اليوم : 4 أبريل , 2010

إمام الجرح والتعديل الحافظ يحيى بن معين رحمه الله

إمام الجرح والتعديل الحافظ يحيى بن معين رحمه الله
yahyaهو الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين و المشار إليه من بين أقرانه، ابو زكريا يحيى بن معين المري الغطفاني (اشتهرت إمامته فى الجرح والتعديل). وهو من الطبقة العاشرة من كبار الآخذين عن تبع الأتباع. روى له الشيخان والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجة.

مولده:
قال أحمد بن زهير: ولد يحيى، فى سنة ثمان وخمسين ومئه. قال الذهبي: وكتب العلم وهو ابن عشرين.
وقال الحسن بن فهم: سمعت يحيى بن معين، يقول: ولدت فى خلافة أبى جعفر، سنة ثمان وخمسين ومئه، فى آخرها. قال الذهبى: قيل: أصل بن معين من الأنبار، ونشأ ببغداد، وهو أسن الجماعه الكبار، الذين هم: علي بن المدينى، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وأبو بكر ابن أبى شيبه، وأبو خيثمه؛ فكانوا يتأدبون معه، ويعترفون له، وكان ذا هيبه وجلال؛ يركب على البغلة، ويتجمل فى ثيابه رحمه الله.
قال الحافظ في تهذيب التهذيب 11 / 288: وقال ابن حبان فى “الثقات”: أصله من سرخس، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا فى جمع السنن، وكثرت عنايته بها وجمعه وحفظه إياها، حتى صار علما يقتدى به فى الأخبار، وإماما يرجع إليه فى الآثار. وقال أحمد بن عبد الله العجلى : يحيى بن معين من أهل الأنبار كان أبوه كاتبا لعبد الله بن مالك.

مكانته عند العلماء الأكابر:
روي عن علي بن المديني انه قال: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم ومن بعده إلى يحيى بن معين. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبى شيبة وهو أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له.
وقال عمرو الناقد: ما كان فى اصحابنا أعلم بالاسناد من يحيى بن معين. ما قدر أحد يقلب عليه اسنادا قط.
قال ابو حاتم الرازي: إذا رأيت البغداى يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يكره بن معين فاعلم أنه كذاب.
أحمد بن حنبل يقول: هاهنا رجل خلقه الله لهذا الشأن، يظهر كذب الكذابين، يعني: ابن معين. ويقول: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين، فليس هو بحديث.
نقل ذلك كله الحافظ بن حجر الذى أطال فى ترجمته ونقل ثناء ائمة عليه (فى تهذيب التهذيب).
كما ترجم له الخطيب البغدادي (فى تاريخ بغداد) وأطال الكلام عنه.
وكان أبو زكريا شيخاً لمحدثين العصور: [جبل الحفظ و إمام الدنيا في فقه الحديث البخاري، والثقة الحافظ الإمام صاحب الصحيح مسلم، والحافظ صاحب السنن، الثبت الحجة الإمام أبي داوود، والثقة الحافظ الفقيه الحجة صاحب المسند الإمام أحمد، و الثقة الحافظ صاحب المصنف الإمام أبي زرعة الدمشقي وغيرهم من الأئمة الأعلام رحمهم الله جميعا ً].
قال الحافظ الخطيب البغدادي: وكان إماما ربانياً، عالماً، حافظاً، ثبتاً، متقناً.
وعن العباس الدوري، قال: رأيت أحمد بن حنبل فى مجلس روح بن عبادة، سنه خمس ومئتين، يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول له: يا أبا زكريا، كيف حديث كذا؟، وكيف حديث كذا؟ يريد أن يستثبته فى أحاديث قد سمعوها. فما قال يحيى كتبه أحمد، وكلما سمعت أحمد بن حنبل يسمى يحيى بن معين باسمه، إنما كان يقول أبو زكريا ، قاله أبو زكريا.
وقال البراء، سمعت علياً، يقول: لا نعلم أحداً من لدن آدم، كتب من الحديث، ما كتب بن معين.

مهارته في معرفة خطأ الحديث:
قال محمد بن نصر الطبرى دخلت على يحيى بن معين فوجدت عنده كذا وكذا سفطا (دفتر)، وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد ههنا (وأشار بيده إلى الاسفاط) فهو كذب.
وكان شديد التحرى فى كتابة الحديث. يكتب الحديث نيفا وخمسين مرة.
قال ابو العباس الدورى عن يحيى بن معين لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه.
قال عباس الدوري: حدثنا يحيى بن معين، قال: حضرت نعيم بن حماد، بمصر، فجعل يقرأ كتاباً، صنفه، فقال: حدثنا بن المبارك، عن ابن عون، وذكر أحاديث، فقلت: ليس ذا عن ابن المبارك، فغضب، وقال: تردُ علىّ؟ قلت: إي والله، أريد زينك، فأبى أن يرجع، فلما رأيته لم يرجع، قلت: لا والله، ما سمعت هذه من ابن المبارك، فغضب، وغضب من كان عنده، وقام فدخل، فأخرج صحائف، فجعل يقول، وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث، نعم يا أبا زكريا، غلطتُ، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك، عن ابن عون.
عن ابن الرومي، قال : كنت عند أحمد، فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، انظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ، قال: عليك بأبي زكريا، فإنه يعرف الخطأ.
وقال عبد الخالق لابن الرومي: حدثني أبو عمرو، أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: السماع من يحيى بن معين شفاء لما في الصدور. فقال لي: وما تعجبمن هذا، كنت أختلف أنا وأحمد إلى يعقوب بن إبراهيم في المغازي، ويحيى بالبصرة، فقال أحمد: ليت أن يحيى هنا، قلت له: وما تصنع به؟ قال: يعرف الخطأ.
و قال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: سمعت عليا يقول: كنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذى يذاكرنى أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا فى الشيء، فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين، فيقوم فيخرجه، ما كان أعرفه بموضع حديثه. و قال العباس بن إسحاق الصواف: سمعت هارون بن معروف يقول: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه، فدخلت عليه، فسألته أن يملى علي شيئا، فأخذ الكتاب يملي علي، فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد بن حنبل. فأذن له الشيخ على حالته والكتاب فى يده لا يتحرك. فإذا بآخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال : أحمد الدورقى، فأذن له، والشيخ على حالته والكتاب فى يده لا يتحرك. فإذا بآخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال عبد الله بن الرومي فأذن له، و الشيخ على حالته والكتاب فى يده لا يتحرك، فإذ بآخر يدق الباب، فقال الشيخ من هذا؟ قال أبو خيثمة زهير ابن حرب، فأذن له، والشيخ على حالته والكتاب فى يده لا يتحرك. فإذا بآخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن معين. قال: فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم سقط الكتاب من يده!.

درر من أقواله:
عن يزيد بن مجالد المعبر، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: إذا كتبت، فقمش، وإذا حدثت، ففتش.
وعن أحمد بن علي الأبار، قال: قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزاً نضجا.
قال يحيى: ما رأيت على رجل خطأ، إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجل في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه، فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته.
عن أبي بكر بن محمد بن مهرويه ، قال: سمعت علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت يحيى بن معين، يقول: إنا لنطعن عن أقوام، لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة، من أكثر من مئتى سنة. قال بن مهرويه: فدخلت على بن أبي حاتم، وهو يقرأ على الناس كتاب (الجرح والتعديل)، فحدثته بهذه الحكاية، فبكى، وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب من يده، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية، أو كما قال.

وقد كان لابن معين شعر جيد رصين، فمما أنشده:
المال يذهب حله وحرامه                  طرا وتبقى فى غد اثامه
ليس التقى بمتق لالهه                    حتى يطيب طعامه وشرابه
ويطيب ما تحوى وتكسب كفه                 ويكون فى حسن الحديث كلامه.
نطق النبى لنا به عن ربه                    فعلى النبى صلاته وسلامه

وفاته رحمه الله :
وكما استفاض عنه حبه للحديث وإجلاله له، كذا استفاض عنه حبه وإجلاله وتوقيره وإكرامه لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد حج مرارا، وكان لا يجيء إلى مكة إلا مارا بالمدينة، ولا يعود إلى بغداد حتى ينزلها.
ولشدة تعلقه بالمدينة المنورة قدر الله له طول الثواء بها، فقد حج فى أخر عمره ومر على المدينة كعادته فى ذهابه إلى مكة أو فى ايابه، فلما كانت ليلة همه بالخروج سمع فى نومه هاتفا يقول له: “أترغب عن جوارى”؟
فعدل عن الخروج إلى المدينة وأقام بها ثلاثة أيام، ثم وافاه الأجل، فكان أن غسل على أعواد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل على سريره ودفن بالبقيع، وصلى عليه خلق كثيرون، ونودى بين يدي جنازته: “هذا الذى كان يذب الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
واجهش الناس بالبكاء. وقيل يوم أن مات: “اليوم مات المأمون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
قال محمد بن جرير الطبري: خرج ابن معين حاجاً، وكان أكولاً، فحدثني أبو العباس، أحمد بنشاه، أنه كان في رفقته، فلما قدموا فيد، أهدى إلى يحيى فالوذج لم ينضج، فقلنا له، يا أبا زكريا، لا تأكله، فإنا نخاف عليك، فلم يعبأ بكلامنا، وأكله، فما استقر في معدته، حتى شكا وجع بطنه، وأسهل إلى أن وصلنا المدينة، ولا نهوض له، فتفاوضنا في أمره ، ولم يكن لنا سبيل إلى المقام لأجل الحج، ولم ندر ما نعمل في أمره، فعزم بعضنا على القيام عليه، وترك الحج، وبتنا، فلم يصبح حتى وصَّى، ومات، فغسلناه، ودفناه.
وقال أبو حسان بن مهيب بن سليم البخاري: سمعت محمد بن يوسف البخاري، والد أبى ذر، يقول: كنت في الصحبة في طريق الحج مع يحيى بن معين، فدخلنا المدينة ليلة الجمعة، ومات في ليلته، فلما أصبحنا تسامع الناس بقدوم يحيى وبموته، فاجتمع العامة، وجاءت بنو هاشم، فقالوا نخرج له الأعواد التي غسل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فكره العامة ذلك، وكثر الكلام، فقالت بنو هاشم : نحن أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم منكم، وهو أهلٌ أن يغسل عليها، فأخرج الأعواد، وغُسل عليها، ودفن يوم الجمعة، في شهر ذي القعدة، سنة ثلاثة وثلاثين ومئتين. قال أبو حسان: وهي السنة التي ولدت فيها.
وقال جعفر بن محمد بن كزال: كنت مع يحيى بن معين بالمدينة، فمرض مرضه الذي مات فيه، وتوفي بالمدينة، فحُمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجل ينادي بين يديه: “هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
رضي الله عن يحيى وأرضاه.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات