اليوم : 26 أبريل , 2009

الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله

الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله
Image
العبقري الفذ والمحدث الجليل الذي نريد في هذه الوجيزة أن تكون لنا جولة في أيام حياته هو شيخ الإسلام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المصري، نزيل القاهرة، الذي عُرف بـ "ابن حجر" بين أهل العلم والعلماء، وهو لقبٌ أطلق على بعض آبائه.

كان رحمه الله من أئمة العلم والتاريخ. ولد بمدينة القاهرة في الثالث والعشرين من شعبان سنة 773هـ ، وهو من عائلة فلسطينية الأصل سكنت مدينة عسقلان وهاجرت إلى مصر قبل أن يولد هناك، وكان والده عالماً أديباً ثرياً، وأراد لابنه أن ينشأ نشأة علمية أدبية إلا أنه توفي ولم يزل أحمد طفلاً فكفله أحد أقارب والده زكي الدين الخروبي كبيرالتجار بمصر، فرعاه الرعاية الكاملة وأدخله الكُتّاب فظهر نبوغه المبكر فقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن خمس سنين ووصف بأنه كان لا يقرأ شيئاً إلا انطبع في ذهنه.

رحلاته و طلبه للعلم:

قام ابن حجر برحلات دراسية إلى الشام والحجاز واليمن وغيرها من مراكز العلوم الإسلامية والشرعية في عصره، واتصل بمجد الدين الشيرازي، وتعلم اللغة (القاموس المحيط) على يدي صاحبه، غير أن ابن حجر وجد في نفسه ميلا وحبًّا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه منكبًّا على علومه مطالعة وقراءة، وأجازه معظم شيوخه بالرواية وإصدار الفتاوى والقيام بالتدريس، فكانت تقام له حلقات الدرس، ويجلس فيها العلماء في كل بلد يرحل إليه، حتى انتهت إليه الرياسة في علم الحديث في الدنيا بأسرها، وبلغت شهرته الآفاق، وارتحل أئمة العلم إليه من كل أنحاء العالم الإسلامي.
فرحل إلى مكة سنة 785هـ وأقام بها سنة فسمع الحديث بها، ثم حُبّب إليه الحديث الشريف فاشتغل بطلبه على يد كبار شيوخه في البلاد الحجازية، والشامية، والمصرية، ودرس خلالها الحديث على يد الشيخ عبدالله بن سليمان النشاوري، وقد قرأ عليه صحيح البخاري وسمع في مكة من الشيخ جمال الدين بن ظهيرة. ثم رحل من مكة إلى مصر عائداً فداوم على دراسة الحديث الشريف على يد العلامة الحافظ عبدالرحيم العراقي، وتلقى الفقه من الشيخ ابن الملقن والعز ابن جماعة وعليه درس الأصول وباقي العلوم الآلية كالمنهاج وجمع الجوامع وشرخ المختصر والمطول. ثم رحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة وما بين هذه النواحي لسماع الشيوخ وعلت شهرته فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره. وأقام في فلسطين وتنقل في مدنها يسمع من علمائها ويتعلم منهم، ففي غزة سمع من أحمد بن محمد الخليلي وفي بيت المقدس سمع من شمس الدين القلقشندي، وفي الرملة سمع من أحمد بن محمد الأيكي، وفي الخليل سمع من صالح بن خليل بن سالم ، وبالجملة فقد تلقى ابن حجر مختلف العلوم عن جماعة من العلماء كل واحد كان رأساً في فنه كالقراءات والحديث واللغة والفقه والأصول، ويذكر عن شيخه العز بن جماعة أنه قال: أقرأ في خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصري أسماءها. وقد أَهَّلَه علمه الغزير أن يشغل عدة مناصب مهمة، فقام بتدريس الحديث والتفسير في المدرسة الحسنية، والمنصورية، والجمالية، والشيخونية والصالحية وغيرها من المدارس الشهيرة بمصر، كما تولى مشيخة المدرسة البيبرسية. وكان من عادة ابن حجر أن يختم في شهر رمضان قراءة صحيح البخاري على مسامع تلاميذه شرحًا وتفسيرًا، وكانت ليلة الختام بصحيح البخاري كالعيد؛ حيث يجتمع حوله العلماء والمريدون والتلاميذ، ثم توج حبَّه لصحيح البخاري وشغفه به بأن ألَّف كتابًا لشرحه سماه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) استغرق تأليفه ربع قرن من الزمان!! حيث بدأ التأليف فيه في أوائل سنة 817هـ وانتهى منه في غرة رجب سنة 842هـ. وهذا الكتاب يصفه تلميذه (السخاوي) بأنه لم يكن له نظير، حتى انتشر في الآفاق وتسابق إلى طلبه سائر ملوك الأطراف، وقد بيع هذا الكتاب آنذاك بثلاثمائة دينار وقد كتب الله لابن حجر القبول في زمانه، فأحبه الناس؛ علماؤهم وعوامهم، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونساؤهم، وأحبه أيضًا النصارى، وكانت أخلاقه الجميلة وسجاياه الحسنة هي التي تحملهم على ذلك، فكان يؤثر الحلم واللين، ويميل إلى الرفق وكظم الغيظ في معالجة الأمور، يصفه أحد تلاميذه بقوله: كل ذلك مع شدة تواضعه وحلمه وبهائه، وتحريه في مأكله ومشربه وملبسه وصيامه وقيامه، وبذله وحسن عشرته ومحاضراته النافعة، ورضي أخلاقه، وميله لأهل الفضائل، وإنصافه في البحث ورجوعه إلى الحق وخصاله التي لم تجتمع لأحد من أهل عصره. ولشهرته كعالم حديث ودين فقد سمي "الحافظ" أما عن قيمته بالنسبة لتاريخ مصر الإسلامية فله تراث تاريخي قيم. وقد اشتق صفته كمؤرخ ثبت من براعته كمحدث.

تصانيفه:
قد ترك لنا ابن حجر ثروة ضخمة من الكتب والمؤلفات والتصانيف تزيد على مئة وخمسين مصنفاً في مجموعة من العلوم المهمة وسنذكر بعض ما اشتهر منها وطارت سمعته في الآفاق:
 1- "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (خمسة عشر مجلداً) ، ومكث ابن حجر في تأليفه عشرين سنة. ولما أتم التأليف عمل مأدبة ودعا إليها أهل قلعة دمشق وكان يوماً عظيماً. ويعتبر هذا السفر العظيم أفضل شرح وأعمه نفعاً لصحيح البخاري الذي يعتبر ثاني كتاب بعد كتاب الله تعالى، وتأتي أهمية كتاب ابن حجر من كونه شرحاً لأصح ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث، وقد تضمن ذلك الشرح ذكر أحاديث أخرى، وعلق ابن حجر على أسانيدها وناقشها حتى كان بحق (ديوان السنة النبوية)، وكذلك لما تضمنه من فقه وأصول ولغة ومناقشة للمذاهب والآراء في شتى المعارف الإسلامية. وقد اشتهر هذا الكتاب في عهد صاحبه حتى قبل أن يتمه، وبلغ شهرته أن الملك شاه رخ بن تيمور (ملك الشرق) بعث بكتاب إلى السلطان برسباي يطلب منه هدايا من جملتها (فتح الباري) فجهز له ابن حجر ثلاث مجلدات من أوائله.
 2- "الإصابة في تمييز الصحابة"، وهو كتاب تراجم ترجم فيه ابن حجر للصحابة الكرام فكان من أهم المصادر في معرفة الصحابة.
3- "تهذيب التهذيب" ومختصره كتاب "تقريب التهذيب".
4- "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"، ذكر فيه أحاديث لم يخرجها أصحاب المسانيد الثمانية.
5- "إنباء الغمر بأنباء العمر" وهو مؤلف ضخم يقع في حوالي ألف صفحة كبيرة حيث يتبع نظام الحوليات والشهور والأيام في تدوين الحوادث. ثم يتبع حوادث كل سنة بأعيان الوفيات. وقد أفاض في ذكر ما يتعلق بمصر من هذه الحوادث، وهو يتناول الأحداث التي وقعت بين سنة (773 – 850 هـ).
6- "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" وهو معجم ضمنه تراجم أعيان القرن الثامن الهجري من علماء وملوك وسلاطين وشعراء وغيرهم من مصر ومختلف بلاد الإسلام، ويعتبر هذا الكتاب من أهم مصادر تاريخ مصر الإسلامية في الفترة التي يتناولها، وتبدو نزعته كعالم حديث في ذكر مصادره التي اعتمد عليها في تأليفه.
  7- "رفع الإصر عن قضاة مصر" وهو معجم لقضاة مصر منذ الفتح الإسلامي حتى آخر القرن الثامن الهجري.

المناصب التي شغلها إبن حجر:
شغل ابن حجر الكثير من الوظائف المهمة في الإدارة المملوكية المصرية، مما هيأ له الوقوف على مجريات السياسة المصرية ودخائلها آنذاك ومكنه من الاتصال المباشر بالمصادر الأولى لأحداث عصره. وولي الإفتاء بدار العدل، وتولى ابن حجر منصب القضاء، واستمر في منصبه نحو عشرين سنة شهد له فيها الناس بالعدل والإنصاف، وإلى جانب ذلك تولى الخطابة في الجامع الأزهر ثم جامع عمرو بن العاص. وكان قاضى قضاة الشافعية وعني ابن حجر عناية فائقة بالتدريس واشتغل به ولم يكن يصرفه عنه شيء حتى أيام توليه القضاء والإفتاء، وقد درّس في أشهر المدارس في العالم الإسلامي في عهده من مثل المدرسة الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الآستادار في القاهرة (وجمال الدين هذا من أهالي البيرة قرب رام الله في فلسطين). فإنه كان متفردا من بين أهل عصره في علم الحديث مطالعة وقراءة وتصنيفاً وإفتاءً حتى شهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد والعدو والصديق، حتى كان إطلاق لفظ "الحافظ" عليه كلمة إجماع بين العلماء، وقد رحل إليه الطلبة من الأقطار وطارت مؤلفاته في حياته وانتشرت في البلاد وتكاتب الملوك من قطر إلى قطر في شأنها.

ابن حجر كشاعر:
كان شيخ الإسلام ابن حجر شاعراً مطبوعاً، و تبوأ مكانة مرموقة بين أدباء عصره. وكانت له اليد الطولى في الشعر.
فكان رحمه الله مولعا أولا بالشعر والأدب ثم انكب على الحديث، لأجل ذلك أثرت عنه أشعار رائعة جميلة تدل على قدرته الأدبية والبلاغية وقوة قريحته الشعرية، وله ديوان شعر متوسط الحجم مطبوع.
أذكر هنا مطلع قصيدة طويلة أنشدها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:

إن كنت تنكر حباً زادني كلفا .:. حسبي الذي قد جرى من مدمع وكفى
وإن تشككت فسئل عاذلي شجـني .:. كم بت أشكو الأسى والبث والأسفا
كدرت عيشاً تقضى في بعادكمو .:. وراق مـني نسيب فيكمو وصفا
سرتم وخلفتمو في الحي ميت هوى .:. لولا رجـاء تلاقيكم لقد تلفا

وفاته:
توفي ابن حجر بعد عشاء ليلة السبت ثامن ذي الحجة سنة 852هـ. رحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به عباده الصالحين من العلماء العاملين. و كان يوم وفاته يومًا مشهودًا، اجتمع في تشييع جنازته من الناس عامتهم وخاصتهم ما لا يحصيهم إلا الله، حضره الوزراء والأمراء والقضاة والعلماء يتقدمهم سلطان مصر والخليفة العباسي، ولما وصلوا بالجنازة إلى المصلى أمطرت السماء على نعشه، وقدم الخليفة للصلاة عليه، وكان ممن حضر الجنازة الشاعر الشهاب المنصوري. حتى كادت تتوقف حركة الحياة بمصر، وصلَّت عليه البلاد الإسلامية صلاة الغائب، في مكة وبيت المقدس والخليل وغيرها، ورثاه الشعراء بقصائدهم، والكتاب برسائلهم.
 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات