اليوم : 16 نوفمبر , 2010

إمام الحرمين عبد الملك الجويني

إمام الحرمين عبد الملك الجويني

joiniفقيه ، أصولي ، متكلم ، مفسر ،  أديب ، أحد الأئمة الأعلام .
اسمه ونسبه:
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد ابن حيويه.الجويني النيسابوري، الشافعي، الأشعري، المعروف بامام الحرمين (ضياء الدين، أبو المعالي).

جوَيْنُ:
(وهي مدينة بين بسطام ونيسابور) ببلاد فارس.
قال ياقوت الحموي:
اسم كورة جليلة نزهة على طريق القوافل من بِسطام إلى نيسابور. تسمّيها أهل خراسان ” كويان ” فعرّبت فقيل: جوين.
حدودها متصلة بحدود بيهق من جهة القبلة, وبحدود جاجرم من جهة الشمال, وقصبتها أزاذْوار وهي في أول هذه الكورة من جهة الغرب رأيتها.
وقال أبو القاسم البيهقي من قال جوين فإنه اسم بعض أمرائها سميت به. ومن قال: كويان, نسبها إلى كوي وهي تشتمل على مائة وتسع وثمانين قرية وجميع قراها متصلة كل واحدة بالآخرى وهي كورة مستطيلة بين جبلين في فضاءٍ رحب … وبين هذه الكورة ونيسابور نحو عشرة فراسخ.
وينسب إلى جوَين خلق كثير من الأئمة والعلماء. منهم: موسى بن العباس بن محمد أبو عمران الجويني النيسابوري أحد الرحالين. وأبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني إمام عصره بنيسابور والد أبي المعالي الجويني.
وأخوه أبو الحسن علي بن يوسف الجويني المعروف بشيخ الحجاز وكان صوفياً لطيفاَ ظريفاً فاضلاً مشتغلاً بالعلم والحديث.. ومات بنيسابور سنة 463.
والإمام  أبو المعالي الجويني إمام الحرمَين أشهر من علم في رأسه نار .. ويُنسب إليها غير هؤلاء.         معجم البلدان – (ج 2 / ص 37)

فتح جوين:
قال البلاذري:
لما استخلف عثمان بن عفان ولى عبد الله بن عامر بن كريز البصرة في سنة ثمان وعشرين، ويقال في سنة تسع وعشرين، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فافتتح من أرض فارس ما افتتح، ثم غزا خراسان في سنة ثلاثين.
وبعث ابن عامر يزيد الجرشى أبا سالم بن يزيد إلى رستاق زام من نيسابور، ففتحه عنوة. وفتح باخرز، وهو رستاق من نيسابور، وفتح أيضا جوين . فتوح البلدان – (ج 3 / ص 499)

مولده:
ولد عبد الملك بن عبد الله بن يوسف سنة 419هـ . في” جوين “
يقال: إنّ والده الشيخ أبا محمد، رحمه الله تعالى، كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعهما من كسب يده أيضاً إلى أن حملت بإمام الحرمين، وهو مستمر على تربيتها بمكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحداً من إرضاعه، فاتفق أنّه دخل عليها يوماً وهي متألمة والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منه قليلاً، فلما رآه شق عليه ذلك، وأخذه إليه, ونكس رأسه, ومسح على بطنه, وأدخل إصبعه في فيه, ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه!! وهو يقول: يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه ! ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان تلحقه بعض الأحيان فترةٌ في مجلس المناظرة فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة !

النشأة العلمية:

ولد بين أحضان والدين حريصين على تنشئة أبنائهما تنشئة إسلامية صحيحة، فوالده (عبد الله الجويني) كان يعقد في (نيسابور) المجالس للمناظرة والفتوى، وتعليم الخاصة والعامة، وكان يحب العلم حبًّا شديدًا حتى إنه كان يدعو ويقول: (اللهم لا تعقنا عن العلم بعائق ولا تمنعنا عنه بمانع) وكان زاهدًا عابدًا يحرص حرصًا شديدًا على ألا يقع في الشبهات، حتى إنّه كان يحتاط في أداء الزكاة فيؤدّيها في السنة مرّتين، خوفًا من النّسيان وزيادة في القربى.
ولازم الطفل الصغير (عبد الملك) والده الفقيه المحدّث المتكلم، فتعلّم الفقه واللّغة العربية على يديه، كما تعلّم من والده الالتزام بأخلاق الإسلام كالأمانة, والصدق, وحبّ الخير؛ فقد كان والده خير قدوة له، وتفوّق الجويني على زملائه ممن كانوا يتعلّمون على يد أبيه، ولم يقتصر إمام الحرمين على قراءة العلوم الإسلامية وحدها، بل إنه أخذ يطالع في كل العلوم، يصل ليله بنهاره قراءة واطلاعًا.
وقبل أن يبلغ (عبد الملك) سن العشرين أصبح أحد الأئمة الكبار، وما إن توفي والده، حتى قعد مكانه للتدريس، إلا أنّه استمر في تحصيل العلم، فكان يذهب إلى (أبي القاسم الإسفراييني) وهو من العلماء الكبار يتعلم منه الفقه والأصول، ويذهب في الوقت نفسه إلى مجالس (عبد الله محمد بن علي النيسابوري الخبازي) ليتلقى عنه علوم القرآن.
وظل طوال الفترة التي أقامها بنيسابور يدرس علوم الدين، وكان بارعًا في مناظرة الخصوم، يحاورهم في ذكاء شديد، ولا يبغي من وراء ذلك إلا إظهار الحق، إلا أن أعداءه أخذوا يكيدون له، فترك (نيسابور) إلى بغداد واشتهر هناك، ووفد إليه الناس من كل مكان للتعلم على يديه، لكنه لم يقم بها طويلاً، وإنما توجه إلى مكة، وظل بها أربع سنوات تفرغ فيها للعلم والعبادة ينشر العلم، ويلقي الدروس، ويجمع طرق المذهب الشافعي، وكانت هذه الفترة سببًا في تسميته بإمام الحرمين تكريمًا له واعتزازًا بمجهوده وقدره.

شيوخه:
سمع من أبيه، ومن أبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي سعد عبد الرحمن بن حمدان النصروي ، وأبي الحسن علي بن محمد الطرازي, وأبي عبد الله محمد بن ابراهيم بن يحيى المزكي, وأبي سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عليك, وأبي عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النيلي, وأبي سعد محمد بن علي بن محمد بن حبيب الصفار, وأبي نصر منصور بن رامش, وأبي سعد فضل الله بن أبي الخير الميهني، وسمع ببغداد أبا محمد الحسن بن علي الجوهري..

تلاميذه:
ومن أشهر تلاميذه: أبو حامد الغزالي، والكيا الهراسي، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي.
و روى عنه: أبو عبد الله الفُراويّ، وزاهر الشّحاميّ، وأحمد بن سهل المسجدي، واسماعيل بن أبي صالح المؤذن وغيرهم.
قال الذهبي:
“وكان من أذكياء العالم، وأحد أوعية العلم، وكان له نحو من أربعمئة تلميذ، رحمه الله”.

رحلاته:
وسافر جائلا في بلاد خراسان، مستفيدا من كبار الفقهاء، ومناظرا لفحولهم حتى تهذبت طريقته، واشتهر فضله، وشهد له كبراؤها بفوز الفضل وكمال العقل.
ثم سافر إلى بغداد ولقي بها جماعة من العلماء، ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة وكان يقضي نهاره في تعليم الناس، وهدايتهم إلى طريق الحق والنور، ويقضي ليله بجوار الكعبة الشريفة في عبادة الله، وبعد أن قضى أربع سنوات في مكة رجع إمام الحرمين إلى (نيسابور) في أوائل ولاية السلطان ألب أرسلان السلجوقي،وقام بالتدريس بالمدرسة النظامية، التي بناها له الوزير (نظام الملك) ليتولى الجويني التدريس و الخطابة بها لما علمه عنه من رسوخ في العلم ونبوغ لم يتوافر لغيره، وظل بها نحو ثلاثين سنة، وجاء إليه الكثيرون من شتى البلاد يطلبون العلم على يديه.

الأديب البارع:
قرأ الإمام الجويني الأدب حتى أحكمه, ورزق من التوسع في العبارة ما لم يعهد من غيره، وكان يذكر دروساً يقع كل واحد منها في عدة أوراق ولا يتلعثم في كلمة منها، وتفقه في صباه على والده أبي محمد، وكان يعجب بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده وتصرف فيها، حتى زاد عليه في التحقيق والتدقيق.

مؤلفاته:
وقد ترك (الجويني) مؤلفات عديدة من أهمها: كتاب “نهاية المطلب في دراية المذهب” وهو كتاب كبير في الفقه الشافعي وفيه إشكالات لم تنحل.
و”البرهان في أصول الفقه”.
و”الإرشاد في أصول الدين”.
ومن كتبه أيضًا: (غياث الأمم في التياث الظلم) في الفقه السياسي الإسلامي .
و”العقيدة النظامية” في الاركان الاسلامية.
و”مدارك العقول” ولم يتمه.
و”مغيث الخلق في اختيار الأحق”.
و”غنية المسترشدين” في الخلاف.
و”الشامل ” في أصول الدين، على مذهب الأشاعرة.
و”الرسالة النظامية” في الأحكام الإسلامية.
و”الورقات” في أصول الفقه وأدلته.. وغيرها من الكتب المهمة،
وله خطب مجموعة.

ومما أخذ عليه:
قال الذهبي رحمه الله:
كَانَ هَذَا الإِمَام مَعَ فَرْط ذكَائِهِ وَإِمَامته فِي الفروع وَأُصُوْلِ المَذْهَب وَقُوَّةِ مُنَاظرته لاَ يَدْرِي الحَدِيْثَ كَمَا يَليق بِهِ لاَ مَتْناً وَلاَ إِسْنَاداً.
ذكر فِي كِتَابِ(البُرْهَان)حَدِيْث مُعَاذٍ فِي القيَاسِ فَقَالَ:هُوَ مُدَوَّنٌ فِي الصِّحَاح، متفق عَلَى صحَّته.
قُلْتُ:بَلْ مَدَارُه عَلَى الحَارِثِ بنِ عَمْرٍو، وَفِيْهِ جهَالَة، عَنْ رِجَال مِنْ أَهْلِ حِمْص، عَنْ مُعَاذ.

ومن شعره:
أخي  لن  تنال العلم  إلّا  بستة  . . .  سأنبئك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص وافتقار وغربة  . . .  و تلقين أستاذ وطول زمان

زهده:
كان ورعاً , زاهدا , دائم العبادة …
وكان للإمام الجويني مجلس الوعظ , إذا شرع في علوم الصوفية وشرح الأحوال أبكى الحاضرين..

الثناء العطر:
قال “الباخرزي” في (الدمية) يصفه:
فتى الفتيان ومن أنجب به الفتيان، ولم يخرج مثله المفتيان، عنيت محمد بن إدريس والنعمان بن ثابت. فالفقه فقه الشافعي، والأدب أدب الأصمعي، وحسن بصره بالوعظ كالحسن البصري. وكيفما كان فهو إمام كل إمام، والمستعلي بهمته على كل همام، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام. إذا تفقه فالمزني من مزنته قطرة، وإذا تكلم فالأشعري من وفرته شعرة. وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة، ولثم البلغاء بالصمت حقائقه النادرة…
قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، المجمع على إمامته شرقاً وغرباً. لم تر العيون مثله.
وقال أبو إسحاق الفيروزأبادي: تمتعوا بهذا الإمام فإنه نزهة هذا الزمان.
قال محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني في كتاب (طبقات الفقهاء) من جمعه: أبو المعالي الجويني إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه.
قال  ابن النجار البغدادي:
إمام الفقهاء شرقا وغربا، ومقدمهم عجما وعربا، من لم تر العيون مثله فضلا، ولم تسمع الآذان كسيرته نقلا، بلغ درجة الاجتهاد، وأجمع على فضله أعيان العباد، وأقر بتقدمه المخالف والموافق، وشهد بفضله الحسود والوامق، وسارت مصنفاته في البلاد مشحونة بحسن البحث والتحقيق والتنقير والتعزير والتدقيق، لابسة من الفصاحة حلل الكمال، ومن البلاغة غرر الملاحة والجمال.

وفاته:
وقد مرض إمام الحرمين في أيامه الأخيرة، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، يقال لها: “بشتنقان”  موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء وقت العشاء الآخرة. الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة،(478) هـ . وله من العمر( 59) سنة، ونقل إلى نيسابور تلك الليلة ودفن من الغد في داره، ثم نقل بعد سنين  إلى مقبرة الحسين فدفن بجنب أبيه ، رحمهما الله تعالى.
وصلّى عليه ولده أبو القاسم، فأغلقت الأسواق يوم موته, وكسر منبره في الجامع, وقعد الناس لعزائه, وأكثروا فيه المراثي.

ومما رثي به:
قلوب العالمين على  المقالي … و أيّام  الورى شبه  الليالي
أيثمر غصن أهل العلم يوماً … وقد مات الإمام أبو المعالي

وقال القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري:
يا أيها الناعي شمس المشرق … بأبي المعالي نور دين مشرق
أنذرتني الدنيا قيام قيامة … فالشمس صار مغيبها في المشرق

**********************************
من مراجع البحث:

دمية  القصر و عصرة  أهل  العصر /  الباخرزي
مشاهيرأعلام المسلمين /علي بن نايف الشحود
ذيل  تاريخ  بغداد  /   ابن النجار البغدادي
طبقات الشافعية   /    ابن قاضي شهبة
العبر في خبر من غبر /    الذهبي
معجم البلدان  /  ياقوت الحموي
سير أعلام النبلاء /    الذهبي
معجم المؤلفين/ عمر كحالة
فتوح البلدان / البلازري
الأعلام   /  الزركلي
وفيات /ابن خلكان
الوافي/الصفدي

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات