اليوم : 20 ديسمبر , 2008

مدينة طوس قبل الصفوية وبعدها

مدينة طوس قبل الصفوية وبعدها

Imageإن المشرق الإسلامي بما فيها خراسان الواسعة لقد ظلت بعد الفتح الإسلامي إحدى أهم مراكزالحضارة الإسلامية ومرتعا خصبا لفرسان العلم والعرفان والفلسفة والكلام ، ولقد كانت لمدينة طوس التي قلما تذكر خراسان إلا وطوس ذكرت قبلها أو بعدها ، النصيب الأوفر والحظ الأكبر من هذه الحضارة في تكوين الخيل العظيم من العلماء والفلاسفة وإنجاب أهل العرفان والكلام ، ولقد أصبح لأجل مناخها الجميل بعد الفتح الأسلامي مورد عناية الخلفاء الأمويين والعباسيين وإحدى أهم مراكزهم العسكرية في خراسان الواسعة

———————————————————————————————————-

إن المشرق الإسلامي بما فيها خراسان الواسعة لقد ظلت بعد الفتح الإسلامي إحدى أهم مراكزالحضارة الإسلامية ومرتعا خصبا لفرسان العلم والعرفان والفلسفة والكلام ، ولقد كانت لمدينة طوس التي قلما تذكر خراسان إلا وطوس ذكرت قبلها أو بعدها ، النصيب الأوفر والحظ الأكبر من هذه الحضارة في تكوين الخيل العظيم من العلماء والفلاسفة وإنجاب أهل العرفان والكلام ، ولقد أصبح لأجل مناخها الجميل بعد الفتح الأسلامي مورد عناية الخلفاء الأمويين والعباسيين وإحدى أهم مراكزهم العسكرية في خراسان الواسعة ، ويتضح ذلك لمتتبع الكتب والمكاتب بسهولة تامة كيف ناطت بذكر هذه المدينة العلمية أسماء الكثيرين من أهل العلم والفضل والعرفان ، وإن كل من عرف الغزالي وليس بقليل عدد من هم يعرفون هذا الإمام العظيم في زوايا الأمة الإسلامية  ، ليعرفن طوس ! لكن أين طوس في خريطة عالمنا الإسلامي المعاصر؟ أين تلك المدينة التي برز منها أمثال الغزالي من المتكلمين والأصوليين والفقهاء والفلاسفة ؟ لا شك أنه لا أثر لوجود مدينة بهذا الإسم لا في الخرائط ولا في الواقع في هذه الأزمان وإنها ذهبت في مجاهل التاريخ شأن كثير من المدن و البلاد حيث ذهبت وبقيت منها أسماءها في الكتب والمكاتب !!! فأردت في هذه العجالة أن أقدم إلى القراء ما إقتبسته من طيات كتب التاريخ والبلدان ، فطوس حسب ما أخبرت أصحاب البلدان كانت واقعة  في خراسان الواسعة ، بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ تشتمل على بلدتَين يقال لإحداهما الطابران وللأخرى نوقان فتحت في أيام عثمان بن عفان رضي اللهَ عنه وبها قبر علي بن موسى الرضا وبها أيضاَ قبر هارون الرشيد الخليفة العباس المعروف ،  ذكر الحموي عن  مِسْعَر بن المهلهل في كتابه معجم البلدان قوله عن مدينة طوس  " وطوس أربع مُدُن منها اثنتان كبيرتان واثنتان صغيرتان وبها آثار أبنية إسلامية جليلة وبها دار حُميد بن قحطبة ومساحتها ميل في مثله وفي بعض بساتينها قبر علي بن موسى الرضا وقبر الرشيد وبينها وبين نيسابور قصر هائل عظيم محكم البنيان لم أر مثله في  علو جدران وإحكام بنيان وفى داخله مقاصير تتحير في حسنها الأوهام وازاج وأروقة وخزائن وحجر للخلوة وسألت عن أمره فوجدتُ أهل البلد مجمعين على أنه من بناء بعض التبابعة وأنه كان قصد بلد الصين من اليمن فلما صار إلى هذا المكان رأى أن يخلف حُرَمَة وكنوزه وذخائره في مكان يسكن إليه ويسير متخففاً فبنى هذا القصر وأجرى له نهراً عظيماً آثاره بينه وأودَعه كنوزه وذخائره وحُرَمَه ومضى إلى الصين فبلغ ما أراد وانصرف فحمل بعض ما كان جعله في القصر وبقيت له فيه بَعدُ أموال وذخائرُ تخفي أمكنتها وصفات مواضعها مكتوبة معه فلم يزل على هذه الحال تجتاز به القوافل وتنزله السابلة ولا يعلمون منه شيئاً حتى استبان ذلك واستخرجه أسعد بن أبي يَعفُر صاحب كحلان في أيامنا هذه لأن الصفة كانت وقعت إليه فوجه قوماً استخرجوها وحملوها إليه إلى اليمن " .

عباقرة طوس : 

وقد خرج من طوس من أئمة أهل العلم والفقه ما لا يحصى وحسبنا في هذه العجالة ذكر أجلهم وأعظمهم ويجدر أن نبدأ بأول من أشتهر في الإسلام كحجة للإسلام والمسلمين وهو:

 أبو حامد محمد الغزَّالي الطوسي :

إمام أئمة الدين من لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا تعلم فی  صباه بطوس من الفقه على الإمام أحمد الراذكاني ثم قدم نيسابور مختلفا إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة وبرز الأقران وحفظ القرآن

وصار أنظر أهل زمانه ووحید أقرانه في أيام امام الحرمين وكان الطلبة يستفدون منه ويدرسهم ويرشدهم وبلغ الأمر به الى أن اخذ في التصنيف وبقى كذلك إلى إنقضاء أيام الإمام فخرج من نيسابور وصار الى المعسكر واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته وظهور اسمه وحسن مناظرته وجري عبارته وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء ومقصد الأئمة والفصحاء فوقعت للغزالى اتفاقات حسنة من الأحتكاك بالأئمة وملاقاة الخصوم اللد ومناظرة الفحول ومناقرة الكبار وظهر اسمه في الآفاق وارتفق بذلك اكمل الأرتفاق حتى ادت الحال به الى ان رسم للمصير الى بغداد للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النظامية بها فصار اليها وأعجب الكل بتدريسه ومناظرته وما لقى مثل نفسه ونال  بعد إمامة خراسان امامة العراق ثم نظر في علم الأصول وكان قد أحكمها فصنف فيه تصانيف وجدد المذهب في الفقه فصنف فيه تصانيف وسبك الخلاف فحرر فيه ايضا تصانيف وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كان تغلب حشمته الأكابر والأمراء ودار الخلافة فانقلب الأمر من وجه آخر وظهر عليه بعد مطالعة للعلوم الدقيقة وممارسة الكتب المصنفة فيها وسلك طريق التزهد وترك الحشمة وطرح ما نال من الدرجة والاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة فخرج عما كان فيه وقصد بيت الله تعالى وحج ثم دخل الشام وأقام في تلك الديار قريبا من عشر سنين يطوف ويزور المشاهد المعظمة وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها مثل إحياء علوم الدين والكتب المختصرة منها مثل الأربعين وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق و تحسين الشمائل وتهذيب المعاش فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق والفراغ عن الرسوم والتزيينات والتزيي بزي الصالحين وقصر الأمل ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة والتيقظ لشيء من أنوار المشاهدة  ولزم منزله بطوس حتى مات بالطابران منها في رابع عشر جمادى الآخرة سنة 505 ودفن بظاهر الطابران وكان مولده سنة  455.

  تميم بن محمد أبو عبد الرحمن الطوسي :

صاحب المسند الحافظ ، رحل وسمع بحمص ، سليمان بن سلمة الخياري وبمصر، محمد بن رُمح وغيره وبالجبال وخراسان ، إسحاق بن راهوَيه والحسن بن عيسى الماسرجسي وبالعراق ، عبد الرحمن بن واقد الواقدي وأحمد بن حنبل وهدبَة بن خالد وشيبان بن فرُوح روى عنه جماعة منهم علي بن جمشاد العدل، وأبو بكر بن إبراهيم بن البدر صاحب الخلافيات وخلق سواهم، قال الحاكم: تميم بن محمد بن طمغاج أبو عبد الرحمن الطوسي محدث ثقة كثير الحديث والرحلة والتصنيف جمع " المسند الكبير " ورأيتُه عند جماعة من مشايخنا .

زياد بن أيوب بن زياد الطوسى البغدادى :

أحد الحفاظ الثقاة وهو من طبقة كبار الأخذين عن تبع الأتباع روى له أميرالمؤمنين في الحديث الإمام البخاري وأبو داؤد والترمذي والنسائي  يلقب بدلويه وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا وقد لقبه أحمد بـشعبة الصغير  ولد زياد بن أيوب الطوسي سنة  166 هـ كان الإمام أحمد يقول إنه شعبة الصغير سكن بغداد ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين .

عبد الله بن هاشم  الطوسى الراذكانى :

ومن العلماء المعروفين المتقدمين ومن الطبقة العاشرة من كبارالآخذين عن تبع الأتباع

ولد بطوس وكان أكثر مقامه بنيسابور. روى عن ابن عيينة ويحيى القطان وابن مهدي ووكيع وغيرهم من مشاهیر علم الحدیث . وروى عنه مسلم و ابن خزيمة في صحيحه و صالح بن محمد الأسدي وأحمد بن سلمة وابن صاعد وحاجب بن اركين الفرغاني وغيرهم . قال أحمد بن سيار كان عبدالله معروفا بطلب الحديث وكان اظهر كلام الراوي ثم ترك ذلك . ورحلوا إليه وكتبوا عنه واظهر أمر الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحسين ابن محمد القباني توفی في ذي الحجة سنة خمس وخمسين ومائة وقال أبو القاسم الطبري مات سنة  ثمان وخمسین وقال أحمد بن سيار مات سنة تسع وخمسین .

على بن مسلم بن سعيد الطوسى :

لكثرة إقامته في بغداد يلقب بنزيل بغداد ، ولكثرة العبادة يلقب  بالعابد ،  روى عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون وهشيم وابن المبارك وعباد بن العوام وعباد بن عباد وابن نمير ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبي داود الطيالسي وغيرهم . روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي وروى النسائي في مسند مالك عن زكريا الساجي عنه وروى عنه أيضا يحيى بن معين وأحمد بن إبراهيم الدورقي وماتا قبله وعبد الله بن أحمد بن حنبل وابن أبي الدنيا وأبو بكر الأثرم ومعاذ بن المثنى وإبراهيم بن حماد القاضي وأبو القاسم البغوي وأبو بكر بن أبي داود والقاسم بن زكريا المطرز وابن صاعد وابن جرير الطبري والحسين بن إسماعيل المحاملي والحسين بن يحيى بن عياش القطان وأبو الحسين محمد بن هميان البغدادي وهو آخر من حدث عنه وقال النسائي ليس به بأس وذكره بن حبان في الثقات قال عبد الله بن أحمد عنه ولد  سنة ستين ومائة وقال السراج توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين ومائتين .

خراب طوس : 

  ولقد أبيدت طوس بكاملها بعد هجمات التتار على البلاد الأسلامية وأنتقل الناجون من أهلها من نكبة التتار إلى مدينة مشهد التي كانت في تلك الأيام من ضواحي طوس و بساتينها وقاموا بعمرانها إلى أن وقعت هذه المدينة كعاصمة للأفشاريين الذين سادوا إيران بعد هجوم الثوار الأفغانيين وإنقراض الدولة الصفوية الظالمة في شيراز .   والشاه عباس كان طائفياً بشكل جلي، وأشنع ما أراد فعله أنه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد، لأن الواجب القومي يحتم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية ودفع رسم العبور، وكان يحث رجال الدين لتعظيم زيارة الرضا، كما إنه تردد مراراً لزيارته ومشى مرة على الأقدام إلى مدينة مشهد ويقال إنه مشى أكثر من (1300كم)  وإن هذه الخطوة الخرافية من قبل شاه عباس وتلك الوثبة من جانب الأفشاريين في جعل مشهد عاصمة لسلطتهم الظالمة بدل أي مدينة أو مكان آخر كانت إستمرارا وبل إستكمالا للدمار الذي شرع فيه التتار وإزالة لإسم طوس التي برقت كنجم لامع في صفحات التاريخ الإسلامي المشرق للأبد . وهي اليوم مندمجة في مشهد التي عمرها الصفويون وإهتموا بها  في الشمال الشرقي من إيران عاصمة محافظة خراسان الرضوية التي تعد ثاني أكبر مدينة في إيران من حيث السكان بعد العاصمة طهران بكثافة سكانية بالغ إلى مليونين ونصف. فإنا لله وإنا إليه راجعون .

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات