اليوم : 9 ديسمبر , 2009

اللغوي العبقري صاحب القاموس المحيط الفيروزآبادي

اللغوي العبقري صاحب القاموس المحيط الفيروزآبادي
firoozabadالإمام , العلامة , المفسر , الفقيه , المحدث , الأديب , اللغوي , المؤرخ , صاحب التصانيف المشهورة.  (مجد الدين أبو الطاهر محمّد بن يعقوب بن إبراهيم بن عمر الشيرازي الفيروزابادي).

اسمه ونسَبه:
هو محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر، مجد الدين الفيروزآبادي.
وقد اشتهر بالفيروزابادي نسبة إلى (فيروزآباد) وهي مدينة جنوب شيراز كان منها أبوه وجده.
فيرُوزآباد: بلدة بفارس قرب شيراز كان اسمها جُور فغيرَها عضد الدولة .
قال ياقوت:
جور,(فيروز آباد) مدينة نزهة طيبة , والعجم تسميها: ” كور” وكور اسم القبر بالفارسية. وكان عضد الدولة بن بُوَيه يكثر الخروج إليها للتنزه فيقولون: ملك بكور رفت . معناه الملك ذهب إلى القبر, فكَرِه عضد الدولة ذلك فسماه فَيرُوزأباذ .
قال ابن الفقيه: بنى أردشير بن بابك ملك ساسان مدينة جور (فيروزآباد) بفارس , وكان موضعها صحراء فمرّ بها أردشير فأمر ببناء مدينة هناك وسمّاها أردشير خُرة. وسمّتها العرب جور , وهي مبنيّة على صورة دارابجرد, ونصب فيها بيت نار.
قال السري الرفاءُ يهجو الخالدي ويدعي عليه أنه سرق شعره:

قد  أنسَت العالم غاراته   …   في الشعر غارات  المغاوير
أثكلني غِيد  قواف  غدت   …   أبهى  من الغيد  المعاطير
أطيَبَ ريحاً من نسيم الصبا … جاءت بريا الورد من جور

وأما خبر فتحها: فذكر أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني جماعة من أهل العلم أن جور ( فيروزاباد) غُزيت عدة سنين فلم يقدر على فتحها أحد؛ حتى فتحها عبد الله بن عامر وكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام ليلة يصلي, وإلى جانبه جراب فيه خبز ولحم فجاء كلب وجره وعدَا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفي فألظ المسلمون بذلك المدخل حتى دخلوها منه وفتحوها عنوة, ولما فتح عبد الله بن عامر جور(فيروزاباد) كرّ إلى إصطخر ففتحها عنوة وبعضهم يقول: بل فتحت جور بعد إصطخر.
وينسب إليها جماعة، منهم أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عمران بن موسى الجوري الأديب. وأحمد بن الفرج الجُشَمي الجوري المقري. ومحمد بن يزداد الجوري. ومحمد بن الخطاب الجوري ومحمد بن الحسن بن أحمد الجوري.

مولده:
في واحدة من أجمل مدن شيراز وهي (كارزين) ولد أحد أئمة اللغة والأدب ، إنه (مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي الفيروزابادي).
ولد الفيروزابادي في سنة 729هـ1329 م، وحفظ القرآن الكريم في السابعة من عمره، فقد كان سريع الحفظ، حتى إنه قال: (لا أنام حتى أحفظ مائتي سطر كل يوم).

نشأَتُه:
حفظ القرآن وهو ابن سبع، وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمان، فأخذ الأدب واللغة عن والده، ثم عن القوام عبد الله بن محمود بن النجم، وغيرهم من علماء شيراز، وانتقل إلى العراق، فدخل واسط وبغداد، وأخذ عن الشرف عبد الله بن بكتاش، وهو قاضي بغداد، ومدرس النظامية بها… وظهرت فضائله، وكثر الأخذ عنه …

أساتذته:
سمع من الحافظ ابن القيم، تلميذ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية, والشيخ تقي الدين أبي الحسن السبكي , ومحمد بن يوسف الزرندي وابن نباتة ـ رحمهم الله ـ وغيرهم.

تلاميذه:
قصده طلاب العلم من جميع بلاد المسلمين، ينهلون من علمه الغزير، ومعرفته الواسعة، وقد أخذ عنه العلم علماء كثيرون من بلاد الإسلام أشهرهم (الجمال المراكشي) و(ابن عقيل) و(الصفدي) و(الحافظ ابن حجر) الذي أخذ عنه القاموس وأذن له أن يروي عنه جميع ما كتبه.

رحلاته:
ترك (الفيروزابادي) بلدته, و رحل في طلب العلم فسافر إلى العراق, ودخل واسط ثم بغداد؛ ثم ارتحل إلى دمشق وبعلبك وحماة وحلب والقدس والقاهرة ، والتقى هناك بابن هشام وابن عقيل, ودخل بلاد الروم(أي الدولة العثمانية) فأكرمه ملكها ابن عثمان.
ودخل الهند، ثم زبيد باليمن، فتلقاه ملكها الأشرف إسماعيل بالقبول، وقرره في قضائها، وبالغ في إكرامه.
ولم يدخل بلدا إلاّ وأكرمه متوليها وبالغ في تعظيمه , مثل شاه منصور بن شجاع حاكم تبريز, والأشرف حاكم مصر , والسلطان بايزيد خان بن عثمان حاكم التركية , وابن أويس صاحب بغداد ، وأعطاه تيمورلنك خمسة آلاف دينار؛ وحصل له مال جزيل، ومع ذلك فإنه كان قليل المال لسعة نفقاته.
ولا يسافر إلّا وصحبته عدّة أجمال من الكتب.

من أسباب شهرته:
تلقّى الفيروز آبادي رحمه الله علومه عن علماء عصره , وتفقّه ببلاده وسمع بها، من محمد بن يوسف الزرندي المدني، ونظر في اللغة إلى أن مهر وفاق، واشتهر اسمه ـ وهو شاب ـ في الآفاق، وطلب الحديث، وسمع من الشيوخ منهم: الحافظ الإمام الحجة ابن القيم، تلميذ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني؛ وسمع بالشام من الشيخ تقي الدين أبي الحسن السبكي الكبير، وولده أبي النصر تاج الدين السبكي الصغير، وابن نباتة، وابن جماعة وغيرهم.
واهتم باللغة وعلومها اهتمامًا كبيرًا حتى نبغ ومهر فيها وفاق جميع علماء عصره..
وكان سريع الحفظ.
يحكى عنه أنه كان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر.
ومصنفاته كثيرة، وقد عُدَّ منها بضع وأربعون مصنفا في اللغة والتفسير والحديث.
وكان حريصًا غاية الحرص على تحصيل العلم وشراء الكتب وحملها معه مهما كلّفه ذلك من مشقّاتٍ أو جَلَبَ لَهُ من متاعب…
ومن هنا نرى أن (الفيروزابادي) عاش حياة حافلة بالعلم، مما هيأ له أسباب الشهرة.

أهم مَلامح شخصيته وأخلاقه:

حرصه على العلم وشدة ذكائه وحفظه.
كان الإمام محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي رحمه الله عالم واسع العلم والثقافة، حادّ الذهن, شديد الذكاء, سريع البديهة, ذا فطنة عظيمة، حافظ لكثير من الشعر والحكايات والنوادر وكان هذا هو سر مكانته عند الملوك والأمراء، ساعده على ذلك معرفته الجيدة باللغتين العربية والفارسية، وحبّه الشديد لاقتناء الكتب وقراءتها، فيروى أنه قال: (اشتريتُ بخمسين ألف مثقال ذهبًا كتبًا) !.
قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر: وقد أكثر المجاورة بالحرمين، وحصل دنيا طائلة وكتبًا نفيسة لكنه كان كثير التبذير، وكان لا يسافر إلا وصحبته عدة أحمال من الكتب، ويخرج أكثرها في كل منزلة ينظر فيها ويعيدها إذا رحل…

مؤلَفاته:
أقبل على التصنيف في علوم مختلفة كاللغة والتفسير والحديث والتاريخ والفقه.

أشهر مؤلفاته :
كتاب القاموس المحيط ، وهو أشهر كتبه.
كتاب تحبير المُوشِّين في التعبير بالسين والشين. وهو مطبوع.
كتاب شرح قصيدة بانت سعاد في مجلدين.
كتاب الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف.
كتاب الدرر المبثَّثة في الغرر المثلثة. وهو مطبوع
كتاب المثلث الكبير في خمسة مجلدات.
كتاب أنواء الغيث في أسماء الليث.
كتاب الجليس الأنيس في أسماء الخندريس.
كتاب مقصود ذوي الألباب في علم الإعراب.
كتاب أسماء السراح في أسماء النكاح.
كتاب بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز. وهو مطبوع.
كتاب تفسير فاتحة الكتاب.
كتاب حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص.
كتاب تنوير المقباس في تفسير ابن عباس. وهو مطبوع.
كتاب روضة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر.
كتاب المرقاة الوفية في طبقات الحنفية.
كتاب المرقاة الأرفعية في طبقات الشافعية.
كتاب البلغة في تراجم أئمة النحاة واللغة. وهو مطبوع.
كتاب نزهة الأذهان في تاريخ أصبهان.
كتاب شوارق الأسرار العلية في شرح مشارق الأنوار النبوية.
كتاب منح الباري بالسيل الفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري.
كتاب تسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول.
كتاب الأحاديث الضعيفة.
كتاب الدر الغالي في الأحاديث العوالي.
كتاب الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر. وهو مطبوع.
كتاب سفر السعادة، وهو مطبوع.
كتاب عدة الحكام في شرح عمدة الأحكام.
كتاب الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد.

التدريس:
عمل (الفيروزابادي) بالتدريس في عدة مدارس منها مدرسة القدس التي بدأ فيها أستاذًا عملاقًا، تلقى عنه كثير من العلماء منهم الصلاح الصَّفْدِي وغيره من علماء القدس.
قال السخاوي رحمه الله: كانت له دار بمكة على الصفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن وقرر بها مدرسين وطلبة وفعل بالمدينة كذلك.

جهوده في الّلغة:
من أجلّ المؤلفات في اللغة كتابه اللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب وزيادات امتلأ بها الوطاب قدر تمامه: في مائة مجلد كل مجلد: يقرب من ( صحاح الجوهري ) في المقدار. أكمل منه: خمس مجلدات ثم شرع في مختصر من ذلك وأتمّه في: مجلدين وسمّاه: ( القاموس المحيط ).

ثناء العلماء عليه:
قال عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب: كان حافظا للغة، واسع المعرفة بها.
قال عنه التقي الكرماني: كان عديم النظير في زمانه نظما ونثرا , بالفارسي والعربي. جال البلاد واجتمع بمشايخ كثيرة …  
وقال الخزرجي في تاريخ اليمن: إنه لم يزل في ازدياد من علو الجاه والمكانة ونفوذ الشفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار.
وقال المقرّي:
هو آخر من مات من الرؤساء، الذين أنفرد كل منهم بفنّ فاق فيه أقرانه، على رأس القرن الثامن، وهم الشيخ سراج الدين البقيني، في الفقه على مذهب الشافعي؛ والشيخ زين الدين العراقي في الحديث؛ والشيخ سراج الدين ابن الملقن، في كثرة التصانيف وفن الفقه والحديث؛ والشيخ شمس الدين الفناري، في الاطلاع على كل العلوم العقلية والنقلية والعربية؛ والشيخ أبو عبد الله بن عرفة، في فقه المالكية بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي – الفيروزآبادي – في اللغة. رحمهم الله تعالى أجمعين رحمة واسعة.
وقال عنه أيضًا: كان كثير العلم والاطلاع على المعارف العجيبة؛ وبالجملة كان آية في الحفظ والاطلاع والتصنيف.
وقال عنه الزركلي في “الأعلام”: كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير.
و من شعره مما كتبه عنه الصلاح الصفدي رحمه الله:
أحبتنا الأماجد إنْ رحلتم … و لم ترعوا لنا عهدا وإلاّ
نودعكم ونودعكم قلوبا … لعل الله يجمعنا وإلاّ

قرأ كتاب صحيح مسلم على الشيخ ناصر الدين بن جهبل بدمشق في ثلاثة أيام, فقال في ذلك :
قرأتُ بحمد الله جامع مسلم … بجوف دمشق الشام جوفا لإسلام
على ناصر الدين الإمام بن جهبل … بحضرة حفاظ مشاهير أعلام
و تم بتوفيق الإله بفضله … قراءة ضبط في ثلاثة أيام
قال الفاسي: له شعر كثير ونثره أعلى …  وله خط جيد مع السرعة.
كانت بلاد اليمن عمياء فاستنارت بك…

وبعد أن طاف الفيروزابادي في بلاد كثيرة، انتهي به المطاف في (زبيد) باليمن حين استدعاه صاحبها وأميرها (الأشرف إسماعيل بن العباس) إلى حضرته، فلمّا جاء إليه بالغ في إكرامه، وكان يحضر درسه الذي كان يلقيه…
وفي سنة 797هـ ولاه الأشرف إسماعيل منصب القضاء، ثم تزوج السلطان ابنته وبذلك نال الفيروزابادي المكانة العليا عنده، حتى يروى أنه ألف كتابًا وأرسله إليه محمولاً على أطباق فردّها السلطان إليه مملوءة بالدراهم، وقد بلغ من إعزاز (الأشرف) به وحرصه على ألا يفارقه أنه حين جاءه يستأذن منه في السفر فمنعه من ذلك بحجّة أنّ في ذلك حرمانًا للبلاد والعباد من علمه، وكان ممّا قاله له: (كانت بلاد اليمن عمياء فاستنارت بك، وقد أحيا الله بك ما كان ميتًا من العلم، فبالله عليك إلّا ما وهبتنا بقية عمرك).

وفاته:
عاش الفيروزآبادي 88 سنة , وتوفي في سنة 817 هـ، 1415 م، بمدينة زبيد باليمن وهو متمتع بحواسه.
تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته.

الكاتب: أبو محمد البلوشي
***********************************
من مراجع البحث:

طبقات النسابين –  بكر أبو زيد (ج 1 / ص 27)
ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .
معجم البلدان – لياقوت الحموي (ج 2 / ص 29)
موقع تاريخ قصة الإسلام
مشاهير أعلام المسلمين /علي بن نايف الشحود
أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض – المقري (ج 1 / ص 249)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات