اليوم : 30 ديسمبر , 2009

الإمام حمزة الكوفي (80 – 156 ه = 700 – 773 م)

الإمام حمزة الكوفي (80 – 156 ه = 700 – 773 م)

hamzaاسمه ونسبه: هو الإمام, العلم, الحبر, القدوة، شيخ القراءة، أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل أبو عمارة الكوفي ، مولى بني تيم, المشهور بالزيات، أحد القراء السبعة…

وإنما قيل له ” الزيات ” لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان, ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة، فعرف به.

أَصله:
فارسيّ  الأصل . كان من موالي التيم (مَولى عِكرمَة بن رِبعِيٍّ) فنُسِب إليهم.
قال السمعاني في ترجمة إمام أبي حنيفة رحمه الله: وأبو حنيفة كوفي تيمي من رهط حمزة بن حبيب الزيات.

مولده :
ولد بالكوفة سنة 80 هـ ، 700 م ، هو وأبو حنيفة في عام.
وأدرك الصحابة بالسن, فيحتمل أن يكون رأى بعضهم.

شيوخه:
أخذ القراءة عرضا عن سليمان الأعمش, وجعفر بن محمد الصادق, وحمران بن أعين, وأبي إسحاق السبيعي , و أبي إسحاق الشيباني, ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, وطلحة بن مصرف, ومغيرة بن مقسم, ومنصور بن المعتمر, وعاصم.
وقيل: بل قرأ الحروف على الأعمش ولم يقرأ عليه جميع القرآن.
قالوا: استفتح حمزة القرآن من حران, وعرض على الأعمش وأبي إسحاق وابن أبي ليلى.
وكان الأعمش يجود حرف ابن مسعود, وكان ابن أبي ليلى يجود حرف علي, وكان أبو إسحاق يقرأ من هذا الحرف ومن هذا الحرف, وكان حمران يقرأ قراءة ابن مسعود ولا يخالف مصحف عثمان … وهذا كان اختيار حمزة.

تلاميذه:
أخذ عنه القرآن عدد كثير: كسليم بن عيسى، والكسائي، و ابن المبارك, وعابد بن أبي عابد، والحسن بن عطية، وعبد الله بن صالح العجلي…
وحدث عنه: الثوري، وشريك، وجرير، ومحمد بن فضيل، ويحيى بن آدم، وبكر بن بكار، وَحُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ…
وأشهر رواة الإمام حمزة: خلف وخلّاد.
يقول الإمام الشاطبي بعد ما ذكر الإمام حمزة:
رَوَى خَلَفٌ عَنْهُ وَخَلاَّدٌ الَّذِي             رَوَاهُ سُلَيْمٌ مُتْقِناً وَمُحَصِّلاَ

قال الشارح:
اعتمد في هذا الإطلاق على معرفة ذلك واشتهاره بين أهله, وهو أنّ سُليما قرأ على حمزة, وأنّ خلفا وخلادا أخذا قراءة حمزة عن سليم عنه, وظاهر نظمه لا يفهم منه هذا, فإنه لا يلزم من كونهما رويا الذي رواه سليم أن يكون أخذهما عن سليم لاحتمال أن يكون سليم رفيقا لهما.
و(متقنا ومحصلا) , حالان من الهاء في (رواه) أو من (الذي) وكلاهما واحد .
وسُليم هذا هو سليم بن عيسى مولى بني حنيفة ، مات سنة ثمان أو تسع وثمانين ومائة وقيل سنة مائتين .
وأما خلف فهو صاحب الاختيار, وهو أبو محمد خلف بن هشام البزار آخره راء ، مات ببغداد سنة إحدى أو ثمان أو تسع وعشرين ومائتين .
وأما خلاد فهو أبو عيسى. ويقال أبو عبد الله خلاد بن خالد الأحول الصيرفي الكوفي… توفي سنة عشرين أو ثلاثين ومائتين.

أَهمّ ملامِح شخصيته وأَخلاقه:

وقد شهد بحسن سيرته وسريرته كثير من معاصريه
رأى الأعمش يوما حمزة مقبلا فقال: {وَبَشِّرِ المُخْبِتِيْنَ} [الحج: 34].
وقال عبيد الله بن موسى كان حمزة يقري القرآن؛ حتى يتفرق الناس ثم ينهض فيصلي أربع ركعات ثم يصلي مابين الظهر إلى العصر وما بين المغرب والعشاء .
وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان , ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة.
لم يكن الإمام حمزة رحمه الله يأخذ على تعليم الناس القرآن أجرًا وإنما كان يحتسب ذلك عند الله عز وجل.
قال أحمد بن عبدالله العجلي حدثنا أبي قال: حمزة سنة يكون بالكوفة وسنة بحلوان, فختم عليه رجل من أهل حلوان من مشاهيرهم فبعث إليه بألف درهم, فقال لابنه: قد كنتُ أظنّ لك عقلا أنا آخذ على القرآن أجرًا؟!! أرجو على هذا الفردوس.
وربما يحتاج إلى شيء فيقوم بنفسه ولا يأمر الطلاب بذلك , مخافة أن يكون عوضا عن تعليم القرآن…
قال حسين الجُعفِيُّ: ربما عطِش حمزة، فلا يستَسقِي كراهية أَن يُصادِف مَن قرأَ عليه.
وذكر جرير بن عبد الحميد قال: مرّ بي (حمزة) فطلب ماء, فأتيته به فلم يشرب مني لكوني أحضر القراءة عنده.

إمامته في علم القراءات:
كان الإمام حمزة رحمه الله أحد الأئمة الكبار في القراءات، وقد أخذ عنه الإمام الكسائي.
قال أَسوَد بن سالم: سأَلتُ الكِسائِي عنِ الهَمز والإِدغامِ، أَلَكُم فِيهِ إِمامٌ؟
قال: نعم، حمزة كان يَهمِزُ ويَكسِرُ، وهو إِمام، لو رأَيتَه، لقَرَّتْ عَينُكَ مِن نُسْكِه.
قال حمزة: نظرتُ في المصحف حتّى خشيتُ أن يذهب بصري.
وانعقد الإجماع على تلقي قراءته بالقبول…

فضله:

كان من علماء زمانه بالقراءات, وكان من خيار عباد الله عبادة وفضلا وورعا ونسكا…
وقال عنه الحافظ الذهبي: وكان من الأئمة العاملين. وإليه المنتهى في الصدق والورع والتقوى.
قال مجاعة بن الزبير: دخلتُ على حمزة – يعني: ابن حبيب الزيات – وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك ؟!
فقال: وكيف لا أبكي، رأيت الليلة في منامي كأنّي قد عرضتُ على الله جلّ ثناؤه، فقال لي: يا حمزة اقرأ القرآن كما علّمتك.
فوثبت قائما .
فقال لي: اجلس، فإني أحبّ أهل القرآن.
ثم قال لي: إقرأ.
فقرأتُ حتّى بلغتُ سورة ” طه ” فقلتُ : (طوَى* وأنا اختَرتُكَ)
فقال لي: بَيّن.
فبَيّنتُ فقلتُ: ” طوى وأنا اخترناك “.
ثم قرأتُ حتّى بلغتُ سورةَ ” يس ” فاردت أن أعطي. فقلتُ : (تنزيل العزيز الرحيم).
فقال لي: قل(تنزيل العزيز الرحيم) يا حمزة كذا قرأت، وكذا أقرأتُ حملة العرش، وكذا يقرأ المقرئون.
ثم دعا بسوار فسورني، فقال: هذا بقراءتك القرآن.
ثم دعا بمنطفة فمنطقني, فقال: هذا بصومك بالنهار.
ثم دعا بتاج فتوجني، ثم قال: هذا بإقرائك الناس القرآن، يا حمزة لا تدع تنزيلا فإني نزلته تنزيلا.
أفتلومني أن أبكي ؟!.

مَنهَجُه في القراءة:
يقول الشيخ عبد الفتاح القاضي عن منهج الإمام حمزة في القراءة:
1- يصل آخر كل سورة بأول تاليتها من غير بسملة بينهما.
2- يضم الهاء وصلاً ووقفاً في الألفاظ الثلاثة : ( عليهم ، إليهم ، لديهم ).
3- يقرأ بالإشباع في الْمَدَّين المتصل والمنفصل بمقدار ست حركات.
4- يسكن الهاء في : يؤده إليك ، وقوله ( ما تولى ونصله جهنم , نؤته منها ، فألقه إليهم).
5- يقرأ بالسكت على أل , وشيء,  ويقرأ,  من رواية خلف بالسكت على المفصول نحو:﴿ عذاب أليم ﴾.
6- يغير الهمز عند الوقف, سواء كان في وسط الكلمة نحو: يؤمنون ، أم في آخرها نحو: ينشئ . على تفصيل في ذلك.
7- يدغم من رواية خلف ذال إذ في الدال والتاء ، ومن رواية خلاد في جميع حروفها ما عدا ” الجحيم “، ويدغم من الروايتين دال قد في جميع حروفها ، وتاء التأنيث في جميع حروفها ، ويدغم لام هل الثاء ﴿ هل ثوب الكفار ﴾ ولام بل في السين في ﴿ بل سولت لكم ﴾ وفي التاء نحو ﴿ بل تأتيهم ﴾ ويدغم الباء المجزومة في الفاء نحو( وإن تعجب فعجب )، وهذا من رواية خلاد ، ويدغم الذال في التاء في ( عذت ، واتخذتم ، فنبذته ) والثاء في التاء في ﴿ أورثتموها ﴾، وفي( لبث) كيف وقع.
8 – يميل الألفات من ذوات الياء والألفات المرسومة ياء في المصاحف نحو ( الهدى ، اشترى ، النصارى).
ويميل الألفات في ( خاب ، خافوا ، طاب ، ضاقت ، وحاق ، زاع ، جاء ، شاء ، وزاد ) ، ويقلل الألفات الواقعة بين راءين ثانيهما متطرفة مكسورة نحو ( إن كتاب الأبرار ، من الأشرار ) .
9- يسكن ياءات الإضافة في ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا ﴾.﴿ يا عبادي الذين أسرفو ﴾، ونحو ذلك وقد حصرها العلماء.
10 – يثبت الياء الزائدة في ﴿ أتُمدّونَنِ بمال ﴾، ﴿ ربنا وتقبل دعاء ﴾.

ثناء العلماء عليه:
قال عنه الإمام الشاطبي في مقدمة متن الشاطبية:
وَحَمْزَةُ مَا أَزْكاهُ مِنْ مُتَوَرِّعٍ     إِمَاماً صَبُوراً لِلقُرانِ مُرَتِّلاَ
وقال عنه الصفدي: كان عديم النَّظير في وقته علماً وعملاً، وكان رأساً في الورع.
وقال عنه الإمام ابن الجزري: كان إماما, حُجّة, ثِقَة, ثَبتا, رَضِيّا, قيّما بكتاب الله, بصيرا بالفرائض, عارفا بالعربية, حافظا للحديث, عابدا, خاشعا, زاهدا, ورعا, قانتا لله , عديم النظير.
وكان شيخه الأعمش إذا رآه قد أقبل,  يقول:  هذا حبر القرآن.
قال أبو حنيفة رحمه الله لحمزة:
شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما:
القرآن والفرائض.
وقال سفيان الثوري : ما قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر.
وقال يحيى بن معين: سمعت محمد بن فضيل يقول: ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة.
وقال عبدالله بن موسى: ما رأيتُ أحدًا أقرأ من حمزة.
وقال الذهبي: فارسُ الكوفة أبو عُمارة حمزة … الزيات الزاهد. أحد السبعة. قرأ على التابعين. وتصدر للإقراء, فقرأ عليه جُل أهل الكوفة… وكان رأسا في القرآن والفرائض، قدوة في الورع… وكان إماماً قَيِّماً لكتابِ الله، قانتاً لله، ثَخِينِ الوَرَعِ، رفِيعَ الذِّكر، عالماً بالحديث والفرائضِ.

توثيقه:
قال ابن حجر: ذكره ابن حبان في الثقات.
قال يحيى بن معين: حمزة ثقة.
وقال النّسائيّ: ليس به بأس.
وقال العجلي: ثقة رجل صالح, صاحب سنة.
وقال ابن سعد كان رجلا صالحا،  عنده أحاديث وكان صدوقا …
قال الذهبي : وحديثه لا يَنحَطُّ عن رُتبَة الحَسَن.
روى له الجماعة (مسلم وأبوداوود والترمذي والنسائي وابن ماجه) سوى البخارى، وروى له أبو جعفر الطحاوى.

الرد على معارضيه:
وقد ذمّه جماعة من أهل الحديث, وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من القراءة.
وقال الساجي: صدوق سيء الحفظ , ليس بمتقن في الحديث.
قال الساجي أيضا: سمعتُ سلمة بن شبيب يقول: كان أحمد يكره أن يصلي خلف من يقرأ بقراءة حمزة.
وقال أبو بكر بن عياش: قراءة حمزة عندنا بدعة.
وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة.
وقد أجاب العلماء في ذلك جوابا واضحا شافيا, ورد حمزة نفسه على معارضيه…
قال الصفدي:
وقد كره قراءة حمزة , (بعض العلماء منهم:) ابن إدريس الأودي وأحمد بن حنبل، لفرط المدِّ والإمالة والسَّكت على الساكن قبل الهمزة وغير ذلك. حتى أن بعضهم رأى إعادة الصلاة، وهذا غلوّ. وقد استقر الحال، وانعقد الإجماع على ثبوت قراءته.  
قال ابن الجزري رحمه الله: وأما ما  ذُكِرَ عن عبد الله بن إدريس وأحمد بن حنبل من كراهة قراءة حمزة, فإن ذلك محمول على قراءة من سمعا منه ناقلا عن حمزة . وما آفة الأخبار إلّا روّاتها.
قال بن مجاهد: قال محمد بن الهيثم: والسبب في ذلك, أن رجلا ممن قرأ علي سُليم, حضر مجلس ابن إدريس؛ فقرأ, فسمع ابن إدريس ألفاظا فيها إفراط في المد والهمز وغير ذلك من التكلّف, فكره ذلك ابن إدريس وطعن فيه. قال محمد ابن الهيثم: وقد كان حمزة يكره هذا وينهي عنه.
قلتُ (القائل ابن الجزري): أما كراهته الإفراط من ذلك فقد روينا عنه من طرق أنه كان يقول لمن يفرط عليه في المد والهمز: لا تفعل أما علمتَ أنّ ما كان فوق البياض فهو برص, وما كان فوق الجعودة فهو قطط , وما كان فوق القراءة فليس بقراءة.

قال ابن حجر في ” تهذيب التهذيب” :
قرأتُ بخط الذهبي يريد ما فيها من المدّ المفرط والسكت وتغيير الهمز في الوقف والإمالة وغير ذلك , وقد انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول ويكفي حمزة شهادة الثوري له, فإنّه قال: ما قرأ حمزة حرفا إلا بأثر .
قال الذهبي: كرِهَ طائفةٌ مِن العلماء قراءةَ حمزة، لِما فيها مِن السَّكْتِ، وفرط المدِّ، واتِّباع الرَّسم، والإِضجاعِ، وأَشياء، ثمَّ استقرَّ اليوم الاتّفاق على قبولها، وبعض كان حمزةُ لا يرَاهُ.
ثم ذكر قول حمزة , فقال:
وعنه، قال: إِنَّ لهذا التَّحقِيق حَدّاً يَنتَهي إِليه، ثمَّ يكونُ قبيحاً.
قال رجل لحمزة: بلغنا أن رجلاً من أصحابك همز حتى انقطع زرُّه. قال: لم آمرهم بهذا كلِّه.

مؤَلفاته:
له من المؤلفات كتاب الفرائض وكتاب القراءة.

وفاته:

عاش الإمام حمزة 76 سنة ومات بحلوان في العراق سنة 156 هـ، 773 م، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته .
روى عن حمزة بن حبيب الزيات: كان علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) يقول: (من المتقارب)
لا  تُفشِ  سرّكَ  إلّا  إليكَ … فَإنّ  لكلّ نَصِيح  نَصيحاً
فإنّي رَأيتُ غواةَ الرجالِ … لا يَدَعُونَ أديمَاً  صَحيحَا

***************************************************
من مراجع البحث:
العبر في خبر من غبر – للإمام الذهبي (ج 1 / ص 42)
غاية النهاية في طبقات القراء – ابن الجزري(ج 1 / ص 115)
الوافي بالوفيات – الصفدي (ج 4 / ص 324)
الأعلام للزركلي – (ج 2 / ص 277)
تهذيب التهذيب – لابن حجر العسقلاني – (ج 3 / ص 24)
تهذيب الكمال – للمزي (ج 7 / ص 321)
موقع  / تاريخ قصة الإسلام.
سير أعلام النبلاء – للإمام الذهبي (ج 13 / ص 106)
معرفة الثقات – العجلي (ج 1 / ص 322)
مغانى الأخيار – بدر الدين العينى (ج 1 / ص 250)
ميزان الاعتدال – للإمام الذهبي (ج 1 / ص 605)
الأنساب للسمعاني – (ج 3 / ص 37)
سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي – العصامي (ج 2 / ص 34).

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات