اليوم : 13 أغسطس , 2008

بث الوعي الديني في جماهير الأمة

بث الوعي الديني في جماهير الأمة
Image
إن العالم المعاصر قد وقع في ورطة الظلمات الحالكة ويتخبط في قساوة عمياء يعاني من تدهور كبير في الأوضاع نتيجة الابتعاد عن الدين والخضوع للشهوات والركون إلی اللذائذ الحينية والولوع بالانحلال النفسي والخلقي ونتيجة فصل الدين عن الحياة باعتباره عائقا عن الرقي والتقدم ومصادما للحضارة الراقية التي يعتبرونها القمة في الإنسانية والراحة، والحقيقة أنها ما هي إلا زعم فارغ عن الحقيقة، بل ينبغي التريث في شأنه، فإننا نری ويری كل من لم تغش أعينه غواشي الجهل والشهوات أن أصحاب الحضارة الراقية في العالم- مع اعترافنا بفضل جهودهم المتواصلة في مضمار الحياة وتقدمهم في هذا الجانب- أحوج إلی الراحة الحقيقية والطمأنينة الأصلية وسكون الروح والقلب من حاجة السليم إلی راق والمسموم إلی ترياق، بل قد نری في طي هذه الحضارة – باعتراف أنبائها وصحفها ومجلاتها ووسائل إعلامها- انهم يتقهقرون في أوحال الفساد والجناية بسرعة فائقة وكأن الحضارة والرقي معاول هدم في أيدي الأعداء لا خير فيه إلا الخسران العظيم، ولا يؤمل من أبنائها إلا القساوة والهمجية.

إن العالم المعاصر لا يعانی الفقر المادي، وليس له تخلف وضعف في جانب الحياة الدنيا، بل قد أثري إثراءً بالغا وتضخم من هذه الزاوية الضعيفة، ولكن مع هذه الثروة الشائعة والرفاهية المترفة ورغد العيش نری العالم المعاصر وأصحاب الحضارات يعانون فقراً شديداً وضعفاً كبيرا من الجانب الروحي، ویتسكعون في بحر من الحيرة والاضطراب في خضم النعم وفي لجة الترف والمادية. إن هذه الحيرة قد اكتسحت العالم كله وقد غشي الأعين عن رؤية الحقيقة وعن التروي حول المسائل المستحدثة والمصائب الحاصرة حياتهم جميعاً.
إن العالم المعاصر رغم تعمقها في الإمكانيات الرفاهية والطبية، ورغم الثروة الكاثرة والموارد الموفورة، تحیطها ورطة خطیرة من الظلمات الحالكة والمشاكل المتنوعة، ولم تغن عنهم هذه الكثرة الموفورة شيئا. إن هذا السيل العرم من ويلات وبليات غمرت القلوب والأبدان وشلت الأفكار والأحوال لم تدع شيخا ولا شابا ولا امراة ولا طفلا، وقد أغرقت الأعراض والحرمات، وأماتت الحياة والعزة، وأقبرت الإنسانية والإنسان، وأفشلت القوی الروحية والمعاني القيمة، وقد بلغ السيل الزبی والأنانية والتعمق في اللذة ذروتها.
ففي هذا المجال لا بد لنا أن نركز قوانا نحو تنمية الشعور الديني وإثارة الدعوة الإسلامية وبث الوعي الدينی في جماهير الأمة، لأن المسلم – بصفته مسلما – مسئول عن العالم، وقد خسرنا إن لم نواصل الجهود نحو إحياء الوعي الذاتي للناس وتعرفهم بالإسلام الحقيقي عن نبعه الصافي الذي يروي الظمأ ويورث المجد والعز في الدنيا والأخرة.
البرامج الهادفة في هذا السبيل:
من أهم ما تجدر العناية به هی ترقية مستوی الثقافة الدينية في قلوب عامة الناس وتزويدهم بصلاح الدنيا وسعادة الآخرة، وستكون هذه خطوة إیجابية للوصول إلی قمة الكرامة والعزة، وينبغي الاهتمام بالجوانب الأتية:
1-    العناية بالتزود الديني للأطفال.
إن الاطفال لهم استعداد كامل لنقل الأفعال والحركات، ويتأثرون بسرعة فائقة ويندفعون وراء كل برنامج سواء كان حسنا أوسيئاً، ونراهم في هذا الزمان بسبب البرامج الإعلامية والتلفزیونیة وغيرهما يظلمون في أخلاقهم وعوائدهم وعقيدتهم وتهضم حقوقهم التربوية الصحيحة وتداس قرائحهم السالمة وصفحات قلوبهم الصافية تحت وطأة الأراجيف والقصص الماجنة والمسلسلات الهادفة إلی تخريب أذهانهم الرامية إلی میوعتهم  وانحلالهم الخلقي والنفسي، والأفلام التي لا تهدد إلا الإنسانية ولا تضاد إلا مع الأخلاق الحسنة والتعالیم الفاضلة وتستغنيهم عن التعالیم القرآنیة والتدرب بأحكام الإسلام.
إن تزويدهم بهذه الأفكار المشوشة والبرامج السيئة تعاون في الواقع مع الغربيين والصلبيين الذين يريدون مسخ فطرتهم الإسلامية السالمة وتزعزع بنيانهم الصحيحة في أول إنتاجها، ويريدون أن يقلبوها رأسا إلی عقب لا إسلامياً ولا إنسانيا خالصاً تتفق أذهانهم مع أذهانهم وانحلالهم مع انحلالهم، ولا يريدون إلا هذا.
يقول العلامة السيد أبو الحسن علي الندوي رحمه الله:
«لا بد أن نوجه اهتمامنا إلی قضايا بلادنا الإسلامية ومؤسسانها الإسلامية، وأن نفكر في مسئلة الجيل الناهض وبقائه علی إسلامه، وأن ندبر خطة لصيانة أولادنا، ولكن لا ينبغي لأحد أن ينسی مولده ووطنه وأقاربه وذوية.
يجب علينا أن نوجه اهتمامنا إلی تلك الملة الإسلامية التي تعيش في أوطاننا وإلی إيمان النشء الجديد، وأن نهتم بما يحيط بهم من تحديات ويخطط لهم من برامج يشاهدونها علی الشاشة، فإن مسلسلات رامائن استمرت شهورا وقد أخبرني شاهد عيان أنه رأی في مدرسة أن المصاحف بقیت مفتوحة وهي موضوعة علی كراسيها والطلبة غائبون، وعند ما سئل أساتذتهم أين ذهب الطلبة؟ قالوا: اليوم، يوم الأ حد وهو موعد الرواية المسلسلة لرامائن. هذه قصة ولاية بيهار التي أنجبت العلامة محب الله البهاري.» (ندوي حاجة البشرية إلی معرفة صحيحة ومجتمع اسلامي ص 34 دار ابن كثير)
ليس هذا الغزو الفكري منحصرا في الهند بل اكتسح العالم إسلامي كله من أقصاه إلی أقصاه وما بقي بيت مدر ولا وبر إلا دخله التلفزيون ولا بد للمسلم الذي يهمه أمر الدعوة الإسلامية أن يفكر حول هذا الموضوع الهام، ويحذر الناس من مضار البرامج المختلفة في شتی مجالات الحیاة التي تظهر باسم الفن والعلم وما هي إلا شبكات الصيد تهدف إلی غرس القواعد اللادينية في قلوب الصغار، ولا بد أن يبذلوا عناية فائقة لدفع هذا الخطر المحدق.
2-    الجهد المشكور نحو تربية الشباب:
إن تربية الشباب المسلمين من أهم ما تجدر به العناية، ولا بد في هذا الجانب من جهد مشكور جدير يحسن القيام به كي يربی هذا الجيل الناهض تربية إسلامية صحيحة ونسوغه من جديد في ميزان الكتاب والسنة فإن الشباب قد وقعوا في بؤرة الأخطار المحدقة التي قد أهدفت إيمانها وغيرتها وميزانيتها في مضمار الحياة، وقد شملتها التخطيطات الصهيونية العالمية كي تجانبها عن المعايير القرآنیة والقيم الإنسانية بالألعاب الرياضية وتستغرق جل أوقاته في متابعتها والحماس عنها وصرف الوقت فیها وبذل المال لأجلها، وما هي إلا برامج قد أصابت مرماها، ونری الشاب المسلم لاهیا بها عن كل ما يهمه في دينه وحياته، وهاويا بنفسه في مستنقع أوحالها، وأيضا قد وقعت في شبكة الأفلام العارية عن كل القيم والمعاني، والصور الخلاعة والمجون والترف السائد علی الأسر المسلمة والمجتمع الإسلامي، فلا بد من جهد مشكور لايق لتغيير هذه الأزمة التي قد أثرت أثرا بالغاً وتسببت انسحابنا عن مضمار العالم في جانب الرقي والتقدم وفي جانب المعنوية والإيمان.
لقد وصل المسلمون في الصدر الأول إلی كل ما وصلوا إليه بالمعنوية، وأول شيء اهتموا بها هي الربطة الوثيقة والصلة المتينة بالقيم الإسلامية والموازين إلالهية والركون إلی الله وإلی أوامره، فنجحوا نجاحاً باهرا ووصلوا إلی أمنيتهم الصحيحة وفتحوا العالم ونوروها بنور الإيمان والعلم وبنور الإسلام الزاهر، وما كانت الدنيا أمامهم إلا ذليله مهانة؛ فلما عكست الأسرة عكست الأحوال.
يقول الدكتور حمد بن صالح السحيباني حول الأندلس ومسلمي الأندلس:
«ويدرك المتتبع لتاريخ مسلمي الأندلس أن هناك ارتباطا قوياً وصلة وثيقة بين قوة المسلمين والتزامهم بدينهم؛ ففي الفترات التي كان المسلمون يحافظون فيها علی أصالتهم وروحهم المعنوية حينما يتمسكون بأواصر دينهم كانت تدين لهم السيادة في معظم أجزاء شبه جزيرة الأندلسية…
فقد ذكرالمورخون عن عقبة بن حجاج السلولي ( 116- 121هـ) أنه لما خير بين ولاية إفريقيا والأندلس اختار الأندلس وقال إني أحب الجهاد، هذا موضع الجهاد.» (الضعف المعنوي للدكتور السيحباني ص 55)
3-    حفظ مكانة المرأة وإيجاد روح الثقة والإيمان بها:
ينبغي أن تكون قضية المرأة المسلمة في طليعة القضايا التي لا بد للعلماء والدعاة أن يهتموا بها اهتماما خاصاً، فإنها قد وقعت في شبكة الدعايات المزورة والتبليغ الذي ترمي إلی سلب هويتها وحياتها ودحض كرامتها وأنوثتها وقد وقعت في موجات التغریر والدعایات الفاسدة التي تدعم انحلالها عن القيود الإلهية والإنسانية، فإن هذه الدعايات تستر وراءها أغراض حيوانية وأمراض شهوانية، وما تخفي صدور هؤلاء المرضی أكبر.
إن المرأة المسلمة قد وقعت في خضم هذه المعارك الدعوية وفقدت مكانتها المرموقة بين الدعايات الفاضحة التي تری وتشاهدها في التلفاز والوسائل الإعلامية وبين الحقيقة الثابتة في القرآن والسنة، إن المرأة المسلمة و- مع الأسف- يری صباح مساء في الأفلام الأسرية والمسلسلات المفجعة المرأة الغربية أو المستغربة كأنها تتمتع بروح قوية أبية وحصلت علی حرية كاملة تعيش كما تشاء، ولكن قد تغفل عن الحقيقة المرأة الغربية التي ما هي إلا خارمة مهضومة الحقوق ومسلوبة الهدية، وما هذه الصور الخلاعة والفرح الظاهر إلا خضراء الدمن، فإنها تذوق السوء وما هی إلا أجیرة تسعی وراء المادة لكي تحصل علی ما تشبع بطنها، ولا يدعمها حفظ البعل وكرامة الأبناء والبنات والأسرة السالمة، فهي لاجئة ومضطرة إلی هذه الأعمال.
ولا بد أن نعرف للمرأة المسلمة أن الإسلام قد تضمن لها كل معاني الكرامة والإنسانية، وحفظ لها أنوثتها وضعفها الخَلقي والخُلقي، وصانها عن الابتذال والضیاع إذا عرفت قدرها وتوجهت إلی مكانتها اللائقة بها، وما هي في الإسلام إلا تاج البيت وأميرتها ومربية الاطفال ومعلمتها، وما هي في الإسلام إلا كلؤلؤة يسعی المسلم لحفظها وصونها عن الشر والأعمال خارج نطاقها.
إن المرأة لها مكانة سامية في الإسلام، فإنها تستطيع أن تربي في أحضانها الرجال الكبار كالعلماء والفقهاء والمجاهدين والقادة الإسلاميين والشهداء و… كما ربّت الصالحات القانتات قبل هذا في تاريخ الإسلام الحافل بالأمجاد والبطولات مثل خديجة الكبری وأسماء بنت أبي بكر وأسماء بنت عميس ورابعة البصرية و…
4-    إنهاض الغيرة الدينية في قلوب الرجال:
إن اعتبرنا البيت كبلد أو مملكة فالرجل المسئول يعتبر سلطانها وأميرها ويستطيع أن يغير مجراها نحو التربية الصحيحة وإعداد الجیل الناهض جيلاً أبيا مؤمنا حراً أميناً، لكن المشكلة قد تضاعفت في هذا الزمان بسبب الغفلة الشاملة والانسحاب عن ساحات الدين والتعلم والحذر من البرامج الفاسدة.
إن الرجل المسلم قد أغفل عن كل ما يهمه في دينه ويتعلق بصلاح دينه ويقينه وعن كل ما له صلة بالإيمان والإسلام إلا بقدر يسير لا يعتد به، بل يصرف جل أوقاته في المجالس الفارغة والمحاورة حول الدنيا والاشتغال بها والتعمق فيها والمحبة مع أهل الدنيا والغفلة عن الآخرة. هذه المظاهر الخلاعة والمبادئ الفاسدة والمحاورة حولها ذا تأثير كبير في قلوب الرجال بحيث أصبحوا خامل الفكر والذهن حول الدينيات ولا يهتمون بالتربية الصحيحة للأطفال، ويجري في المنازل والأسر برامج مختلفة عن طريق التلفاز والدش وغيرهما ما لها قسط كبير في تخريب الأذهان وتحطيم العقيدة والإيمان وإزالة اليقين علی المعطيات الدينية والتشكيك في القيم القرآنیة والمبادئ الدينية الناجحة، وبسبب صرف الوقت في هذه المجالات أصبح المسلم لا يجد فرصة للذكر والتلاوة والتفكير في آلاء الله تعالی وتعليم الدين والتعمق في العبادة، وهذه العوامل قد تسببت في انحطاطه العظيم وتخلفه الثقافي والإيماني، ولكن الأمل وطيد فيما إذا انتبه المسلم الأبي من سباته العميق وغفلته الطويلة وكافح الذل والهوان بالإيمان الصادق واليقين الصحيح، فلسوف تنقشع سحائب الجهل واللاأبالية، ويصل إلی ميناء الأمن والسلام، فإن هذه الأمة بفضل الله تعالی أمة لا تزال شرارة الحياة والطموح كامنة في رمادها.
إن المسلم المعاصر قد وقع في شبكة التغرير نتیجة الحالات السائدة، ولا يستطيع أن يغير مجری التيار الجارف من المادية وحب الشهوات إلا بأن يتقدم بخطی متسارعة نحو سيرة نبيه صلی‌الله‌عليه ‌وسلم، ويوطد علائقه بهذا البحر الزخار، فيری وجه السعادة والهناء مشرقا وضاءً، ويحصل علی بغيته بعد ما عانی من خلف أو تخلف  مدة بعيدة. وأيضاً قبل كل شيء لا بد أن ينتهضوا  لتوثيق الصلة مع الله تعالی.
5- العناية الفائقة بالجامعيين والمثقفين:
إن الجامعيين والمثقفين یشكلون عددا كبيراً من المسلمين في الممالك الإسلامية، ولا شك أنهم تقدموا في دراسة مناهج العلوم المادية التي أساس جهدها تسخير الكون لصالح الإنسان والانتفاع من موادها، وقد يشاهد قلة التزود الديني في بعضها، فإن هذه الفئة – التي أعتبرها قليلاً بالنسبة إلی الذين لهم عقيدة راسخة وإیمان ثابت بالأحكام الدينية – بفضل مناهجهم التعليمية أحيانا أو تحاشيهم عن فهم القيم الإسلامية والمبادئ الدينية لا يجتمعون بالدين، وتخيمت علی قلوبهم غوائل المادية والحياة الصناعية، وتدعمها الممارسات الإعلامية ووسائل الإعلام.
هذا وقد تضخم مشاكلهم وابتعدوا عن حياة السكون والطمأنينة لأجل التيار الجارف من الفساد، فعلی هذا ینبغی للدعاة والمهتمين بشأنهم أن يقتربوا إلی هذا الجيل المثقف بخطی سريعة وبرامج هادفة نحو تنمية الشعور الديني في نفوسهم وأخلاقهم، وأن يبذلوا جهودا مخلصة لاستحكام صلتهم بالله عزوجل وتوجيههم توجيها إيجابيا صحيحا تعرفهم بينابيع الإسلام الصحيحة ومنابعه الزاخرة بالسعادة والرشاد.
إن المسئولية  تجاه هذه الفئة مسئولية خطيرة لا ينبغي التغافل عنها.
يقول العلامة ابولحسن علي الحسني الندوي:
«إن جهاد اليوم وإن خلافة النبوة وإن أعظم القربات وأفضل العبادات أن تقاوم هذه الموجة اللادينية التي تجتاح العالم الإسلامي وتغزو عقوله ومراكزه، وأن تعاد الثقة المفقودة إلی نفوس الشباب والطبقات المثقفة بمبادئ الإسلام وعقائده وحقائقه ونظمه وبالرسالة المحمدية، وأن يزال القلق الفكري والاضطراب النفسي اللذان يساوران الشباب المثقف، وأن یقنعوا بالإسلام عقلياً وثقافياً، وأن تحارب المبادئ الجاهلية التي رسخت في النفوس وسيطرت علی العقول علميا وعقليا، وأن تحل محلها المبادئ الإسلامية بإقتناع وإيمان وحماسة. لقد مضی علينا قرن كامل وأروبا تغتصب شبابنا وعقولنا، وتنبت في عقولنا الشك والإلحاد والنفاق وعدم الثقة بالحقائق الإيمانية والغيبیة، والإيمان بالفلسفات الجديدة الاقتصادية والسياسية، ونحن معرضون عن مقاومتها، معتمدون علی ما عندنا من تراث، مضربون عن الإنتاج الجديد، معرضون عن فلسفاتها ونظمها ومحاسبتها محاسبة علمية ونقدها وتشريحها كتشريح الأطباء الجراحين ….
إن العالم الإسلامي في حاجة إلی منظمات علمية تهدف إلی إنتاج الأدب الإسلامي القوي الجديد الذي يعيد الشباب المثقف إلی الإسلام بمعناه الواسع من جديد ويحررهم من رق الفلسفات الغربية التي آمن بها كثير منهم بوعي ودراسة وأكثرهم بتقليد وتسليم، ويقيم في عقولهم أسس الإسلام من جديد، ويغذي عقولهم وقلوبهم. إنه في حاجة إلی رجال في كل ناحية من نواحي عالم الإسلام عاكفين علی هذا الجهاد.» (العلامة الشيخ ابوالحسن علي الحسني الندوي، الإسلاميات بين كتابات المستشرقين والباحثين الإسلاميين ص 80-79موسسة الرسالة).
 لاشك أن ابتعاد هذه الطبقه عن فهم القضايا القرآنیة والسنة النبوية وعدم الفرصة السانحة لهم للتدبر في قصص الأنبیاء ومناهج فكرهم وأسلوب دعوتهم الإيمانية قد أثرت في فكرتهم وعقيدتهم، والعناية بهذا الجانب الهام أمر تمهد السبيل لتزويدهم الديني.
يقول العلامة الندوي: «وأعتقد أن أقوی سبب انحراف هذه الطبقة الموجهة للشعوب الإسلامية عن الجادة، وتخليها عن روح الإسلام الصحيحة، وخضوعها الزائد للمفاهيم والقيم المادية المنافية لروح الديانات السماوية، وتمسكها بالأساليب الصناعية والمناهج الفكرية الغربية حتی في تفسير الإسلام في مجال الدعوة والإصلاح العام؛ هو بعدها عن منهج النبوة وجهلها لقیمتها وفضلها علی الحياة والمدنية والعقل الإنساني وشدة حاجة الإنسانية في جميع أدوارها إلی قيادتها، وكذلك غفلتها عن سير الأنبياء والرسل وطبائهم وأخلاقهم.» (العلامة ابوالحسن علي الندوي، النبوة والأنبياء في ضوء القرآن ص 8 دارالقلم)
توثيق الصلة مع القرآن العظيم حاجة ماسة وضرورة ملحة لكل مسلم يقر بهذا الوحي الرباني ولا سيما لهذه الطبقة التي تمتلك الصلاحية والاستعداد لفهم القرآن الصحيح – إذا شاؤا- في ضوء تفاسير العلماء الراسخين ومصاحبتهم ومؤانستهم، وبهذا المعين الصافي يستطيعون أن يعالجوا القضايا العصيبة في العالم الإسلامي وينتصروا للدين الإسلامي ويتقدموا علی مدارج الفضل والرقي الإیماني.

الكاتب: الشيخ عبداللطيف الناروئي (الأستاذ بجامعة دار العلوم)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات