اليوم : 2 سبتمبر , 2008

مدينة “قزوين” قبل الصفوية وبعدها

مدينة “قزوين” قبل الصفوية وبعدها
Image
إن مدينة قزوين – التي ينسب إليها الإمام ابن ماجة صاحب السنن ولأجل ذلك هي معروفة ومشهورة بين الأوساط العلمية ومن لهم صلة بالعلوم الإسلامية وخاصة الحديثية – تعد من المدن التي وإن كانت ترجع نشأتها وعمرانها إلى قبل الإسلام بكثير فهي مدينة كما صرح غير واحد من أصحاب التواريخ والبلدان استحدثها سابور ذو أكتاف أحد أظلم الأكاسرة المسيطرة علی إيران قبل الإسلام. يرتبط تاريخ ازدهارها العلمي والثقافي والحضاري ارتباطا وثيقا وجذريا بالإسلام، فهي بالإسلام أعرف وأشهر وألمع، ولقد أصبحت ببركة إقبال أهلها علی هذا الدين البناء للحضارات والمكون للثقافات والدين المزود أتباعه بالعلم والتقي وبأفضل ما يزود به الإنسان المتعطش روحيا ومعنويا في هذا الكون منتجعا لرواد العلم والدين وثكنة للإيمان والإحسان، ومربطا للجهاد والقتال في سبيل الله في غابر من حياتها الذهبية، وهي مدينة تقع في وسط إيران في محافظة تسمی أيضا بقزوين، في مساحة تعادل 15821كم، وهي منتهية من شمالها بمازندران (الطبرستان قديما) وجيلان (بلاد الديلم قديما)، ومن الجهة الغربية أحاطها محافظات "همدان" و"زنجان"، ومن الشرق تتصل بـ"طهران"، ومن الجنوب تقع بمجاورة محافظة تسمی بالمحافظة المركزية، وكذلك هي محاطة من جهات ثلاثة بسلسلة جبال "البرز" المعروفة في ايران، وجبال "رابند" و"خرقان". ومدينة قزوين اليوم يبلغ عدد سكانها حسب الإحصائيات التي صدرت سنة 1385من الهجرة الشمسية 349821 نسمة. هذه هي الموقع الجغرافي لهذه المدينة، ولا بأس أن تكون لنا نظرة إلی  قزوين كما يراها الحموي.

قزوين كما يراها الحموي:

فقد ذكر "ياقوت الحموي" في كتابه المعروف "معجم البلدان" هذه المدينة يقول: «قَزوِينُ: بالفتح ثم السكون وكسر الواو وياءٍ مثناة من تحت ساكنة ونون: مدينة مشهورة بينها وبين الري سبعة وعشرون فرسخاً إلى أبهرَ اثناعشرفرسخاً وهي في الإقليم الرابع طولها خمس وسبعون درجة وعرضها سبع وثلاثون درجة. قال ابن الفقيه: أول من استحدثها سابور ذوأكتاف واستحدث أبهر أيضاَ قال: وحصن قزوين يسمى كشرين بالفارسية وبينه وبين الديلم جبل كانت ملوك الأرض تجعل فيه رابطة من الأساورة يدفعون الديلم إذا لم يكن بينهم هدنة ويحفظون بلدهم من اللصوص».

وكما يراها زكريا بن محمود القزويني (في كتابه المعروف آثار البلاد وأخبار العباد):

«قزوين  مدينة كبيرة مشهورة عامرة في فضاء من الأرض، طيبة التربة، واسعة الرقعة، كثيرة البساتين والأشجار، نزهة النواحي والأقطار، بنيت على وضع حسن لم يبن شيء من المدن مثلها. وهي مدينتان: إحداهما في وسط الأخرى، والمدينة الصغرى تسمى "شهرستان"، لها سور وأبواب، والمدينة الكبيرة المحيطة بها ولها أيضاً سور وأبواب، والكروم والبساتين محيطة بالمدينة العظمى من جميع الجوانب، والمزارع محيطة بالبساتين، ولها واديان: أحدهما وادي "درج" والآخر وادي "اترك"، وهذه صورتها .»

قزوين كمدينة إسلامية:

 وقد اتفقت كلمة المؤرخين ومصنفي البلدان علی أن "عثمان بن عفان" رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين ولى البراء بن عازب الصحابي الجليل رضي الله تعالی عنه الريَ (وهي مدينة قديمة في إيران  وتعد اليوم من نواحي  طهران الواسعة) في سنة 24، فسار منها إلى "أبهر" (مدينة تقع في محافظة زنجان) ففتحها ثم رحل عنها إلى "قزوين"، فأناخ عليها وطلب أهلُها الصلح، فعرض عليهم ما أعطى أهل "أبهر" من الشرائط، فقبلوا جميع ذلك إلا الجزية، فأرادوا أن ينفروا منها، فقال رضي الله عنه: لا بد منها. فلما رأوا ذلك أسلموا وأقاموا مكانهم، فصارت أرضهم عشرية، ثم أبقى البراءُ فيهم خمسمائة رجل من المسلمين فيهم طليحة بن خوَيلد الأسلمي وميسرة العائذي وجماعة من بني تغلب، وأقطعهم أراضي وضياعاً لا حق فيها لأحد، فعمروها وأجروا أنهارها وحفروا آبارها. وقالوا أيضا: لما ولي سعيد بن العاصي بن أمية الكوفة بعد الوليد بن عقبة غزا "الديلم" فأوقع بهم وقدم "قزوين" وجعلها مغزى أهل الكوفة إلى "الديلم".

 يروی أن موسى الهادي لما سار إلى "الري" قدم "قزوين" وأمر ببناء مدينة بإزائها فهي تعرف بمدينة "موسى" وابتاع أرضاَ يقال لها "رستم آباد" ووقفها على مصالح المدينة. وكان الحجاج بن يوسف أرسل ابنه محمداً للقتال مع "الديلم"، فنزل "قزوين" أيضا وبنى بها مسجداَ وكتب اسمه عليه ويسمى هذا المسجد مسجد الثور، فلم يزل قائماً حتى بنى الرشيد المسجد الجامع.

 ذكر محمد بن هارون الأصبهاني: لما مر الخليفة العباسي المعروف هارون الرشيد بهمدان وهو يريد "خراسان" فاعترضه أهل "قزوين" وأخبروه بمكانهم من بلد العدو وعنائهم في مجاهدتهم، وسألوه أن ينظر في أمرهم ويخفف ما يلزمهم من عشر غلاتهم في القصبة، فسار إلى "قزوين" ودخلها وبنى جامعها وكتب اسمه على بابه في لوح حجر، وابتاع بها حوانيت ومستغلات ووقفها على مصالح المدينة وعمارة قُبتها وسورها، قال: وصعد في بعض الأيام القبة التي على باب المدينة، وكانت عالية جداً فأشرف على الأسواق ووقع النفيرُ في ذلك الوقت، فنظر إلى أهلها وقد غلقوا حوانيتهم وأخذوا سيوفهم وجميع أسلحتهم وخرجوا على رأياتهم، فأشفق عليهم وقال: هؤلاءِ قوم مجاهدون يجب أن ننظر لهم، واستشار خواصَه في ذلك، فأشار كل برأي، فقال: أصلَحُ ما يُعمل بهؤلاء أن يُحَط عنهم الخراجُ ويُجعل عليهم وظيفة القصبة فقط، فجعلها عشرة آلاف درهم في كل سنة مقاطعةً. وقد روى المحدثون في فضائل قزوين أخباراً لا تصحُ عند الحُفَاظ النقَاد المتقنين وهي تتضمن الحث على المقام بها لكونها من الثغور، وما أشبه ذلك ومن هذه الأخبار ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مثل قزوين في الأرض مثل جنة عدن في الجنان " ورُوي عنه أنه قال: " ليقاتلن بقزوين قوم لو أقسموا على اللَه لأبر أقسامهم"، منها ما روي عن  علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالإسكندرية أو بقزوين فإنهما ستفتحان على يد أمتي، وإنهما بابان من أبواب الجنة، من رابط فيهما أو في إحداهما ليلة خرج عن ذنوبه كيوم ولدته أمه". و ما روي عن سعيد بن المسيب مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سادات الشهداء شهداء قزوين". وأمثال هذه كثيرة، ومعظمها ضعيفة أو لا أصل لها.


من عباقرة قزوين:

ينسب إلى قزوين خلق كبير لا يحصَون من اهل العلم والفضل منذ أن فتح الله علی أهلها الهداية و السداد، إلی أن استولى عليها شياطين الصفوية، ومن أبرز هؤلاء العباقرة:

عمرو بن رافع البجلي أبو حجر القزويني:

الراوي المحدث وهو من الطبقة العاشرة من  كبارالآخذين عن تبع الأتباع.  جاء في تهذيب التهذيب في ترجمة حياته: روى الأحاديث عن جرير بن عبد الحميد والفضل بن موسى وابن عيينة وابن المبارك ويعقوب ومروان بن معاوية وهشيم وعمر بن هارون البلخي وابن علية ويحيى بن زكرياء ابن زائدة وسليمان بن عامر الكندي وأبي يحيى الترقفي ونعيم بن ميسرة ومحمد بن عبيد وعلي بن عاصم الواسطي وعدة. وروى عنه ابن ماجة صاحب السنن  وأبو زرعة وابن الضريس وأبو العباس أحمد بن الحمال وعلي بن سعيد الرازي وأبو السري منصور بن محمد الأسدي الملقب بأسد السنة ويعقوب ابن يوسف القزويني ومحمد بن ابراهيم الطيالسي ومحمد بن مسعود الاسدي القزويني وآخرون.

قال أبو حاتم أحد أئمة الجرح والتعديل: سمعت ابراهيم بن موسى يقول: ما بقي أحد ممن كان يطلب معنا العلم غير عمرو بن رافع. وقال أيضا: قل من كتبنا عنه أصدق لهجة وأصح حديثا منه. قال الخليلي: توفي سبع وثلاثين ومائتين.

  محمد بن سعيد أبو سعيد الرازي ثم القزويني:

محدث دمشق الراوي الثبت الثقة. روى عن عمرو بن ابي قيس وابي جعفر الرازي ويعقوب بن عبد الله القمي، وروى عنه أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وارة ويحيى بن عبدك وكثير بن شهاب و أبو داود والنسائي وهو أيضا من الطبقة العاشرة من  كبار الآخذين عن تبع الأتباع. توفي سنة 216 من الهجرة  بـ "قزوين".

   

  هارون بن موسى بن حيان التميمي، أبو موسى القزويني:

 روى عن عبدالرحمن بن عبدالله الدشتكي والحسن بن يوسف بن أبي المنتاب وعبد العزيز بن المغيرة وأبي هارون البكاء وأبي ياسر عمار بن منصور وابراهيم بن موسى الفراء، وروی عنه ابن ماجة وابنه موسى بن هارون القزويني وسعيد بن عمرو البردعي ومحمد ابن مسعود الأسدي وأبو زرعة.

قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي وهو صدوق ثقة وقال الخليلي هارون بن حبان التميمي ثقة كبير المحل مشهور بالامانة والعلم والديانة. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين(تهذيب التهذيب ) وهو من الطبقة الحادية عشرة من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع. توفي رحمه الله تعالی  248 هـ . ومن تصانيفه كتاب المعرفة وهو كتاب جيد كبير الفائدة. (ذكره صاحب التدوين في أخبار قزوين)

محمدبن يزيد بن ماجة أبوعبدالله القزويني الحافظ:

صاحب كتاب السنن من أعيان الأئمة. سمع بدمشق هشام بن عَمار والعباس بن الوليد الخلال وعبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان ومحمود بن خالد والعباس بن عثمان وعثمان بن إسماعيل بن عمران الذهلي جمع كبير من محدثي دمشق في عصره،  وبمصر أبا طاهر بن سرح ومحمد بن روَيح ويونس بن عبد الأعلى، وبحمص محمد بن مصفى وهشام بن عبد الملك اليزَني وعمراً ويحيى ابنى عثمان، وبالعراق أبا بكر بن أبي شيبة وأحمد بن عبدة وإسماعيل بن أبي موسى الفزاري وزهر بن حرب وسويد بن سعيد وعبد الله بن معاوية الجمحي وخلقاَ سواهم. روى عنه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القَطّان وأبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم وأبو الطيب أحمد بن ررح البغدادي. قال ابن ماجه رحمه الله: عرضتُ هذه النسخة يعني كتابه في السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال أظن هذه إن وَقَعتْ  في أيدي الناس تَعَطلَتْ هذه الجوامع كلها أو قال أكثرها ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاَ مما في إسناده ضعْف أو قال: عشرين أو نحو هذا. توفي  أبو عبد الله بن ماجة يوم الاثنين ودُفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة 273  في 62 من عمره.

 الخليل بن عبد الله أبو يَعلى القزويني:

حافظ جليل، كان يحدث كثيراً من حفظه، سمع أصحاب البغوي وغيره.

 روى عن أبي الحسن علي بن أحمد المقري وغيره. روى عنه الإمام أبو بكر بن لال الفقيه الهمداني حكاية في معجمه، وسمع هو من ابن لال الكبير. قال شيرَوَيه: قال: حدَثنا عنه ابنه أبو زيد الواقد بن الخليل الخطيب وأبو الفتح بن لال وغيرهما من القزوينيين وكان فهماً حافظاً ذكيا فريد عصره في الفَهْم والذكاءِ.  وتوفي في البادية منصرفاً من الحج سنة خمس وأربعمائة .

  أبو الخير أحمد بن إسماعيل الملقب برضي الدين:

الشيخ الإمام، العلامة، الواعظ، ذو الفنون، الفقيه الشافعي. كان عالماً فاضلاً ورعاً صاحب كرامات. حكي ( الحموي في معجم البدان) أنه كان في بدء أمره يتفقه، فأستاذه يلقنه الدرس ويكرر عليه مراراً حتى يحفظه، فما حفظ حتى ضجره الأستاذ وتركه لبلادته، فانكسر هو من ذلك ونام الأستاذ، فرأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول له: لم آذيت أحمد؟ قال: فانتبهت، وقلت: تعال يا رضي الدين حتى ألقنك! فقال: بشفاعة النبي تلقنني! ففتح الله تعالى عليه باب الذكاء حتى صار أوحد زمانه علماً وورعاً، ودرس بالمدرسة النظامية ببغداد مدة، وأراد الرجوع إلى "قزوين" فما مكنوه، فاستأذن للحج وعاد إلى "قزوين" عن طريق الشام. وكان له بقزوين قبول ما كان لأحد قبله ولا بعده. يوم وعظه يأتي الناس بالضوء حتى يحصلوا المكان، ويشتري الغني المكان من الفقير الذي جاء قبله، وما سمعوا منه يروونه عنه كما كانت الصحابة تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكي أن الشيخ كثيراً ما كان يتعرض للشيعة، وكان على باب داره شجرة عظيمة ملتفة الأغصان، فإذا في بعض الأيام رأوا رجلاً على ذلك الشجر، فإذا هو من محلة الشيعة، قالوا: ان هذا لعنه الله جاء لتعرض الشيخ! فهرب الرجل وقال الشيخ: لست أقيم في "قزوين" بعد هذا! وخرج من المدينة، فخرج بخروجه كل أهل المدينة والملك أيضاً. ثم رجع عند ما أصر الناس وخاصة الملك إلی المدينة مرة أخری.

له تصانيف في الحديث وغيرهما. توفي بقزوين في شهر المحرم سنة تسعين وخمسمائة رحمه الله ".

 الشيخ أبو بكر المعروف بشابان:

كان شيخاً عظيم الشأن. كان له كرم وقطعة أرض وبقرة، ويزرع قطعة الأرض حنطة، ويأخذ عنب الكرم ولبن البقرة، وانها شيء يسير يضيف بها من زاره. استشهد على يد فدائي من الباطنية أو الشيعة يوم الجمعة في جامع دمشق بعد الصلاة في ازدحام الناس سنة إحدى وستمائة في سن جاوز92سنة.

أبو حاتم محمود بن الحسن القزويني:

كان فقيهاً أصولياً، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب طاهر الطبري، له كتاب مشهور في حيل الفقه. وكان من أولاد أنس بن مالك. تفقه بآمل على شيوخ البلد، ثم قدم بغداد، وحضر مجلس الشيخ أبى حامد، ودرس الفرائض على ابن اللبان، وأصول الفقه على القاضي أبي بكر الأشعري المعروف بابن الباقلاني، وكان حافظًا للمذهب والخلاف. صنَّف كُتبًا كثيرة في المذهب والخلاف والأصول والجدل، ودرس ببغداد وآمل. وتوفي بآمل كما  نقل الاسنوي في حدود سنة 460 من الهجرة، ونقل عن السمعاني وفاته سنة 440 من الهجرة وهو ما ذكره ابن هداية الله.

 

الشيخ أبو القاسم بن هبة الله الكموني:

 كان عالماً عابداً ورعاً من أولاد أنس بن مالك. حكي ( لقزويني في آثار البلاد واخبار العباد) أنه جاء في زمانه وال إلى قزوين، وبقزوين واديان من الماء وهما من السيل، وسقی كروم أهل قزوين من هذين الواديين وهما مباحان، فأراد هذا الوالي أن يجعل عليهما خراجاً، فشكا أهل قزوين إلى الشيخ، فذهب الشيخ إلى دار الوالي وقال لحاجبه: إن هذا الماء لم يزل مباحاً لا يحل بيعه، وأصحاب هذه الكروم أرامل وأيتام، والكروم ضعيفة لها في السنة سقية واحدة، حاصلها لا يفي بمال الخراج. فدخل الحاجب على الملك وقال: ههنا شيخ ما يخلي أن هذا الأمر يتمشى! فغضب الملك وسل سيفه وخرج بسيفه المسلول وقال: من الذي يمنع من بيع هذا الماء؟ فقام الشيخ وقال: أنا! فعاد الملك إلى داخل وقال: افعلوا ما يقول هذا الشيخ! فإنه لما قام رأيت على يمينه ويساره ثعبانين يقصدانني ! فبطل ذلك العزم، وذاك الماء مباح إلى الآن.

أبو محمد طاهر بن أحمد النجار:

كان عالماً فاضلاً أديباً فقيهاً أصولياً متفننا ذا فهم مستقيم وذهن وقاد، وكان عديم المثل في زمانه مع كثرة فضلاء قزوين. وكان يغلب عليه علم الكلام.

كان أبوه نجاراً وهو أيضاً كان بالغاً في صنعة النجارة،  وبنوا له بقزوين مدرسة، وأصابه في آخر عمره الفالج. له تصانيف جملة في عدة فنون.

 توفي سنة ثمانين وخمسمائة.

الشيخ أبو القاسم محمد بن عبد الكريم الرافعي:

 كان عالماً فاضلاً ورعاً بالغاً في النقليات كالتفسير والحديث والفقه والأدب. له تصانيف كثيرة مفيدة منها الشرح الكبير المسمى بـ "العزيز"، وقد تورّع بعض أهل العلم عن إطلاق لفظ "العزيز" مجرَّداً على غير كتاب الله، فقال الفتح العزيز في شرح الوجيز والشرح الصغير والمحرَّر وشرح مسند الشافعي والتَّذنيب والأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة وهو ثلاثون مجلساً إملاء أحاديثا بأسانيده عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلَّم عليها  وله كتاب الإيجاز في أخطار الحجاز، ذكر أنه أوراقٌ يسيرة ذكر فيها مباحث وفوائد خطرت له في سفره، وكتاب المحمود في الفقه لم يتمّه. كان الإمام الرافعي رحمه الله متضلعاً من علوم الشريعة تفسيراً وحديثاً وأصولاً مترفِّعاً على أبناء جنسه في زمانه نقلاً وبحثا وإرشاداً وتحصيلاً. وأما الفقه الشافعي فهو فيه عمدة المحققين وأستاذ المصنفين كأنما كان الفقه ميتاً فأحياه وأنشره وأقام عِمادَه بعد ما أماته الجهل فأقبره، كان فيه بدراً يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضمّها أوجُها وجواداً لا يلحقه الجوادُ إذا سلك طرقاً ينقل فيها أقوالاً، وكان رحمه الله ورعاً زاهداً تقياً نقياً مراقباً لله تعالی. له السيرة الرَّضية المرضيَّة والطريقة الزكية والكرامات الباهرة. سمع الحديث من جماعة منهم أبوه وأبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح العمراني  والحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمداني والإمام أبو سليمان أحمد بن حسنويه وغيرهم، وحدّث بالإجازة عن أبي زُرعةَ المقدسي وغيره، وروى عنه الحافظ عبد العظيم المُنذري وغيرُه. قال ابن الصلاح صاحب المقدمة المشهورة في علوم الحديث: أظن أني لم أرَ في بلاد العجم مِثلَه.  وقال النووي الرافعي من الصالحين المتمكنين كانت له كراماتٌ كثيرة. وقال الإسفرايني هو شيخنا إمام الدين وناصر السنة، كان أوحد عصره في العلوم الدينية أصولاً وفروعاً مجتهد زمانه في المذهب فريد وقته في التفسير. و كان يعقد مجلس العلم في جامع قزوين كل يوم بعد العصر للتفسير ولتسميع الحديث، ويحضر عنده أكثر من مائتي شخص يذكر لهم تفسير القرآن. ومن عجيب أحواله أنه جاء ذات يوم على عادته، فلما فرغ من وظيفته بكى وقال: يا قوم قد وقعت لي واقعة ما وقعت لي مثلها، عاونوني بالهمة! فضاقت صدور القوم وسأل بعضهم بعضاً عن الواقعة فقالوا: إن تاجراً أودع عنده خمسمائة دينار وغاب مدة طويلة، والآن قد جاء وطلبها، فذهب الشيخ إلى مكان الوديعة ما وجدها، والذي أخذها أمين لطول المدة، فيخبر القوم حتى قال أحدهم: إن امرأة ضعيفة كانت خدامة لبيت الشيخ، والآن ترى حالها أحسن مما كانت. فطلبوا منها فوجدوا عندها، فجاء الشيخ في اليوم الثاني وأخبر القوم بأن همتهم أثرت والواقعة اندفعت.

وحكي أن وزير خوارزمشاه كان معتقداً فيه، فقبل يده، فقال له الشيخ: قبلت يداً كتبت كذا وكذا مجلداً تصنيفاً! فوقع من الدابة وانكسرت يمناه، وكان يقول: مدحت يدي فأبلاني الله تعالى بها! توفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة وقد جاوز الستين.

ينسب إلی هذه المدينة الشيخ أبو علي حسنويه الزبيري، الملقب بمعين الدين، والإمام المحدث، الصدوق، أبو إبراهيم الجليل بن عبد الجبار القزويني، و أبو يوسف القزويني، والشيخ العلامة البارع شيخ المعتزلة وأفاضلهم والعارف شيخ العراق أبو الحسن علي بن عمر بن القزويني البغدادي وحمد الله المستوفي المؤرخ والجغرافيّ ونظام الدين عبيد الله الزاكاني وآلاف من غيرهم ممن لا مجال بذكر أسماءهم في هذه الوجيزة.

 

قزوين كعاصمة للصفويين:

استمرت قزوين بعد أن فتحها المسلمون من القرن الإسلامي الأول إلی القرن العاشر من الهجرة في تخريج نوابغ وعبقريين في العلم وأئمة في  الفنون وأعلام في  الزهد ممن زخرت بأسمائهم مكتبة العالم الإسلامي، ولقد قمنا بسرد أسماء البعض آنفا إلی أن جاء ذلك الدور المظلم في تاريخ إيران وتلك الكارثة التي استطار شررها وعم ضررها أنحاء العالم الإسلامي كلها، وهي كارثة الصفويية التي أنشبت أظفارها في المجتمع الإيراني، وتزامن قيامها بارتكاب مذابح يتندى لها الجبين بحق أهل السنة، وتم فرض المذهب الشيعي على إيران، والمناطق التي سيطر عليها الصفويون بالإكراه، كما أن الصفويين عمدوا إلى التحالف مع الدول الأوروبية ضد الدولة العثمانية السنية أملاً في إضعافها وإعاقة الفتوحات الإسلامية لأوروبا. وبقيام الدولة الصفوية في إيران تغير مسار النشاط البشري فيها تغيراً جذرياً شاملاً من النواحي السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والعلمية والثقافية، ووجه الإيرانيين إلى وجهة مغايرة لوجهة إخوانهم المسلمين في بقية الأقطار. فلم تسلم قزوين شأن سائر المدن الإيرانية من شيراز وتبريز واصبهان مما دبر لهم أو خطط لهم هؤلاء الشياطين والدجاجلة أعداء الله والرسول والمسلمين في عهدهم. وخاصة أنها صارت فترة من هذا الحكم الظالم المستأصل عاصمة لشاه طهماسب وشاه إسماعيل الثاني الذين اختاراها مركزا لهما بعد ما كانت "تبريز" عرضة لهجمات العثمانيين العنيفة، فشاه طهماسب وإن امتنع في الظاهر عن قتل أهل السنة وتهجيرهم وذلك بسب الثورات المتتابعة في أنحاء إيران الواسعة التي كانت تتضمن في ذلك الوقت  افغانستان وتركمنستان وبلوشستان التابعة لباكستان وأجزاء مبعثرة من قفقاز ولجأ إلی سياسة التبشير المذهبي ونشر الفئات التبشيرية واغتيال العلماء الكبار الموجودين الباقين في تلك البلاد لتمهيد السبل أمام فرض المذهب من هذه الناحية، ولكن لم يرض هو ولا خلفاءه من بعده أن يبقی سني واحد في العاصمة "قزوين"، ولتحقيق الهدف استخدموا كل ما في وسعهم من تضييق دائرة الحياة علی السنة و خاصة علی أهل العلم والعلماء الذين هم أركان العقيدة والدين والمذهب الصحيح دائما واغتيالهم بطرق مختلفة كما كانت دأب أسلافهم من الإسماعيلية والباطنية زمن السلاجقة. فبدأت قوافل العلماء تغادر "قزوين" إلی الخلافة العثمانية وإلی الهند حيث يجدون مأمنا وملاذا لهم ولأتباعهم فيحفظوا بدينهم وعقيدتهم من شر هؤلاء الوحوش الهمج، وقد سافر الامير يحيی بن عبد اللطيف مصنف كتاب لب التواريخ إلی الهند بعد ما قضی مدة طويلة في منفاه "اصبهان"  بأمر من جانب شاه طهماسب الأول.

سافر العلم وسافر العلماء ولم تجد "قزوين" بعد ذلك رائحة التقدم والازدهار والإصلاح والعرفان.

 الكاتب: أبو عبدالله البلوشي

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات