأسباب العادية المعروفة. وهل المؤلفون الذين ذكرناهم كانوا يفقدون الأسباب المعروفة مثل الدراسة والتعلم والتدريب، أم يملكونها؟ فلو كان كلامهم وما كتبوه أحسن من كلام غيرهم فأي عجب في هذا؟!
ولكن العجب أن يقدم رجل كتاباً تخضع له ألوف أمثال السعدي وغيره، ويباهون به ويدينون له، وهو لم يدرس ولم يلتحق بمدرسة، ولم يمارس الكتابة أبداً، ولم يقرأ كتاباً قط؛ وهل المؤلفون البارعون مثل السعدي وغيره ادّعوا النبوة وتحدوا العالمين بإتيان كتاب مثل كتبهم؟ بل الأمر علی العكس، أنهم آمنوا بالله وصدّقوا رسوله، واعترفوا أن الفضل في أعمالهم وجهودهم يرجع إلی تعاليم النبي صلی الله عليه وسلم، وأنهم متطفلون علی مائدة النبوة بإذن الله تعالی.
ثم يجدر بالذكر أن الإعجاز القرآني لا ينحصر في العربية والفصاحة والبلاغة في التعبير، بل يتجلی الإعجاز في التأثير في القلوب والنفوس تأثيراً لا نظير له. ألا ترون كيف حدث انقلاب في الفكر والسلوك والنزعات، فتحول العرب الغلاظ الذين تعوّدوا العنف والسوء، إلی رجال صالحين، شيمتهم الصبر والحلم والتقی، فصاروا أساتذة لغيرهم، يعلمون الحكمة والمعرفة؛ وهذه حقيقة اعترف بها كثير من أعداء المسلمين. ولو جمع ما اعترفوا به لصار كتاباً ضخما.
جدير بنا أن ننقل هنا مقتطفات من كتاب «شهادة الأقوام علی صدق الإسلام» للعلامة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله:«يقول الدكتور “گلستادلي بان” في كتابه “حضارة العرب” معترفاً بالانقلاب الذي أحدثه الإسلام ونبي الإسلام: هذه قصة عجيبة تحير الألباب؛ لقد أخضع بجهوده شعباً لا يكاد ينقاد لأي حكومة كبيرة. إنه ربّی هذا الشعب وعلّمه حتی استطاع أن يدوخ دول العالم الكبيرة، ولم تنته قدرته بموته، لأننا نشاهد ملايين من البشر يدينون بدينه وينطقون بكلمة الإسلام وهو يستريح في قبره».
ومنهم من ترجم القرآن بلغته وهو “المستر دول” فيعترف بما يلي:
«عندما نقلب أوراق القرآن وندارسه، ففي البداية لا تؤثر علينا ولا توافق طباعنا، ولكنه بعد قليل يسخرنا ويحير عقولنا ويدعونا إلی تعظيمه، وإن أسلوب القرآن وما يحتويه من معان وأهداف في غاية الروعة والمهابة كما أن مفاهيمه لرفيعة بليغة جداً».
وقد نشر الكاتب المصري الشهير “أحمد فتحي بك زغلول” ترجمة كتاب الإسلام باللغة العربية لـ”المستر كونت هنري” الذي ألّفه باللغة الفرنسية؛ وإليكم ما كتب “المتسر كونت” بشأن القرآن الكريم:«إن العقل لفي حيرة عجيبة بالنسبة لما جری علی لسان رجل أمي، كلام يعجز العالم الشرقي أن يأتي بمثله لفظاً ومعناً، وهذا هو الكلام الذي أثر في عمر بن الخطاب رضي الله عنه فآمن به واهتدی به إلی الإسلام، وهذا هو الكلام الذي لما قرأه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه علی ملك الحبشة بشأن سيدنا يحيی عليه السلام وولادته، فبكي الملك ودمعت عيناه، فصرخ قائلاً: إن مصدر هذا الكلام وكلام عيسی كلاهما واحد». [شهادة الأقوام: 14]
وقد جاء في الموسوعة البريطانية في المجلد السادس عشر: «تجد في القرآن مفاهيم شتی يختلف بعضها عن بعض. يشتمل كثير من الآيات القرآنية علی القيم الدينية والخلقية. وما ذكر فيه من عجائب صنع الله في الكون والقصص ووحي الأنبياء، كلّ ذلك يدل علی عظمة الله ورحمته وصدقه، وأثبت عن طريق محمد صلی الله عليه وسلم توحيد الله وقدرته المطلقة، وحرمت فيه عبادة الأوثان والمخلوقات مطلقاً، وصحيح تماماً ما يقال: إن القرآن أكثر الكتب تلاوة في العالم كله».
وقال الدكتور “جيبون الإنجليزي” في كتابه “انحطاط روما” المجلد الخامس في الباب الخمسين:
«اعترف الناس بالنسبة للقرآن من المحيط الأطلنطي إلی نهر “كنكا” في الهند أن هذا الكتاب روح البرلمان والقانون الأساسي، ولم يكتف بذكر أصول الدين، بل ذكر القوانين وأحكام الجزاء، وما عليهما مدار المجتمع وحياة البشر؛ ولا ريب أن شريعة محمد صلی الله عليه وسلم تشمل جميع شعب الحياة وما يتعلق بتنظيمها وتنسيقها. ولقد أسست هذه الشريعة علی أصول لا يوجد نظيرها في العالم، وليس الغرض ههنا استقصاء ما قال المستشرقون، وإنما أردنا أن نذكر نماذج من أقوال تدل علی أن المسلمين ليسوا وحدهم هم الذين يعتقدون بأن القرآن كتاب لا نظير له، بل يشاركهم في هذا الاعتقاد كثير من غير المسلمين ممن أوتوا الإنصاف أن القرآن الكريم تحدي العالمين جميعاً، فلم يأت أحد بمثله؛ وهل يوجد في التاريخ البشري رجل غير النبي صلى الله عليه وسلم قدم نظاماً جديداً وتحدی الناس أن يأتوا بمثله، ثم وفق لتطبيق ذلك النظام في قوم أميين، مثل ما وفق النبي صلی الله عليه وسلم لتطبيق القرآن الكريم تطبيقاً لا يوجد له نظير».
يمكن أن يقول قائل ويدّعي مدّع أن الإتيان بمثل القرآن وإن كان صعباً في الأزمنة الماضية ولكنه هيّن وسهل في هذا الزمان؛ فنقول لهم: تعالوا واستخدموا كل ما أوتيتم من الإمكانيات الحديثة، وأتوا بمثل القرآن وطبقوه واستعينوا بمن شئتم وما شئتم؛ وهل تستطيعون؟ كلا ثم كلا! {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:24]

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات