اليوم : 28 مارس , 2009

مدينة نهاوند قبل الصفوية وبعدها

مدينة نهاوند قبل الصفوية وبعدها
حصن يزدجرد في نهاوند

حصن يزدجرد في نهاوند

إن مدينة "نهاوند" من أقدم مدن إيران ومن أهمها حسب ما ذكرفي بعض المصنفات حول البلدان والكتب التاريخية، ولقد كانت ذات أهمية إستراتيجية بالغة عند زحف جنود الإيمان وغزوهم  إحدى الطاقتين الكبرى في عهد الصحابة وعند مطلع الإسلام، حيث استطاعت طاقة فرس المشتتة والمبعثرة أن تتجمع لمرتها الأخيرة في هذه المنطقة تحت لواء أحد قادتها، ليتلقوا درسهم الأخير في سلسلة من دروس الهزائم والانكسارات أمام جنود وعدوا من عند الله عزوجل بالنصروالغلبة والتمكين والخلافة والمغانم التي سيعجزون عن عدها وإحصاءها. «عد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم ليستخلفنهم في الأرض». وقال الله تعالى: «إن جندنا لهم الغالبون وإن جندنا لهم المنصورون».

تقع هذه المدينة في محافظة همدان التي هي إحدى المحافظات المركزية في إيران، منتهية من جهة الشمال بعاصمة هذه المحافظة وهي مدينة همدان المعروفة ومن الغرب بمحافظة كرمانشاه ومن الجنوب بمحافظة لرستان وهي ثالث مدينة في المحافظة المذكورة من حيث عدد السكان بكثافة سكانية تزيد على إثنين وسبعين ألفا نسمة.
ذكر القزويني في كتابه "آثار البلاد وأخبار العباد" عن هذه المدينة قائلا: قالوا إنها من بناء نوح عليه السلام، واللفظ دال عليه، وأصله "نوح آوند" أي نوح وضع. بها عجائب. بها موضع يقال له وازوان البلاعة، به حجر كبير فيه ثقبة فتحها أكبر من شبر، يفور منها الماء كل يوم مرة، فيخرج وله صوت عظيم يسقي أراضي كثيرة، ثم يتراجع حتى يدخل ذلك الموضع الذي خرج منه. وحكى ابن الكلبي أن هذا الحجر مطلسم، لا يخرج الماء منه إلا وقت الحاجة، ويفور حتى يستغنى عنه؛ ومن عجائبها ما ذكره ابن الفقيه من أمر قصب الذريرة، فما دام بنهاوند أو شيء من رساتيقها فهو بمنزلة الخشب لا رائحة له، فإذا حمل منها وجاوزوا به العقبة التي يقال لها عقبة الركاب فاحت رائحته، فإن سلكوا به غير تلك العقبة يبقى بحاله لا يصلح إلا للوقود.
وحكى مسعر بن مهلهل أن على جبل نهاوند ثوراً وسمكة منحوتة من الحجر في أحسن صنعة؛ قالوا: إنهما طلسمان لآفات المدينة. ويكثر بنهاوند شجر الخلاف ما في شيء من البلاد بكثرتها، تتخذ منها الصوالج وتحمل إلى سائر البلاد . وذكرالحميري في  كتابه "الروض المعطار في خبر الأقطار" نهاوند بفتح أوله، من كور الجبل، وهي آخر كور الجبل، من همذان إلى نهاوند مرحلتان، ومنها إلى الكرج مرحلتان. قالوا: ونهاوند ماه البصرة، ومعنى نهاوند صاحب الأساس، وقيل ترجمة نهاوند "وجدت كما هي" سميت بذلك لأنها لم توجد بعد الطوفان قرية فيها بقية سواها، ونهاوند مدينة جليلة على جبل ذات سور طين، ولها بساتين وجنات وفواكه ومتنزهات ومياهها كثيرة وفواكهها تحمل إلى العراق لطيبها وكبرها وبها جامعان أحدهما قديم والآخر محدث، وهي كثيرة الرساتيق والعمارات وفيها كان اجتماع الفرس لما لقيهم النعمان بن مقرن المزني سنة ثلاث وعشرين.

بطل نهاوند "النعمان بن المقرن"

من المناسب ونحن نتحدث عن نهاوند أن نذكر جانبا بسيطا من حياة الصحابي الجليل، المغوار، بطل الحرية ومنجي المستضعفين "النعمان بن المقرن المزني رضي الله عنه"  بطل معركة نهاوند ، معركة فتح الفتوح والعبقرية التي لمعت لأول مرة في أبواب هذه البلدة لتقديم رسالة محمد صلى الله عليه إلى متعطشيها  وإخراج عبدة النار والكسرى من عبادتهما إلى عبادة الله وحده .
فإن في أخبارمثل هؤلاء  روح ونور، نشاط وعمل، تربية وتاثير في النفوس والقلوب، فإبن مقرن   ومن كان معه من الرجال الأفذاذ لقد سجلوا تاريخاً وبخاصة في القطر الشرقي من العالم في بلاد فارس، ولهم  منة وإحسان على أهل هذه البلاد وبل على الأمة المسلمة ولكنه مع الأسف الشديد لقد نسينا فضلهم وإحسانهم أو تناسيناهم بتعبير أدق أو أصح.
ينتمي النعمان إلى  قبيلة مزينة ويكنى أباالحكيـم، وكان يوم إسلامه يوما مشهودا، إذ جلس سيد القوم الصحابي الجليل النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه في ناديه مع إخوته ومشيخة قبيلته، فقال :يا قوم والله ما علمنا عن محمد إلا خيرا، ولا سمعنا من دعوته إلا مرحمة وإحسانا وعدلا، فما بالنا نبطئ عنه، والناس يسرعون إليه؟ ثم قال رضي الله عنه: «أما أنا فقد عزمت على أن أغدو عليه إذا أصبحت، فمن شاء منكم أن يكون معي فليتجهز». وكانت هذه الكلمات كأنما مست وترا مرهفا في نفوس القوم، فما إن طلع الصباح حتى وجد إخوته العشرة، وأربعمائة فارس من فرسان مزينة قد جهزوا أنفسهم للمضي معه إلى يثرب للقاء النبي صلى الله عليه وسلم، والدخول في دين الله. 
فقال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ان للإيمان بيوتا و للنفاق بيوتا وإن بيـت بني مقرن من بيوت الايمان". وشهدوا مع الرسول غزوة الخندق وغزواته الأخری، و قد كان النعمان يرفع لواء مزينة في فتح مكة، وبعد التحاق النبي صلی الله عليه و سلم بالرفيق الأعلی ثبت النعمان رضي الله عنه  كما ثبتت مزينة علی الإسلام، بينما ارتد بعض العرب، ونجم النفاق، وأصبح المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقدهم نبيهم.  فكان لهذا الثبات أثر كبير في القضاء علی المرتدين في تلك المناطق بصورة خاصة وفي المناطق العربية الأخری بصورة عامة  وكذلك للقضاء على إمبراطورية فارس حيث كان النعمان قائد معركة سماها مصنفوا السير بفتح الفتوح. فبعد أن فتح العراق وسوادها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه واشتدت رحی الحرب في الجبهة الشرقية، واستطاع المسلمون أن يفتحوا بعض البلاد والأقاليم من الأهوازغيرها، و بعد هذا الانهزام والفشل فر يزدجرد المجوسي من بلد إلی بلد حتی وصل إلی اصفهان، فكتب إلی ناحية نهاوند وما والاها من عشايرالجبال والبلدان واستجاشهم ونفخ فيهم روح الدفاع، فتجمّع لهذا الأمر مالم يجتمع له قبل ذلك، فذكر أصحاب السير عددهم مائة وخمسين ألفا، فبعث سعد إلى عمر رضي الله عنهم  يعلمه بذلك، فتقررت بعد المشورة على إرسال قائد يعتمد عليه لتمزيق هذه الجموع الكثيرة المتجمعة في نهاوند وتشتيتهم، ورشح لهذالأمر العظيم الصحابي الجليل نعمان بن مقرن رضوان الله تعالى عليه، وفي بعض الروايات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أراد أن يرشح النعمان بن مقرن في القطر الشرقي فناداه لذلك الأمر العظيم فاستجابه النعمان قائلاً: أما غازياً فنعم! و أما جابياً فلا!، (المراد بالجابي، أن يولّي إمارة مدينة فيكون أسيراً علی أهل المدينة فيجمع ويجبي الصدقات ويولي أمور بيت المال والحكم) فالنعمان كان لا تعجبه الإمارة، لأنه كان رجل المعركة والجهاد، ويحب أن يقتل  في سبيل الله. فسار النعمان بن مقرن بأمر الخليفة إلی أرض الجهاد والغزو والتقی هناك بالقائد العام في الجبهة الشرقية (الصحابي الجليل سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه) فولی النعمان علی «كسكر»، فكره النعمان هذا وكتب إلی عمر رضي الله عنه أن يعزله لأنه لا يريد أن يكون جابياً بل يريد أن يكون غازياً، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمره بالسير نحو جموع الأعاجم الكثيرة التي جمعت لهم بمدينة نهاوند، وكتب أيضا إلى والى الكوفة يأمره أن يستنفر ثلثي الناس ويبقي ثلثهم، كما كتب إلی أبي موسی الأشعري رضي الله عنه: «أن سر بأهل البصرة»، وكتب إلی كافة قادة القوات: « إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرّن ». كتب إلی أمراء الأجناد في الأهواز أن يشاغلوا أهل فارس عن إخوانهم، وأراد بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقطع الإمدادات الفارسية عن أهل نهاوند من جهة، ويشاغل القوات الفارسية في جهات متعددة ليضعفها أولاً، وليضرب ضربته الحاسمة في نهاوند بعد جمع قوات المسلمين فيها ثانيا .ً
فبدأ النعمان بإنجاز تخطيطاته العسكرية والجهادية  وإرسال الجماعات الإستخباراتية لمعرفة أخبار الفرس لدراسة موقع المعركة وليكون علی بصيرة وخبرة تامة عن جيش العدو. فلما علم النعمان  بعدم وجود قوات فارسية معادية في طريقه إلی نهاوند؛ عند ذلك تحرك بقواته حتی نزل منزلاً قريباً من حصون أعدائه ودارت المعركة على مشارف نهاوند، وكبر النعمان بن مقرن رضي الله عنه تكبيراته الثلاث، واندفع في صفوف العدو، كأنه الليث عاديا، وتدفق وراءه جنود المسلمين تدفق السيل، وقاد المعركة بشجاعة نادرة، ودارت بين الفريقين رحى معركة ضروس قلما شهد التاريخ لها نظيرا. كانت من أشهر معارك المسلمين في فتح بلاد الفرس وتمزق جيش الفرس شر ممزق، وملأت قتلاه السهل والجبل، وزلق جواد النعمان بن مقرن رضي الله عنه بالدماء فصرع، وأصيب رضي الله عنه إصابة قاتلة، فأخذ أخوه اللواء من يده، وسجاه ببردة كانت معه، وكتم أمره على المسلمين، ولما تم النصر الكبير الذي سماه المسلمون "فتح الفتوح" ، سأل الجنود المنتصرون عن قائدهم الباسل، فرفع أخوه البردة عنه، وقال هذا أميركم ، قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة ودخل المسلمون نهاوند فاتحين بعد هزيمة الفرس، وبذلك انتهت معركة نهاوند الحاسمة التي أطلق عليها المسلمون بحق اسم "فتح الفتوح". فلما جاء عمربن الخطاب رسول المسلمين من نهاوند سأله عمر: ما وراءك؟ قال: البشری والفتح. وسأل عمر: وما فعل النعمان؟ فقال: زلّت فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد. قال عمر وقد أفزعه النبأ وهزّه: إنا لله وإنا إلیه راجعون، ولم يتمالك نفسه أن بكی حتی نشج كأنما أصيب بأعز إنسان لديه . نعم ضحى النعمان وأمثاله بدمائهم لا لعرض من الدنيا  بل لمكافحة ما رآه من الظلم والعدوان والمفاسد في مثل هذه البلاد وتحقيقا لما وعدهم الله ورسوله من النصر ولإظهار دينه على كل الأديان. و سجل هو ورجاله أسماءهم في قائمة الأبطال الأقوياء المحسنين المنعمين على القطر الشرقي إلى الأبد ولو كره المعاندون، وصنعوا من نهاوند المجوسية نهاوند حديثة ذات حضارة أصيلة  وثقافة متينة وديانة تامة على أصول وأسس إلهية سماوية، وساقوا أهلها نحو الأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة، ومنحوهم الحرية الكاملة في الحياة الدينية والدنيوية التي لم يحلموا بمثلها يوما من الأيام، ووضعوا عنهم الإصر والأغلال التي كانت عليهم من الحكم المجوسي القائم على القداسة العائلية والعرقية، وأزالوا عنهم ظلم الملوك وسيطرتهم بجهادهم وقتالهم، كما أخرجوهم من عبادة النيران إلى هدي الإسلام المتين، فلم يدع أهل نهاوند أن تفوتهم الفرصة في تقبل هذه الهدية الغالية، ولم يذهب كثير زمان إلى أن أصبحت مدينة علم وعلماء يتذاكر أهلها القرآن والفقه والحديث والعلوم الإسلامية الأخرى وذاقوا طعم الحرية لأول مرة في حياتهم، وإن خروج جمع غفير من المحدثين والفقهاء من هذه البلاد في القرون الإسلامية الأولى خير دليل على أن نهاوند كانت بوابة الإسلام نحو بلاد الشرق، فمنها دخل الإسلام بلاد الشرق.
وإليكم بعض مشاهير هذه المدينة:

معن بن عيسى البجلى:
محدث جليل صاحب أخبار وحكايات وهو متأخر عن القزاز، أبو سعيد النهاوندى من الطبقة الثانية عشر يعني الآخذين عن تبع الأتباع. توفي في رجب سنة خس وستين وثلاثمائة.
 روى عن الأخرم ومحمد بن يحيى بن مندة والطوسي وغيرهم .

 أحمد النهاوندي:
هو أحمد بن محمد النهاوندي عالم فلك عاش في القرن السابع و أوائل الثامن الميلادي. يدل اسمه على انتماءه إلى منطقة نهاوند. عمل في أكاديمية غونديشابور "دانشگاه گنديشاپور" في زمن يحيى بن خالد البرمكي الذي قتل عام 803 ميلادي خلال نكبة البرامكة.
 كتب بعض المؤرخين أنه كان يصنع مراصد النجوم بمعية "ماشاءالله بن آثاري" وكانا من أشهر المنجمين والفلكيين في عصر المنصور الخليفة العباسي.

مدركي النهاوندي:
هو عبدالباقي بن آقا بابا النهاوندي الهندي المعروف بباقي، والمشتهر في شعره بمدركي كأديب ايراني من أهل نهاوند، وكان شاعراً، كاتباً، مؤرخاً. رحل إلى الهند وخدم ملكها وحظي لديه. لعل سبب رحلته إلى الهند ما كان يواجهه أهل العلم والأدب  في عصره من الاضطهاد والمضايقات من قبل الصفوية الظالمين حيث كانوا يرحلون إلى الهند أو الخلافة العثمانية . 
له ديوان شعر، وله كتاب "مآثر رحيمي".
توفي في الهند سنة 1033 هـ  ، وقيل سنة 1042 هـ .

القاضي العلامة أبو عبد الله الحسين بن نصر النهاوندي :
 قاضي نهاوند أصله من "أيدبن" وهي قرية من قرى "ديار بكر" وكان والده يلقَّب بالمرهف وكان  من نهاوند.
 كان شافعي المذهب، سمع من أبي طاهر محمد بن هبة الله الموصلي بآمد ، ثم قدم بغداد ، وبرع في الفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وأحكم الأصول، وسمع من أبي محمد الجوهري، والقاضي أبي يعلى، وأبي بكر الخطيب، وحدث عنه: الحسين بن خسرو، وأبو طاهر السلفي، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، وغيرهم.  قال السلفي إنه ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وكان من كبار أصحاب أبي إسحاق، وولي قضاء نهاوند مدة مديدة. وقال المبارك بن كامل الخفاف: مات بنهاوند في محرم سنة تسع وخمسمائة .رحمه الله رحمة واسعة .

 أبو عبد الرحمن عبد الله بن إسحاق بن سيامرد النهاوندي:
الإمام الحافظ.  حدث عن: يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عزيز الأيلي،  وعلي بن حرب، وأبي زرعة، وأحمد بن شيبان، وعصام بن رواد، وخلق كثير من المحدثين. حدث بهمذان في سنة ثمانية عشرة وثلاثمائة. 
قال صالح بن أحمد : سمعت منه مع أبي وكان ثقة، يحفظ ويذاكر، قدم علينا في سنة ثمانية عشرة وثلاثمائة. وممن روى عنه عبد الرحمن بن الأنماطي .

  أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري:
 وأصل الجنيد من نهاوند، ومولده ومنشأه العراق. وكان شيخ وقته وفريد عصره وكلامه في الطريقة وأسرار الحقيقة. تفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي، وقيل بل كان فقيهاً على مذهب سفيان الثوري.
 توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين.
  
أحمد بن إسحاق بن حرمان أبو عبد الله البصري:
  أصله من نهاوند. سمع محمد بن أحمد بن عمرو الربيعي وأبا بكر بن داسة التمار وأحمد بن الحسين المعروف بشعبة الحافظ البصريين والحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ونحوهم وكان ثقة، درس فقه الشافعي على القاضي أبي حامد المروروذي وقدم بغداد وحدث بها فروى عنه أبو بكر البرقاني.
 كانت وفاة ابن حرمان بالبصرة حدود سنة عشر وأربعمائة .

 أبو بكر بن أبي محمد النهاوندي المالكي:
 حدث بدمشق عن أبيه. سمع منه علي بن محمد الحنائي ومحمد بن عبد الله النصيبي في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. خلف أباه على القضاء بدمشق عقيب مضيه إلى مصر لما استدعي منها وكان صبيا حينئذ ثم ولي القضاء بها بعد موت أبيه. قال أبو محمد بن الأكفاني: سار القاضي أبو عبد الله بن أبي الدبس من دمشق إلى مصر في ليلة الخميس نصف الليل لاثنتي عشرة خلون من شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ولم يعلم به حتى سار وذلك أنه بلغه أنه قد عزل عن القضاء واستخلف ابنه محمدا على القضاء بدمشق وهو صبي له ثمان عشرة سنة ورجع ودخل دمشق يوم الأربعاء لليلتين خلتا من المحرم في سنة خمس وتسعين.

 نهاوند بعد الصفوية 
واستمرت نهاوند التي استقبلت الإسلام إستقبالا رائعا مسايرة مع الإسلام الذي وجدوه كأغلى وأعز شيء في حياتهم وساعدوا على صنع الحضارة الإسلامية في جميع العصور والقرون كما أنها شاهدت تقلبات الملوك وظهورالفرق الباطلة والنحل الفاسدة وحدوث الفتن المختلفة في سيرها، إلى أن  جاء ذلك الدور المظلم في تاريخ إيران وتلك الكارثة التي عمت مفاسدها وأضرارها أنحاء العالم الإسلامي كلها وهي كارثة الصفوية التي أنشبت أظفارها في المجتمع الإيراني بارتكاب مذابح يتندى لها الجبين. ولم تأمن نهاوند كمدينة قريبة من حدود الخلافة العثمانية بوائق الصفويين شأن سائر المدن الإيرانية مثل همدان وتبريز وإصبهان وشيراز ومئات من المدن الكبيرة والصغيرة التي هدمت أو أحرقت بكاملها  في هذا الدور المظلم الذي لم يشهد تاريخ إيران مثلها في عصر من العصور ولا في هجمة عدو من الأعداء مهما بلغت همجيتهم ووحشيتهم مثل ما كان في عصر هؤلاء الوحوش.
فلم تبق في نهاوند من ماضيها بعد وقوع المعارك الدامية وبعد هجمات الصفوية من هذه الناحية على بغداد ووقوع المعارك بينهم وبين الصفويين إلا مقبرة النعمان بن المقرن الذي نصب اليوم بجوارها معمل كبير لاستخراج الأحجار الثمينة والمعادن وحفريات هذا العمل تتجه إلی هذا القبر، وقد وصلت إلی القبر علی بعد حوالي عشر مترات، ولو تواصلت الحفريات كما شاهده بعض الإخوة  سينهار بها  البناء والقبروهو التراث الوحيد الذي سلم من أيدي الصفوية ولو أدركوا أنها مقبرة النعمان الصحابي الجليل لأبادوها إبادة تامة كما فعلوا بقبورسائر الأولياء والصالحين في المدن الأخرى ولكن أعماهم الله تعالى عن هذا الصحابي الجليل، ولا ندري ماذا سيكون مستقبل المقبرة مع أننا نعلم جميعا  بأن مثل هذه المواقع الأثرية لها مكانتها في حياة الأمم وأنها من تراث المسلمين أولاًٌ ومن أهم تراث هذه البلاد ثانياً، فتجب محافظتها وتسجيلها لدی الحكومة في المؤسسات الخاصة بالتراث الثقافي والتاريخي، وإننا نری الحكومة والمؤسسات المعنية بمثل هذه الأمور تهتم أحياناً بحفظ بعض الأشياء التافهة جداً ولاندري كيف ولماذا يغفلون هذا الموقع التاريخي ولا يهتمون بتسجيله  في سجل الأبنية والأمكنة التاريخية والأثرية .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات