اليوم : 30 مايو , 2011

سنة إيران وشيعة السعودية

سنة إيران وشيعة السعودية

قام بعض المواقع المتطرفة أخيرا بمقارنة أوضاع أهل السنة والجماعة في إيران وأوضاع شيعة السعودية، زاعمة بأن أهل السنة في إيران يتمتعون بحرية ومكانة أفضل مما عليها شيعة السعودية. تقدم في هذه المقالة مقارنة مستعجلة في الموضوع ليحكم القراء بأنفسهم.
إن “الجمهورية” و”الملوكية” نظامان لهما تاريخ قديم في العالم، وندرك من تعريف الجمهورية، أن في النظام الجمهوري، المعيار لإدارة البلاد وانتخاب المسؤولين هي آراء الشعب، وبتعبير آخر، في دولة جمهورية رأي الجمهور هي ميزان العمل السياسي. في هذا النوع من الحكومة يشارك كافة طبقات الشعب بأقوامهم المختلفة وقبائلهم المتعددة ومذاهبهم وإثنياتهم في إدارة البلاد عن طريق الإدلاء بآرائهم ويؤدن دورهم بهذا الشكل.
فإن زيد إلى هذا المصطلح اصطلاح آخر كـ”الإسلامي” فمعناه مع أن رأي الجمهور في تعيين مصير البلاد هو المعيار، لكن الدين الرسمي للبلاد هو “الإسلام” وتكون مباني إدارة البلاد وفقا للقوانين الإسلامية، وقد أهتمت القوانين الإسلامية حقوق الأقليات الدينية والمذهبية اهتماما كبيرا وحذرت من تضييع حقوقهم وفرض الظلم عليهم.
النوع الآخر من نظام الحكم ، هو الحكم الملكي الوراثي. في هذا النوع من الحكم، المسؤولية والرئاسة تنحصر في أسرة الحاكم وآله، في هذا النوع من الحكم يشكل الرؤساء الأصليون للحكومة من  أسرة الحاكم وأقارب الملك وبيدهم كافة المناصب الأساسية لإدارة البلاد.
إن النظام الإيراني، من الأنظمة التي ثارت ضد نظام الشاه بشعار “الجمهورية الإسلامية” وهذا الشعار من أهم أسباب تجمع الشعب الإيراني السنة والشيعة ومرافقتهم لهذا النظام  والانتصارعلى نظام الشاه السابق.
بالنسبة إلى الحكومة السعودية فهي حكم ملكي تعود إدارة البلاد إلى أسرة خاصة وليست برأي الجمهور.
خلاصة القول أن”النظام الملكي” معناه حكومة أسرة واحدة و “الجمهوري” يعني حكومة الشعب. في النظام الملكي جميع المسؤولين منتصبون، ولكن في النظام الجمهوري، الشعب من ينتخب مسؤوليهم.
نظرا إلى ما ذكرنا، من المثير للغرابة أن تقارن بين الأوضاع في إيران التي هي على أساس الجمهوري الإسلامي والسعودية، وأغرب من ذلك أن تقاس أوضاع أهل السنة في إيران مع أوضاع الشيعة في السعودية!
ففي النظام السعودي نظرا إلى حصر إدارة البلاد في أسرة واحدة، فأسرة الملك عبد العزيز بيدهم المناصب العليا الأساسية، ولكن الأهم بالنسبة إلى التوظيف في الإدارات وغيرها من المناصب هي المواطنة، ولا تمييز في تولية المناصب غير الرئيسية بين المواطنين السعوديين من الشيعة والسنة. ولا يسئل أحد عند ما يملأ استمارة التوظيف عن المذهب. لذلك يتواجد شيعة السعودية جنبا إلى أهل السنة في هذا البلد في جميع الدوائر، ويعملون لبلدهم في مجالات مختلفة، ويتمتعون بمكانة مرموقة من المشاركة التجارية والسياسية وحتى العسكرية، ويوظف الشيعة في القوات المسلحة كالسنة بحيث كان رئيس شرطة المدينة المنورة قبل سنوات شخص شيعي، وسفير السعودية في طهران وكذلك رئيس قنصلتها في مشهد كانا من الشيعة. ففي المجلس الاستشاري يوجد خمس نائب من بين 150 نائبا.
خلافا للنظام الجمهوري الإسلامي في إيران، مع أن المعيار لإدارة البلاد هي الجمهورية إلا أن قضية المذهب لها أثر كبير وبارز في تولية المناصب والتوظيفات الإدارية في كافة المستويات والمجالات.
يشكل أهل السنة في إيران الأكثرية الثانية، وأدوا دورا هاما في انتصار النظام، ولم تصدر منهم خيانة، بل كانوا مع النظام منذ البداية، لكن مع ذلك لا نصيب لهم في المناصب العامة في البلاد، ولحد الآن لم يعين سفير أو دبلوماسي أو وزير أو نائب وزير أو نائب رئيس الجمهورية أو رئيس محافظة من أهل السنة في إيران. القوات المسلحة لا تؤظف أهل السنة، ولا يتواجد في القوات المسلحة إلا عدد قليل من الجنود الذين يقضون دورة خدمة العلم.
ففي منطقة واسعة مثل “سيستان وبلوشستان” التي يشكل أهل السنة الغالبية فيها، من مجموع المناصب الإدارية التي يبلغ عددها 100 في المحافظة، يشغل أهل السنة 5 منها. ولا يوجد شخص واحد في مجلس أمن المحافظة.
في المجلس الإداري للمحافظة من مجموع 170 شخصا، 13 شخصا من أهل السنة.
وبالنسبة إلى استمارات التوظيف في المحاكم والمستشفيات ففيها سؤال عن المذهب. ولا مشاركة لأهل السنة في مجلس صيانة الدستور وكذلك مجلس تشخيص مصلحة النظام ولو بحضور شخص واحد فيهما.
إضافة إلى الحرمان في التوظيف لأهل السنة في إيران، يواجه هذه الأكثرية الثانية في إيران في المجالات المذهبية مشكلات عديدة. فعدم الحريات المدنية المشروعة، والتدخل في القضايا المذهبية والتعليمية، وعدم السماح لمسجد واحد في العاصمة طهران التي يبلغ عدد أهل السنة فيها قرابة مليون شخص، والمنع عن إقامة الجمعة والعيدين في المدن الكبرى مثل طهران وإصبهان ويزد وكرمان وقم وكاشان، والمنع عن إقامة الجماعة في بعض المدن والمناطق السنية، وإغلاق المصليات وكذلك المخالفة مع بناء المساجد في كثير من المدن الكبيرة التي يسكن فيها عدد كبير من أبناء السنة، من المشكلات التي يعاني منها أهل السنة في إيران.
هذا وللشيعة في الرياض عاصمة السعودية مساجد يقيمون فيها صلواتهم، ولا منع عن بناء المساجد في كافة المدن التي يوجد فيها عدد قليل من الشيعة، وافتتحت لهم قبل سنوات حسينية في المدينة المنورة بيد رفسنجاني .
ومطلب آخر يدل على بطلان هذه المقارنة بين وضع أهل السنة في إيران والشيعة في السعودية، أن أهل السنة في إيران غالبيتهم يسكنون في النواحى الحدودية ويعانون من الفقرو البطالة، وإن عفريت الفقر والبطالة لقد غشى أهل السنة أكثر من غيرهم من الشعب الإيراني. هذا وللشيعة في السعودية وضع اقتصادي جيد، وبيدهم إدارة بعض أهم وأكبر الشركات التجارية والاقتصادية، ولا حساسية بالنسبة لهم في مثل هذه الأمور.
فلو أردنا أن نلقي نظرة منصفة في هذه القضية (وضع أهل السنة في إيران والشيعة في السعودية) يجب أن نذعن، بأن وضع الشيعة في حكومة غير جمهورية مثل السعودية أفضل بكثير من وضع أهل السنة في إيران.
لابد أن ننتبه أيضا أننا لو أردنا المقارنة بين شيئين، يجب أن تكون مشابهات وأوجة مشتركة بين الشيئين لتكون المقارنة عملا معقولا.
في القضية التي تناولنا بحثها، فإن كان من المقرر أن تقارن بين عمل حكومتين، يجب أن تقارن بين شعبين حكمهما جمهوري، لا أن تقارن حكومة جمهورية بأخرى ملكية.
فمثلا إن أرادت الجمهورية الإسلامية مقارنة أوصاع شعبه مع شعب آخر، فالأفضل ان تقارنه بحكم جمهوري، وفي هذا المجال خير ما يمكن اختياره من جيران إيران القريبة يعني أفغانستان وباكستان التي أساس الحكم فيها على الجمهورية.
فبعد نظرة عاجلة إلى تولية المناصب ومشاركة المذاهب في هذين البلدين، نرى في أفغانستان أن للشيعة مشاركة في مناصب مثل نائب الرئيس، ورئاسة المحافظات والسفير وكذلك يوجد وزاء شيعة.
في باكستان رئيس الجمهورية من الأقلية الشيعية، والشيعة نشيطون في كثير من الدوائر الحكومية العليا.
إضافة إلى هذا فشيعة هذه البلاد يتمتعون بحرية مذهبية وهم أحرار في إقامة الصلوات، وحفلاتهم المذهبية، وبناء المساجد حيث توجد مساجد كثيرة لهم في عواصم هذه البلاد.
في النهاية لابد أن يقال بأنه لا حاجة إلى يقارن البعض أوضاع السنة في إيران مع أوضاع الشيعة في السعودية، بل يرجو أهل السنة في إيران أن تراعي الحكومة الإيرانية حقوق السنّة حتى تكون أسوة لسائر البلاد والممالك في مجال العدل والإنصاف والتساوي بين الأقوام وأتباع المذاهب.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات