اليوم : 3 أكتوبر , 2010

الأسباب الأساسية لكارثة فلسطين

الأسباب الأساسية لكارثة فلسطين
quds-esteghathaإن قضية فلسطين هي الشغل الشاغل في معظم الأقطار الإسلامية والعربية، وحديث النوادي والمحافل والمؤتمرات ووسائل الإعلام. ولا شك أنها قضية جديرة بأكثر من هذا، فإنها قضية الكرامة والعزة، وقضية الإيمان والعقيدة. لكن كل من بحث أسباب الفشل العميقة الحقيقية، ورجع إلى التاريخ، فقارن بين قضية فلسطين اليوم، وبين المواقف الحاسمة في تاريخ هذه الأمة بالأمس؛ ومن أهم هذه المواقف استيلاء الصليبيين على القدس وسواحل الشام لمائة سنة في القرن السادس الهجري، وغيرها من المواقف التي خرجت منها ظافرة منتصرة، يرى أن أسباب نكبة هذه الأمة أعمق وأبعد مدى من الأسباب التي يشير إليها الكثير من الباحثين في هذا الموضوع، وأطول عمرا من قضية فلسطين نفسها، وفقد سبقت تلك الأسباب هذه القضية بكثير، وبدأت تفعل فعلها في كيان الأمة من زمن بعيد.

إن هذه الأسباب تتخلص في ثلاثة نقاط:

 

1- ضعف الدافع النفسي إلى الاستماتة في سبيل العقيدة والمبدأ
فانحط العرب والمسلمون مع الزمان في القوة المعنوية التي انتقلت إليهم من تعاليم الرسول، فقهروا بها الأمم ودوخوا بها العالم، وفتحوا نصف المعمورة في نصف قرن، وأخضعوا بها أمما لم تكن لتخضع للقوة الحربية، فقد أخضعوا بها الرومان، والفرس، وهم يفوقونهم ألف مرة في العدد والعدد، وأخضعوا بها البربر في الغرب، والترك والأفغان في الشرق. ذلك لأن العرب كانوا يقاتلون وهمهم الشهادة. وأما أعدائهم فهمهم الحياة، وشتان بين من يطلب الموت وبين من يطلب الحياة وبين من يسعى إلى الموت بقدميه. وبين من يدفعه براحتيه وبين من يقاتل ليموت ويكرم بالشهادة، وبين من يدافع ليعيش، وينعم بالهناء والسعادة.
فكان المسلمون يمتازون بهذه العقيدة عن سائرالأمم، لكن لما دب إليهم داء الأمم من قبلهم: الحرص على الحياة والإخلاد إلى الراحة، وتركوا حياة البساطة والجلادة إلى حياة التنعم والبذخ والرقة، وهجمت عليهم في العهد الأخير الحضارة الغربية، وفلسفة الحياة المادية، فاكتسبوا منها تقديسا للحياة وضعفت الدوافع النفسية إلى المخاطرة بالحياة، فأصبحوا لا إيمان يشغل قلوبهم ولا مبدأ جامع يشملهم.
فالمهم الأهم هو إيجاد هذه الدوافع، وتغذيتها، فإن ضعف هذه الدوافع النفسية أكبر خطر في حياة الأمة وأعظم خسارة لها. وزوالها كارثة أشد من كارثة الأندلس وفلسطين. فإن وجودها كفيل باسترداد كل ما فقدناه في الماضي والحاضر، إما إذا فقدنا هذه المحركات النفسية القويمة النزيهة فقد فقدنا رأس المال وأصبحنا لا نأمن على الموجود، فضلا عن أن نطمع في مفقود.

2- طغيان العقل على العاطفة، والحذر من المغامرة واقتحام الأخطار
لا أحد يستطيع أن يقلل من قيمة العقل ولكن لابد لكل أمة من مغامرات ومخاطرات في بعض الأحيان، وأن لا يعتمد على العقل وحده. إذا نظرنا في تاريخ العالم رأينا أن أكثر الفتوح والوقائع العظيمة التي تحسب لها حسابا كبيرا يرجع الفضل فيها إلى العاطفة وروح المغامرة. وإن تاريخ المسلمين حافل بالمغامرات، ولعل الأمة المسلمة أكثر الأمم مغامرة. ومن أعظم هذه المغامرات وأشدها خطرا في تاريخ الحروب مغامرة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص ومغامرة عبد الرحمن الداخل صقر قريش بالدخول في الأندلس ومغامرات الرشيد في الصائفات وغزوات المعتصم في بلاد الروم.
إن قضية فلسطين سهلة هينة، وانتصار العرب مضمون! إذا كانوا أحرارا في تصرفهم، مالكين لزمامهم، مدبرين لسياستهم، مغامرين بأرواحهم وجنودهم، محكميم لسيفهم وسنانهم، واثقين بنصر الله، معتمدين على سواعدهم فقط، متمردين عن المادة والشهوات.

3- فقدان الشخصية المركزية التي تملك القضية عليها مشاعرها وتصبح همها الشاغل
من استعرض المواقف الحاسمة والساعات العصيبة في تاريخ الأمة، رأى على رأس كل قضية منها وفي كل أزمة تهدد كيان هذه الأمة؛ وتتحدى شرفها وكرامتها، رجلا من العصاميين يستولى على قلبه الحزن، والاهتمام بهذه الحالة ويهجم راحته ولذته، وتتخلص الحياة عنده في حل هذه الأزمة وفض هذه المشكلة، فلا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال، حتى تنجلى هذه الغمرة.
فلما استولت الجيوش الصليبية على البلاد واكتسحت فلسطين بما فيها من إمارات ومقدسات وعجزت الحكومات الإسلامية عن مقاومتها، قدم صلاح الدين الأيوبي للدفاع عن فلسطين ورد الغارة الصليبية وركز فكره عليه، وتفرغ له، واستولت عليه هذه الفكرة استيلاء تاما.
وإليكم ما قاله إبن شداد في سيرته:
“ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا كان له اهتمام إلا برجاله ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه” (النوادرالسلطانية ص16).
وقال ابن شداد:
وكان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال فشقت عليه هذه الرسالة (النوادرالسلطانية ص23).
ويقول في وقعة  عكا: “وهو كالوالدة الثكلى يحول بفرسه من طلب إلى طلب ويحث الناس على الجهاد، ولقد بلغنا أن الملك العادل حمل بنفسه في ذلك اليوم مرتين والسلطان يطوف بين الأطلاب بنفسه وينادي يا للإسلام، وعيناه تذرفان بالدموع. وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من البلاء وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم اشتد في الزحف والحث على القتال ولم يطعم في ذلك اليوم طعاماً البتة وإنما شرب أقداح مشروب كان يشير بها الطبيب” (النوادر السلطانية ص157).
ويقول في فتح الطريق إلى عكا: “والسلطان يوالي هذه الأمور بنفسه ويكافحها بذاته لا يتخلف عن مقام من هذه المقامات وهو من شدة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى ولقد أخبرني بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا شيئاً يسيراً لفرط اهتمامه (النوادرالسلطانية95).
وقال في ذكر العادلية: “ولقد رأيته رحمه الله قد ركب من خيمته وحوله نفر يسير من خواصه والناس لم يستتم ركوبهم وهو كالفاقدة ولدها، الثاكلة واحدها (112 النوادرالسلطانية).
بهذا الهم الشاغل والنفس القلقة والقلب المنزعج استطاع صلاح الدين أن يكمل مهمته ويكتسب الفتح الكبين في معركة حطين. إن موضع الضعف في الجهاد القائم ضد الصهاينة أننا لا نجد في الشعوب العربية والحكومات من يتبنى هذه القضية، فمعركة فلسطين قائمة، والعدو منذ قرن بالمرصاد، لكن النزاعات والمنافسات بين الحكومات والأحزاب والأفراد متزايدة يوميا.
إن مسؤولية فلسطين قد قسمت على شعوب كثيرة ولكن لا يرى شعب أنه أولى بهذه القضية من غيره مع أنها قضية الجميع وكل بلد عربي وإسلامي في خطر إذا قصر فيها أو تهاون فيها.
فإذا كان بالأمس تولى صلاح الدين هم القدس والأقصى من بين مجموع من الأمراء المتنازعين للحكم والسلطان، فمن اليوم من رؤساء البلاد الإسلامية ليملأ هم فلسطين بين جوانحه، لا يهدأ له قرار إلا أن يظفر بالفتح أو يموت دون ذلك؟!

الكاتب: أبو حمزة السجستاني

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات