اليوم : 19 يونيو , 2011

حافظ الحديث أبو حاتم الرازي (195 – 277 ه = 810 – 890 م)

حافظ الحديث أبو حاتم الرازي (195 – 277 ه = 810 – 890 م)

الإِمام ، الحافظ ، النّاقِد ، الرحالة , شيخ المُحدِّثِين ، الرازي . أحد الأئمّة الأعلام. كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات المشهورين بالعلم المذكورين بالفضل. من أقران البخاري ومسلم.
اسمه ونسبه:
محمّد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي ، أبو حاتم الرازي الحافظ .
قيل : إنّه مولى تميم بن حنظلة الغطفانى ، و قيل : كان يسكن درب حنظلة بالري فنسب إليه .
قال ابنه عبدالرحمن:
(قال أبي: نحن من موالي بني تميم بن حنظلة من غطفان)
قال أَبو الشَّيخ الحافظ: حكى لنا عبد الله بن محمّد بن يعقوب: سمعتُ أبا حاتِم يقول:
نحن مِن أَهل أصبَهان، مِن قَريَة جُرْوَكَان، وأَهلُنا كانوا يَقدُمُون علينا في حياة أَبي، ثمَّ انقَطعُوا عنَّا.

مولده:
و كان مولده سنة خمس و تسعين و مئة .
ولد في الري، وإليها نسبته.

الري:
مدينة الري تقع على بعد ستة كيلو مترات جنوب شرقي طهران.
واسمها عند اليونان راكس ((raxes وفي المئة الرابعة للهجرة خرب أكثرها وتحول أهلها إلى طهران القريبة منها.
وفي العصر الإسلامي كانت الري مدينة كبيرة. وقد حكى الاصطخري أنها كانت أكبر من أصبهان.
وطهران العاصمة كانت في العصر الإسلامي من قرى الري. ولكن حاليا صارت الري من توابع طهران الكبيرة.
وقال لوط بن يحيى: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمار بن ياسر, وهو عامله على الكوفة بعد شهرين من فتح نهاوند, يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الري, في ثمانية اَلاف, ففعل , وسار عروة لذلك, فجمعت له الديلم وأمدوا أهل الري, وقاتلوه, فأظهره الله عليهم, فقتلهم واستباحهم, وذلك في سنة (20) وقيل: في سنة ( 19)هـ ق.

نشأته:
قال عبدالرحمن ابنه:
سمعتُ أَبي يقول: كتَبتُ الحديث سَنة تِسع، وأَنا ابن أَربع عشرة سنةً.
وقال أيضاً:
سمعتُ أَبي يقول: أَوَّلُ سنَة خرجتُ في طلب الحديث، أَقَمتُ سَبع سنين، أَحصَيتُ ما مَشَيتُ على قدمي زيادةً على أَلف فَرسَخ.
قال الذهبي تعليقاً على كلامه: مسافة ذلك نحو أَربعة أَشهُر، سَيْرَ الجادَّة.
قال: ثمّ تركتُ العدَدَ بعدَ ذلك، وخرجتُ مِن البَحرَيْن إِلى مِصر ماشياً، ثمَّ إِلى الرَّمْلَة ماشياً، ثمَّ إِلى دِمَشْقَ، ثمَّ أَنْطَاكِيَة وطَرَسُوْسَ، ثمَّ رجعتُ إِلى حِمص، ثمّ إلى الرَّقَّة، ثمّ رَكِبتُ إِلى العِراق، كلُّ هذا في سفري الأَوّل وأَنا ابن عِشرين سنةً.
خرجتُ مِن الرّيِّ، فَدَخلتُ الكُوفَة في رمضان سنة ثلاث عشرة، وجاءنا نَعيُّ المُقرئ وأنا بالكُوفة، ثمّ رَحَلتُ ثانياً سنةَ اثنتين وأربعين، ثم رجعتُ إِلى الرَّيِّ سنةَ خَمس وأربعين، وحَجَجْتُ رَابِعَ حِجَّةٍ في سَنةِ خَمسٍ وخمسين.
وقال أيضاً:
سمعتُ أَبي يقول: بَقِيتُ في سنة أَربع عَشْرةَ، ثَمَانِيَةَ أَشْهُر بالبَصْرَة، وكان في نَفسي أَن أُقيم سنةً، فانْقَطَعَتْ نَفَقَتي، فجعلتُ أَبيعُ ثيابي حتّى نَفِدَتْ، وبَقَيْتُ بلا نَفَقةٍ، ومَضَيتُ أَطُوفُ مع صديق لي إلى المشيخَة، وأسمعُ إلى المساء، فانصرفَ رفيقي، ورجعتُ إِلى بيتي، فجعلتُ أَشربُ الماء مِن الجُوع، ثمَّ أَصبحتُ، فغَدا عَليَّ رفيقي، فَجعلتُ أَطُوفُ معه في سَماع الحديث على جوع شديد، وانصرفتُ جائعاً، فلمّا كان مِن الغَد، غدا عليّ، فقال: مُرَّ بنا إلى المشايخِ.
قلتُ: أَنا ضعيفٌ لا يُمْكِنُنِي.
قال: ما ضَعْفُكَ؟
قلتُ: لا أَكتُمُكُ أَمري، قد مضى يَومان ما طعمتُ فيهما شيئاً.
فقال: قد بَقِيَ معيَ دينار، فنِصْفه لك، ونجعل النِّصف الآخر في الكِرَاءِ، فخرجنا مِن البصرة، وأَخذتُ مِنه النِّصف دينار.
وسمعتُ أَبي يقول: خرجنا مِن المدينة، مِن عند دَاوُد ، وصرنا إلى الجار وركِبنا البَحر، فكانتِ الرِّيحُ في وجوهنا، فَبَقِيْنا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفَنِيَ ما كان معنا، وخرجنا إِلى البَرِّ نمشي أَيّاماً، حتّى فَنِيَ ما تَبَقَّى معنا مِن الزَّاد والماء، فمَشينا يوماً لم نأْكل ولم نَشرَب، ويوم الثَّاني كمثله، ويوم الثَّالث، فلمّا كان يكون المساء صلَّينا، وكُنَّا نُلقِي بأَنْفُسنا حيث كُنَّا، فلمّا أَصبحنا في اليوم الثَّالث، جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، وكنَّا ثلاثة أنفُسٍ: شيخ نَيْسَابُورِيٌّ، وأَبو زُهَير المَرْوَرُّوْذِيُّ، فسقط الشَّيخ مَغشيّاً عليهِ، فَجِئنا نُحرِّكُه وهولا يعقِل، فتركناه، ومشينا قدر فرسخ، فضَعُفتُ، وسقطْتُ مَغْشِيّاً عَلِيَّ، ومضَى صاحبي يمشي، فبصُرَ مِن بُعْدٍ قوماً، قرَّبُوا سفينتهم مِن البر، ونزلوا على بِئْر مُوْسَى، فلمّا عايَنَهُم، لوَّحَ بثوبه إليهم، فجاؤُوهُ معهُم ماءٌ في إِداوَة.
فسقَوه وأَخذوا بيده.
فقال لهم: الحَقُوا رَفيقَين لي، فما شَعَرْتُ إِلاَّ برَجُلٍ يَصُبُّ الماء على وَجهي، ففَتَحْتُ عينيَّ، فقلتُ: اسقِني، فَصبَّ مِن الماء في مَشربَة قليلاً، فشرِبْتُ، ورجَعَتْ إِليَّ نَفْسِي، ثمّ سقاني قليلاً، وأخذ بيدي، فقلتُ:
ورائِي شيخٌ مُلقَى، فذهب جماعةٌ إليه، وأخذ بيَدِي، وأَنا أَمشي وأَجُرُّ رِجلَيَّ، حتَّى إِذا بَلغْتُ إِلى عِندِ سَفِيْنَتِهِم، وأَتَوا بالشَّيخ، وأَحسنُوا إلينا، فبَقِينا أَيَّاماً حتَّى رَجَعَتْ إِلَيْنا أَنْفُسُنا، ثمَّ كتبوا لنا كتاباً إلى مدينةٍ يقال لها: رايَة، إلى واليهم، وزوَّدُونا مِن الكعك والسَويق والماء.
فلم نزلْ نَمشي حتَّى نَفِدَ ما كان معنا مِن الماء والقُوْت، فجعلنا نمشي جِياعاً عَلى شَطِّ البحرِ، حتَّى دُفِعْنا إِلى سُلحفاة مِثل التُّرْس، فَعَمَدْنا إِلى حجَرٍ كبير، فضربنا على ظَهْرها، فَانْفَلق، فإذا فيها مثلُ صُفرَة البَيضِ، فَتحَسَّيْناهُ حتَّى سكن عنّا الجوع  ثمّ وَصَلْنا إلى مدينة الرَّاية، وأَوصلنا الكتابَ إلى عاملها، فأَنْزَلَنا في داره، فكان يُقدِّمُ لنا كلَّ يوم القَرْعَ، ويقول لخادمه: هاتي لهم اليَقطِيْن المُبارَك، فيُقدِّمُه مع الخُبز أَيَّاماً.
فقال واحد منَّا: أَلا تدعو باللَّحم المشؤُوم؟! فسمع صاحب الدَّار، فقال: أَنا أُحْسِنُ بِالفَارِسِيَّة، فإِنَّ جدَّتي كانت هَرَوِيَّة، وأَتَانا بَعدَ ذلك باللَّحْمِ، ثمَّ زَوَّدَنا إِلى مِصر.

أساتذته:
سمِع: عُبَيْدَ اللهِ بنَ مُوْسَى، ومُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، والأَصْمَعِيَّ، وقَبِيْصَةَ، وأَبَا نُعَيْمٍ، وعَفَّانَ، وعُثْمَانَ بنَ الهَيْثَمِ المُؤَذِّن، وأَبَا مُسْهِرٍ الغَسَّانِيَّ، وأَبا اليَمَان، وسَعِيد بنَ أَبي مَرْيم، وزُهيرَ بن عبَّاد، ويَحْيَى بنَ بُكَير، وأَبا الوَلِيْد، وآدَمَ بنَ أَبِي إِيَاس، وثَابِتَ بنَ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدَ، وأَبَا زَيْدٍ الأَنْصاريَّ النَّحوِيّ، وعَبدَ اللهِ بنَ صَالِحٍ العِجْلِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بنَ صَالِحٍ الكَاتِبَ، وأَبا الجُمَاهِرِ مُحَمَّدَ بنَ عُثْمَانَ، وهَوْذَةَ بنَ خَلِيْفَةَ، ويَحْيَى الوُحَاظِيَّ، وَأَبَا تَوْبَةَ الحَلَبِيَّ…
ويتعذَّر استِقصاءُ سائِرَ مشايخه.
فقد قال الخليليّ: قال لي أَبو حاتِم اللَّبَّان الحافظ: قد جمعتُ مَن رَوَى عنه أَبو حاتِم الرَّازيّ، فبلغُوا قريباً مِن ثلاثة آلاف.
وهو مِن نُظَراء البُخاريِّ، ومِن طَبقتِه، ولكنَّه عُمِّرَ بَعدَه أَزْيَدَ مِن عِشرين عاماً.

تلاميذه:
حدّث عنه: وَلَدُهُ الحَافِظُ الإِمَامُ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَيُوْنُسُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَالرَّبِيْعُ بنُ سُلَيْمَانَ المُؤَذِّنُ شَيْخَاهُ، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ رَفِيْقُهُ وَقَرَابَتُهُ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَإِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ، وَأَحْمَدُ الرَّمَادِيُّ، وَمُوْسَى بنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ – فِيْمَا قِيْلَ – وَابْنُ صَاعِدٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ، وَحَاجِبُ بنُ أَرْكِيْنَ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الكِنَانِيُّ، وَزَكَرِيَّا بنُ أَحْمَدَ البَلْخِيُّ، وَالقَاضِي المَحَامِلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدٍ العَطَّارُ، وَأَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ القَطَّانُ، وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَكِيْمٍ، وَسُلَيْمَانُ بنُ يَزِيْدَ الفَامِي، وَالقَاسِمُ بنُ صَفْوَانَ، وَأَبُو بِشْرٍ الدُّوْلابِي، وَأَبُو حَامِدٍ بنُ حَسْنَوَيه…
ومن أصحاب السنن أبو داود والنسائي .

رحلاته:
وتنقّل في العِراق والشّام ومِصر وبَحرين…
قال الذهبي: رحل وهو أمرد.
وبقي في الرّحلة زمانا, فقال: أوّل ما رحلتُ أقمتُ سَبع سِنين, ومشيتُ على قدمي زيادة على ألف فَرسخ، ثمّ تَركتُ العَدَد، وخرجتُ مِن البَحرين إلَى مصر ماشِيا، ثمّ إلى الرّملة ماشياً، ثمّ إلى طرسوس و لي عشرون سنة.

إمام الجرح والتعديل:
قال الإمام الذهبي في السير:
إذا وثَّق أَبو حاتِم رَجُلاً فتمسَّكْ بقوله، فإنَّه لا يُوَثِّقُ إلاّ رَجُلاً صَحيحَ الحديثِ، وإذا ليّن رَجُلاً، أَو قال فيه: لا يُحْتَجُّ بهِ، فتَوَقَّفْ حتَّى ترَى ما قال غيرُه فيه، فإِن وَثَّقَه أَحد، فلا تَبْنِ على تجريح أَبي حاتِم، فإِنَّه مُتَعَنِّتٌ في الرِّجال، قد قال في طائفة مِن رجال (الصِّحَاح): ليس بحُجَّة، ليسَ بِقَوِيٍّ، أو نحو ذلك.

سعة حفظه:
قال عبدالرحمن ابنه : سمعتُ أبِي يقول : قلتُ : على باب أبي الوليد الطيالسي : مَن أغربَ علي حديثاً غريباً مسنداً صحيحاً لمْ أسمعْ بِه ، فَله علي درهم يتصدّق به . و قد حضر على باب أبي الوليد خلق مِن الخلق ; أبو زرعة فمَن دونه ، و إنّما كان مرادى أن يلقى علي ما لم أسمع به ليقولوا : هو عند فلان فأذهب فأسمع ، و كان مرادى أن أستخرج منهم ما ليس عندى ، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب علي حديثا .
و قال أحمد بن سلمة النيسابورى : ما رأيتُ بعد إسحاق و محمد بن يحيى أحفظ للحديث, و لا أعلم بمعانيه مِن أبي حاتم محمّد بن إدريس .
قال أبو حاتِم : قدم محمد بن يحيى النيسابوري الرّي, فألقيتُ عليه ثلاثة عشر حديثاً مِن حديث الزّهري فلم يعرفْ منها إلّا ثلاثة .
و هذا يدلّ على حفظ عظيم ، فإنّ الذهلي شهد له مشائخه و أهل عصره بالتبحّر في معرفة حديث الزهري ، و مع ذلك فأغرب عليه أبو حاتم .

إجادته بعلل الحديث:
قال ابن أَبي حاتِم: سمعتُ أَبي يقول: جَرَى بيني وبين أَبي زُرعَة يوماً تَمْيِّيزُ الحديث ومعرفته، فجعل يذكُر أَحاديث وعللَها، وكذلك كنتُ أَذْكُرُ أَحاديثَ خطَأ وعللها، وخطَأ الشّيوخ، فقال لي:
يا أَبا حاتم! قلَّ مَن يفهم هذا، ما أَعزُّ هذا! إذا رَفَعتَ هذا مِن واحد واثنين فَما أَقلَّ مَن تَجدُ مَن يُحْسِنُ هذا! ورُبَّما أَشُكُّ في شيءٍ، أَو يَتَخَالَجُنِي في حديث، فإِلَى أَن أَلْتَقِي معك لا أَجِدُ مَن يَشفِينِي مِنهُ.
قال أَبي: وكذلك كان أَمري.
يحكي أبوحاتم ما جرى بينه وبين رفيقه أبو زرعة في مسألة رفع اليدين في القنوت, يقول: قال لي أبو زرعة :
ترفع يديك في القُنُوت؟
قلتُ: لا، فترفع أَنت؟
قال: نعم.
قلت: فما حُجَّتُك؟
قال: حديث ابنِ مسعود.
قلتُ: رواه لَيث بن أَبي سُلَيم.
قال: فحديث أَبي هُرَيْرَة؟
قلتُ: رَوَاهُ ابن لَهِيْعَةَ.
قال: حديث ابن عَبَّاس؟
قلتُ: رَوَاهُ عَوفٌ.
قال: فما حُجَّتُكَ في تَركه؟
قلت: حديث أَنس بن مالك: أَنَّ رسولَ الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ، إِلاَّ فِي الاسْتِسْقَاء).
فسكت.
وقال عبدالرحمن بن أَبي حاتِمٍ في أَوَّل كتاب (الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ) له:
سمعتُ أَبي يقول: جاءني رجُلٌ مِن جِلَّة أَصحاب الرَّأْي، مِن أَهْل الفَهم مِنهُم، ومعه دَفتَر، فَعَرَضَهُ عَليَّ، فقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ خطَأٌ، قد دخل لصاحبه حديثٌ في حديثٍ، وهذا بَاطِلٌ، وهذا مُنْكَرٌ، وسائر ذلك صِحَاح.
فقال: مِن أَين عَلمتَ أَنَّ ذاك خطَأٌ، وذاك بَاطِلٌ، وذاكَ كَذِبٌ؟ أأخْبَرَكَ راوي هذا الكتاب بأَنِّي غَلِطْتُ، أَو بأَنِي كذَبْتُ في حديث كذا؟
قلتُ: لا، ما أَدري هذا الجُزء مَن راوِيهِ، غَيرَ أَنِّي أَعلمُ أَنَّ هذا الحديث خَطَأٌ، وأَنَّ هذا باطِلٌ.
فقال: تَدَّعِي الغَيب؟!
قلتُ: ما هذا ادِّعَاءُ غَيْبٍ.
قال: فما الدَّليلُ علَى ما قُلْتَ؟
قلتُ: سَلْ عمَّا قُلتُ، مَن يُحْسِنُ مِثلَ ما أُحْسِنُ، فإِن اتَّفَقْنا عَلِمتَ أَنَّا لم نُجَازِفْ ولم نَقُلهُ إِلاَّ بِفَهْمٍ.
قال: ويقول أَبو زُرعَة كقولك؟
قلتُ: نعم.
قال: هذا عَجَبٌ!.
قال: فكتبَ في كاغَد أَلفاظي في تلك الأَحاديثَ، ثمَّ رجع إِليَّ، وقد كتبَ أَلْفاظ ما تكلَّمَ به أَبو زُرْعَةَ في تلك الأَحادِيث، فقال: ما قُلتَ إِنَّه كذِبٌ، قال أَبو زُرْعَة: هو باطلٌ.
قلتُ: الكَذِبُ والباطِلُ واحد.
قال: وما قُلتَ إِنَّهُ مُنكر، قال: هو مُنْكَرٌ، كما قلتَ، وما قُلْتَ: إِنَّهُ صَحِيْحٌ، قال: هو صَحيحٌ.
ثمَّ قال: ما أَعَجَبَ هذا! تتَّفَقَان مِن غير مُواطَأَةٍ فِيما بَينَكُما.
قلتُ: فَعِنْدَ ذلك عَلِمتَ أَنَّا لمْ نُجَازِفْ، وأَنَّا قُلْنا بِعِلمٍ ومَعْرِفَةٍ قد أُوْتِيْنَاهُ، والدَّلِيْلُ علَى صِحَّةِ ما نقُوْلُه أَنَّ ديناراً بَهْرَجاً يُحمَلُ إِلى النَّاقد، فيقول: هذا بَهْرَجٌ.
فإِن قيل لَه: مِن أَين قلتَ: إِنَّ هذا بَهْرَجٌ؟ هل كنتَ حاضراً حين بُهْرِجَ هذا الدِينار؟
قال: لا.
وإن قيل: أَخبَرَكَ الَّذي بَهْرَجَهُ؟
قال: لا.
قيل: فمن أَين قُلْت؟
قال: علْماً رُزِقْتُهُ.
وكذلك نحن رُزِقْنا مَعرِفَة ذلك، وكذلك إذا حُمِلَ إِلى جَوْهَرِيٍّ فَصُّ ياقُوْت، وفصُّ زُجاج، يعرف ذا مِن ذا، ويقول كذلك.
وكذلك نحن رُزِقْنَا عِلْماً، لا يتهيَّأُ له أَن نُخْبِرُكَ كيف عَلِمْنا بأَنَّ هذا كذِبٌ، أَو هذا منكَر، فنعلم صِحَّة الحديث بعَدَالَةِ نَاقِلِيْهِ، وأَنْ يكون كلاماً يصلُحُ أَن يكون كلامَ النُّبُوَّة، ونعرفُ سَقَمهُ وإِنْكَارَهُ بتَفَرَّدِ مَن لم تَصِحَّ عَدالَتُه.
و قال أيضاً:
سمعتُ أَبي يقول: كان محمَّد بن يزيد الأَسفاطِيُّ قد وَلِعَ بالتَّفسير وتَحَفُّظِه، فقال يوماً: ما تحفَظُونَ في قوله تعالى: {فَنَقَّبُوا فِي البِلاَدِ} [ق: 36].
فبقيَ أَصحاب الحديث يَنظُرُ بعضُهم إِلَى بَعضٍ، فقلْتُ:
حَدَّثَنا أَبُو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علِيِّ بن أَبي طَلْحَة، عَن ابنِ عبَّاس، قال: ضَرَبُوا فِي البِلاَد.
فاستحسنَ.

مؤلفاته:
ترك أبو حاتم مؤلفات جليلة , وأوّل كتابه للحديث كان في سنة تسع ومائَتَين.
قال عبدالرحمن ابنه:
سمعتُ أَبي يقول: كتَبتُ الحديث سَنة تِسع، وأَنا ابن أَربع عشرة سنةً.
له (طبقات التابعين) وكتاب (الزينة ) و (تفسير القرآن العظيم ) المجلد الثالث منه، في المكتبة المحمودية بالمدينة (الرقم 49 تفسير) كتب سنة 872 (ذكر في مجمع اللغة 49: 72) و (أعلام النبوة) في مكتبة محسن الهمذاني في ناربورة، بالهند (كما في المخطوطات المصورة).

مذهبه الفقهي:
ذكره القاضي أبو الوليد الباجي في أئمة المالكية، في فرقه. ولم يذكر طبقته، ولا اسمه.
وقال الحافظ أَبو القاسم اللاَّلْكَائِيُّ: وجدتُ في كتاب أَبي حاتِم محمَّد بن إِدريس الحنظليّ، ممَّا سمِعَ مِنه، يقول: مذهبُنا واخْتِيارُنا اتِّباع رسول الله -صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأَصحابه والتَّابعين، والتَّمسُّك بمذاهب أَهل الأَثر، مِثل الشَّافعيِّ، وأَحمد، وإِسحاق، وأَبي عُبَيد، ولزُومُ الكتاب والسُّنّة، ونَعتقد أَنّ الله -عزَّ وَجَلَّ- على عرشه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ} [الشُّوْرَى: 11] وأَنّ الإِيمان يزيد ويَنْقُص، ونُؤمِن بعذاب القبر، وبالحوض، وبالمُسَائَلَة في القبر، وبالشَّفاعة، ونترحَّم على جميع الصَّحابة…. وذكر أشياءً.

من أقواله:

قال عبدالرحمن : سمعتُ أبي يقول : أكتب أحسن ما تَسمَع ، و احفَظ أحسَنَ ما تَكتُب ، و ذاكر بأحسنِ ما تحفظ .
و قال أبو أحمد بن عدي الحافظ : سمعتُ القاسم بن صفوان البرذعي يقول : سمعتُ أبا حاتم الرازى يقول : أورع من رأيتُ أربعة :
آدم بن أبى إياس ، و ثابتُ بن محمد الزاهد الكوفى ، و أحمد بن حنبل ، و أبو زرعة الرازي .
قال القاسم : فذكرتُه لعثمان بن خُرَّزاذ ، فقال عثمان : أنا أقولُ : أحفَظُ مَن رأيتُ محمّد بن المِنهال الضَّرير ، و إبراهيم بن عَرعَرَة ، و أبو زُرعة ، و أبو حاتم .
و قال محمد بن هارون الرازى : أنشدنا أبو حاتم الرازى :
تفكرت فى الدنيا فأبصرت رشدها و ذللت بالتقوى من الله خدها
أسأت بها ظنا و أخلفت وعدها فأصبحت مولاها و قد كنت عبدها .

ثناء العلماء عليه:
قال الإمام الذهبي : كان مِن بُحُور العِلم، طوَّفَ البلاد، وبرع في المَتن والإِسناد، وجمعَ وصَنَّفَ، وجَرَح وعَدَّلَ، وصَحَّحَ وعَلَّل.
قال عبد الرَّحمن بن أَبي حاتم: سمعتُ موسَى بن إِسحاق القاضي يقول: ما رأَيتُ أَحْفَظَ مِن والِدِك.
وكان قد لَقِيَ أَبا بكر بن أَبي شَيْبَة، وابنَ نُمَير، وابنَ مَعِيْن، ويحيَى الحِمَّانِيَّ.
و قال عبد الرحمن أيضا : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : أبو زرعة و أبو حاتم إماما خراسان . و دعا لهما ، و قال : بقاؤهما صلاح للمسلمين.
قال الخطيب: كان أَبو حاتِم أَحَدَ الأَئِمَّةِ الحُفَّاظِ الأَثبَات…
قال الخليليّ: كان أَبو حاتِم عالِماً باخْتِلافِ الصَّحابة، وفِقْهِ التَّابعين، ومَن بَعدَهُم، سمعتُ جدِّي وجماعةً ، سمعُوا عليَّ بنَ إِبراهيم القَطَّان يقول: ما رَأَيتُ مِثل أَبي حاتِمٍ!
فقلنا له: قد رأَيتَ إِبراهيم الحَرْبيَّ، وإِسماعيل القاضِي؟
قال: ما رأَيتُ أَجْمَعَ مِن أَبي حاتِم، ولا أَفضَلَ مِنهُ.
و قال المزى :
قال أبو بكر الخطيب : كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات ، مشهور بالعلم ، مذكور بالفضل .
و قال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال : أبو حاتم إمام فى الحديث.
و قال النسائى : ثقة .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهانى : إمام فى الحفظ .
وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائى : كان إماما عالما بالحديث ، حافظاً له ، مُتقِنا, مُتَثَبِّتاً.
وقال أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن شعيب الطبري : إذا رأيتَ رازيّاً و خُراسانيّاً يحِبُّ أبا حاتِم و أبا زُرعَة فاعلَمْ أنّه صاحب سنّة .
وقال أحمد بن سلمة الحافظ النَّيْسَابُوْرِيُّ: ما رأيتُ بَعدَ إسحاق, و محمد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلَمَ بمَعانيه مِن أبي حاتم.
قال الحافظ عبد الرّحمن بن خِرَاش: كان أَبو حَاتِمٍ مِن أَهل الأَمانَة والمَعرفة.

وفاته:

مات الحافظ أَبو حاتم: في شعبان، سنة سبع وسبعين ومائتَين, بالرّي.
عاش اثنتان وثمانون سنة. رحمه الله تعالى.
ولأَبي محمّد الإِيادِي الشَّاعر مَرثِيَّةٌ طويلة في أَبي حَاتِمٍ، روَاها عنه ابنُ أبي حَاتِمٍ، أَوَّلها:
أَنَفْسِي  مَالَكِ  لاَ  تَجْزَعِيْنَا    *    وَ عَيْنِيَ   مَالَكِ  لاَ   تَدْمَعِيْنَا
أَلَمْ  تَسْمَعِي  بِكُسُوْفِ  العُلُو  *   مِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ مُحقاً مَدِيْنَا
أَلَمْ  تَسْمَعِي خَبَرَ المُرْتَضَى  *     أَبِي   حَاتِمٍ   أَعْلَم   العَالَمِيْنَا

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي
***********************************

من مراجع البحث:
ترتيب المدارك وتقريب المسالك – القاضي عياض (ج 1 / ص 433)
معجم البلدان – ياقوت الحموي (ج 2 / ص 379)
الوافي بالوفيات – الصفدي (ج 1 / ص 226)
تذكرة الحفاظ – الذهبي (ج 2 / ص 567)
الأعلام للزركلي – (ج 6 / ص 27)
سير أعلام النبلاء  / الذهبي
موقع (المنهاج الإسلامية)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات