اليوم : 20 يوليو , 2011

قبسات من حياة الشيخ “عبد الغفور” رحمه الله تعالى

قبسات من حياة الشيخ “عبد الغفور” رحمه الله تعالى

ضمن سلسلة من تراجم العلماء المعاصرين لأهل السنة في إيران، الذين قدّموا خدمات نبيلة، في مجال بث الوعي الديني وإصلاح التقاليد الجاهلية والبدعات، نقدّم إلى القراء الكرام ترجمة العالم الجليل الشيخ “عبد الغفور شه بخش” رحمه الله.

ولد رحمه الله سنة 1362 من الهجرة، في قرية ” قلعه بيد” من توابع مدينة زاهدان في أسرة ملتزمة سمته “عبد الغفور”. بدأ التعلم في المدرسة الإبتدائية في  قرية “قلعه بيد”، ثم التحق بالكتّاب، وكان الالتحاق بالكتّاب من أبرز طرق التعلم في ذلك الوقت.
تعلم قراءة القرآن الكريم في مسقط رأسه على “ملا داد محمد” في الطفولة، ثم رحل بعد دراسة الكتب الإبتدائية إلى باكستان وتلمذ على أساتذة كبار في “تيدي” لدارسة العلوم الشرعية والإسلامية.

من خصائصه:
كان رحمه الله عالما وقورا سخيا مهيبا شجاعا لا يخاف في الله وبيان الحق لومة لائم. قد ضحّى بكل حياته في سبيل الصحوة الدينية في المنطقة، ولم يتعب يوما من مكافحة الشرك والخزعبلات والتقاليد الباطلة في المنطقة، واستطاع أن يساهم بجهوده في نجاة وإنقاذ مجتمع قد أحاط به الشرك والمعاصي من كل جانب.

مكانته العلمية:
كان للشيخ رحمه الله مكانة خاصة في حياته بين الناس. كان متبحرا في علم التفسير، وقد قضى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته في باكستان في تفسير القرآن الكريم، وقد كان يسافر علماء بارزون للحضور في جلسات تفسيره.
لقد تعلم رحمه الله تفسير القرآن الكريم عند المفسر الكبير في باكستان شيخ القرآن “غلام الله خان” تلميذ الشيخ “حسين علي” رحمه الله في “راولبندي”.
ولما رجع رحمه الله إلى مدينة “زاهدان”، تطرق إلى تعليم وتفسير القرآن بالأسلوب الذي تعلمه من أستاذه في مسجد “إشاعة التوحيد”. كان رحمه الله ذو محبة كبيرة بأستاذه في تفسير القرآن الكريم، وكان دائما ينقل أقواله ومواعظه أثناء تفسيره لكتاب الله تعالى. وقد سمى ولده الأكبر باسم أستاذه، وهو لم يزل مشتغلا بالتدريس في مدرسة “إشاعة التوحيد”.

تأسيس مدرسة “إشاعة التوحيد” في زاهدان”:
هذه المدرسة أول مدرسة في المنطقة، وهي التذكار الوحيد للشيخ رحمه الله. سافر الشيخ عبد الغفور رحمه الله سنة 1386 من باكستان إلى إيران. ولما رأى الأوضاع الموجودة لأهل المنطقة، حيث انغمس الناس في الجهل والخرافات والشرك، عزم رحمه الله على أن يؤسس في المنطقة مؤسسة علمية لتعليم وتربية وإصلاح المجتمع من المعاصي والشرك. في نفس السنة التي عاد فيها من باكستان، بدأ بتأسيس هذه المدرسة ونشاطاته العلمية والدعوية والدينية، وبدأ الناس يأخذون أبناءهم إلى هذه المدرسة.
تعتبر هذه المدرسة أول مدرسة دينية في زاهدان، وخرّجت العديد من العلماء الربانيين إلى المجتمع نتيجة جهود الشيخ عبد الغفور الكبيرة.

من صفات الشيخ رحمه الله:
كان رحمه الله عالما ربانيا، صادقا، ملتزما، كثير الفكر والتدبر، عارفا بالحقائق، ذكيا، حارسا للدين ومسيطرا على مشاعره في الأحوال كلها، بحيث لم تكن تعدله عن الحق الشتائم والأقوال البذيئة.
هناك صفات ستة لقد بدت في شخصية الشيخ رحمه الله تعالى:

1– الكفاح ضد الشرك والبدع
في الوقت الذي رجع الشيخ إلى المنطقة، كان الناس  لقد اتخذوا من قبور أولياء الله، مزارات يتوسلون بتلك القبور بذبح الحيوانات عليها، وهذا مما يخالف الشرع. ولما رأى الشيخ أحوال الناس وأوضاعهم حيث انغمسوا هكذا في  الشرك والبدع والتقاليد الجاهلية، قام بمساعدة علماء بارزين كالشيخ “عبد العزيز” والشيخ “قمر الدين” والشيخ “محمد غل” رحمهم الله، بدعوة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك والبدع. ولقد أثمرت هذه الجهود المستمرة لهذه المجموعة بحيث تبدلت قرية “دزداب” الصغيرة إلى مدينة مثل “زاهدان”، يتوجه إليه الناس من مناطق مختلفة للتعلم فيها. وكذلك من نتائج جهودهم حيث تبدلت مدينة “زاهدان” إلى مدينة الحفاظ لكلام الله والقراء في المنطقة.

2– الشجاعة والصراحة في بيان القول
كان رحمه الله شجاعا وصريحا في بيان الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ولم يكن أحد يقدر على أن يعدله من بيان الحق، فكان يقول الحق ويشهد وإن كان ذلك على نفسه.
يحكي الشيخ “محمد شهداد السراواني” رحمه الله أن في عهد الحكومة البهلوية جاء مسؤولون كبار من قبل الشاه ليتلتقوا مع علماء اهل السنة بشأن موضوع تحديد النسل. بعد نهاية المؤتمر، انقسم العلماء إلى فريقين: فريق أبدوا موافقتهم مع طلبهم لتحديد النسل، وفريق اختارو الصمت، ولكن الشخص الوحيد الذي خالف هذا القرار ولم يوافق مع مطالبتهم، كان الشيخ عبد الغفور رحمه الله تعالى، حيث قام مخاطبا الحاضرين في المؤتمر: “في الجاهلية كان أهلها يسمحون لأولادهم بالعيش لمدة ثم كانوا يقومون بوأدها، ولكنكم تدّعون الإسلام وتريدون أن تقتلوا أولادا لما يولدوا”. ثم غادر رحمه الله المؤتمر.
هناك وقائع عديدة تدل على شجاعته وصراحته في بيان الحق.

3- الجهاد

كان من صفاته وأعماله الجهاد في سبيل الله، وكان رحمه الله لا يهدأ له بال وكان يفكر دائما في الجهاد ضد الكفار والمشركين، بحيث كان يقاتل ضد الشرك والبدع في المنطقة، ويرى ذلك من وظائفه.

4– الإخلاص في العمل
كان رحمه الله بسيطا في العيش، تقيا، شجاعا، مخلصا، لم يكن أحد يطلع على عباداته. كان يقوم الليل ويتهجد ويعبد الله ويتضرع إليه، ويدعو للمسلمين والمسلمات ونشر دعوة التوحيد.

5– التعامل الحسن مع الطلاب
من أهم خصائص الشيخ عبد الغفور رحمه الله تعالى مجالسة الطلبة. كان ينظر إلى الطلبة كأبنائه، ويحبهم، وكان رؤوفا رحيما، ويقضي معظم أوقاته مع طلبة العلوم الشرعية.

6– حسن الضيافة
كان رحمه الله مشهورا بإكرام الضيف. عندما كان يعيش في باكستان، يدعو كل طالب أو ضيف  أو زائر من إيران إلى باكستان إلى بيته ويكرمهم حسب استطاعته، ويعتبر الضيف حبيبا لله، ولم يخل بيته من الضيف؛ وإن لم يكن ضيف في بيته، كان يأتي بطلبة المدرسة إلى بيته ويطعمهم.

7- إزالة المزارات والأضرحة المزورة

كانت مزارات وأضرحة في مناطق مختلفة، حيث كان الناس يلجأون إليها ليل نهار للتوسل إلى أصحابها، وفعل العديد من الأعمال الجاهلية. مثل منطقة “ملك سياه كوه” وهي منطقة بين “زاهدان” و”زابل”، كان يأتي إليها الناس لقضاء حاجاتهم ومشكلاتهم. ولكن الشيخ رحمه الله لم يكن يطيق رؤية مثل هذه الأمور، فذهب مع عدد من الطلبة إلى هذه المنطقة وهدم ذلك الضريح للأبد، لئلا يجعلها الناس معبدا.
كذلك كانت شجرة قرب قرية “ده پابید” على بُعد حوالي 100 كيلومتر من مدينة “زاهدان”، یقال أن عمرها یتجاوز 2000 سنة حسب أقوال الناس، وكان يأتي إليها بعض الجهلة من عامة الناس  لرفع مشكلاتهم وتلبية حاجاتهم. ذهب الشيخ رحمه الله مع إبنه “غلام الله” وعدد من الطلبة إلى ضيافة شخص يسكن في قرية قريبة من هذه الشجرة. ولما مرّ الشيخ بهذه الشجرة قال للطلبة: “عندما نرجع من الضيافة نحرق هذه الشجرة لئلا يفكر أحد في عبادتها”. بعد العودة من الضيافة أحرقوا الشجرة ورجعوا من هناك إلى “زاهدان”.

أساتذة الشيخ:
كان الشيخ رحمه الله يتمتع بذكاء جيد، حيث استطاع خلال 6 سنوات في مدرسة “تيدي” في باكستان أن يتلمذ على أساتذة كبار أمثال الشيخ “قطب الدين”، والشيخ “عبد الهادي” والشيخ “عبد القادر” والشيخ “إمداد الله”.
وكذلك أتمّ دورة ترجمة القرآن الكريم وتفسيره على المفسر الكبير الشيخ “غلام الله”.
وكذلك كان من أساتذته الشيخ “خليل أحمد براهوئي” الذي كان مشتغلا في مدرسة في مدينة “كويتا” بباكستان.

تلامذة الشيخ رحمه الله تعالى:
بعد تأسيس مدرسة إشاعة التوحيد في زاهدان، اشتغل رحمه الله بالتدريس في هذه المدرسة، وربّى عددا كبيرا من الطلبة الذين اشتغلوا بخدمة الدين في مناطق مختلفة بعد ذلك.
للشيخ رحمه الله تلاميذ كثيرون، نكتفي بذكر بعضهم:
1- الشيخ “نعمة الله التوحيدي” رحمه الله، أستاذ التفسیر في جامعة دارالعلوم سابقا.
2- الشیخ “محمد شه بخش”، رئيس مدرسة إشاعة التوحيد.
3- الشیخ “عثمان الخاشي” أستاذ التفسير ورئيس مدرسة “مدينة العلوم” فی مدينة خاش.
4- الشیخ “محمد حسين کرکیج”، رئيس المدرسة الفاروقية بكاليكش (شمالي إيران).
5- الشیخ المقرئ “مهر الله”، رئيس مدرسة تجويد القرآن في مدينة “كويتا” عاصمة إقليم بلوشستان باكستان.
6- الشيخ “عبد الحكيم غمشادزهي” رحمه الله، رئيس شؤون الكتاتيب القرآنية التابعة لجامعة دارالعلوم زاهدان، سابقا.
7- الحافظ “محمد شريف توتازهي”
8- الحافظ “أمير حمزه” أستاذ تحفيظ القرآن الكريم في دار العلوم.
9- الشيخ المقرئ “محمود” رحمه الله، أستاذ التجويد في مدرسة تجويد القرآن في “كويتا” باكستان
10- الشيخ “عبد الحميد براهوئي نجاد” رئيس شؤون الكتاتيب القرآنية التابعة لجامعة دار العلوم، حاليا.

مؤلفاته:

كان النشاط في مجال القرآن الكريم والتفسير والعلوم القرآنية، من أبرز خدمات الشيخ رحمه الله تعالى، لأن القرآن الكريم منبع هداية الناس وإصلاح وتربية الأمة، وأن وتطورهم العلمي والفكري يرتبط بتدبرهم في القرآن الكريم والعمل على تعاليمه. لذلك كان رحمه الله يهتم اهتماما خاصا إلى تعليم القرآن والعلوم القرآنية.
قد ألّف رحمه الله في هذا الموضوع كتاب “خلاصة القرآن”، تطرق فيه إلى الربط بين السور وأسباب نزولها وخلاصة القرآن الكريم.
وله مصنفات أخرى ألّفها بهدف إشاعة العقائد الإسلامية وتنبيه الناس بالمسائل والأحكام العبادية.
من أهمها:
1- قضية مصارف الزكاة( باللغة الفارسية)
2- أحكام اللحية (بالفارسية)
3- قضية الإله (بالفارسية)
4- خلاصة القرآن.

ثناء أهل العلم عليه:
ذكر الشيخ “عبد العزيز” رحمه الله  في حلقة درس له، شجاعة الشيخ “عبد الغفور” وقال: “لقد علّمت أهل زاهدان الصلاة، ولكن الشيخ “عبد الغفور” علّمهم الإيمان والإعتقاد الراسخ إلى الله، وأهل زاهدان مدينون لشجاعة الشيخ عبدالغفور رحمه الله”.
يقول الشيخ عبد الرحمن محبي: “الشيخ عبد الغفور كان عالما مشفقا مجاهدا مخلصا وخادما للدين، وإن كل وجوده يتدفق باليقين، وكان أستاذا بارعا في بيان كلام الله وتفسيره”.

أولاد الشيخ رحمه الله:
لقد تزوج رحمه الله ثلاث زوجات، وله 15 ولدا، خمسة أبناء، وإثنان منهما وهما الشيخ “غلام الله” والشيخ “رحمة الله” يشتغلان بالتدريس في مدرسة إشاعة التوحيد في زاهدان.
أولاد الشيخ رحمه الله صالحون بحمد الله.

السنوات الأخيرة من حياته:
هاجر الشيخ رحمه الله بعد قضاء سنوات في زاهدان إلى باكستان، واشتغل قرابة سنتين بالتدريس في مدرسة تجويد القرآن في مدينة “كويتا”. وفي السنة الثالثة ابتلي رحمه الله بمرض السرطان في العنق، وتم نقله مع إصرار أهله إلى إحدى مستشفيات مدينة “كراتشي”.
نتيجة هذ المرض  توفي الشيخ عبد الغفور رحمه الله، في 8 من شهر ربيع الأول عام 1407 من الهجرة، في مدينة “كراتشي”، مودعا الدار الفانية إلى لقاء الرب تبارك وتعالى، وترك أهل السنة مغتما في فراقه.
تم نقل جثمانه من “كراتشي” إلى “كويتا”، وأودع هذا الجثمان الطيب إلى التراب للأبد.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات