اليوم : 7 يوليو , 2008

طاووس بن كيسان

طاووس بن كيسان

خريطة بلاد فارس زمن بعثة الرسول صلی الله عليه وسلم

خريطة بلاد فارس زمن بعثة الرسول صلی الله عليه وسلم

كان طاووس بن كيسان من سلالة أبناء فارس الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لتحرير بلاد اليمن من حكم الحبشة ؛ فأقاموا هناك وتناسلوا وتوالدوا, وتكاثروا, وعاشوا مستعربين لغة وموطنا , ثم إنهم انخرطوا في دين الله تعالى على أيدي رجال كرام من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , أبي موسى الأشعري و علي بن أبي طالب و معاذ بن جبل رضي الله عنهم, حين بعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاة وهداة.

اسمه ونسبه:
 ذكوان بن كيسان الخولاني الهمداني, أبو عبدالرحمن: من أكابر التابعين, اشتهر بلقبه ( طاووس )
 والطاووس طائر أرضي جميل الشكل , رائع الكسوة من الريش النائم الملون , أنيق المظهر , وحيث إن التابعي الجليل ذكوان بن كيسان كان مقدما على كثير من علماء عصره, وسيما… أنيقا, مفردا , متميزا, فقد لقب بطاووس؛ وغلب اللقب على الاسم , وبه اشتهر وعرف .
قال يحيى بن معين: سمي طاووسا لأنه كان طاووس القراء.
وقال الذهبي: طاووس ابن كيسان، الفقيه القدوة عالم اليمن، أبو عبد الرحمن الفارسي، ثم اليمني الجندي الحافظ. كان من أبناء الفرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له، فقيل: هو مولى بحير بن ريسان الحميري، وقيل: بل ولاؤه لهمدان.
وحديثه في دواوين الإسلام، وهو حجة باتفاق.

مولده:
 أصله من الفرس، وما ذكر أصحاب السير والتواريخ من أي مدينة من مدن فارس.
 ومولده ومنشأه في اليمن.

شيوخه:
روى عن العبادلة الأربعة (عبد الله بن عباس, عبد الله بن عمر, عبد الله بن الزبير, عبد الله بن عمرو بن العاص)   وأبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وسراقة ابن مالك وصفوان بن أمية وعبد الله بن شداد بن الهاد وجابر بن عبد الله، وغيرهم.

تلاميذه:
روى عنه إبراهيم بن ميسرة الطائفي، وأسامة بن زيد الليثى، وحبيب بن أبى ثابت، وسعيد بن حسان، وسليمان التيمى، وابنه عبد الله بن طاووس، وعمرو بن دينار، و ليث بن أبى سليم، ومجاهد، وأبو الزبير المكي، و الزهري، ومكحول الشامي، ووهب بن منبه، وقيس بن سعد, و آخرون.
وروى عن معاذ مرسلا.
قال طاووس: أدركت خمسين من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

صفاته وخلقه:
كان طاووس يخضب رأسه ولحيته بالحناء, ويتقنع فإذا كان الليل حسر.
قال الحارث: رأيت طاووسا يصلي وهو متقنع.
كان يكره أن يعتم بالعمامة لا يجعل تحت الذقن منها شيئا.
قيل: إذا صلى العصر مع أصحابه، استقبلوا القبلة، ولم يكلموا أحداً، وابتهلوا في الدعاء.
كان يكره أن يسأل الإنسان بوجه الله.
قال عبد الله بن طاووس: كان سيرنا إلى مكة مع أبي شهرا فإذا رجعنا سار بنا شهرين، فقلنا له، فقال: بلغني أن الرجل لا يزال في سبيل الله حتى يأتي بيته.
مر بقوم يبيعون المصاحف فاسترجع.
كان طاووس إذا شدد الناس في شيء، رخص هو فيه، وإذا ترخص الناس في شيء، شدد فيه، قال ليث: وذلك للعلم.
عن حنظلة بن أبي سفيان قال: ما رأيت عالما قط يقول: لا أدري أكثر من طاووس.
وقال معمر: احتبس طاووس على رفيق له حتى فاته الحج.
وقال جرير بن حازم: رأيت طاووسا يخضب بحناء شديد الحمرة.
قال عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي: رأيت طاووسا وبين عينيه أثر السجود.
كان طاووس إذا رأى الرؤوس المشوية، لم يتعش تلك الليلة.
وقال إبراهيم بن ميسرة ما رأيت أحدا الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاووسا.
كان رجل يسير مع طاووس، فسمع غرابا [ ينعب ] فقال: خير، فقال طاووس: أي خير عند هذا أو شر ؟ لا
تصحبني، أو قال: لا تمش معي.
وكان مع كل ما حباه الله تعالى من صفات, أشد الناس تواضعا, لا يستعلي على أحد من خلق الله تعالى, لين الجانب, رقيق الحاشية, من غير ذل ولا خنوع, أو ضعف , خصوصا مع أصحاب , السلطان ,وذوى الأمر والنهى , فهو معهم صادق اللهجة , قوى الشخصية, قاسى العبارة أحيانا من غير فحش ولا إيذاء .

إعراضه عن الحكام والأمراء:
وكان يأبى القرب من الملوك والأمراء، قال ابن عيينة: متجنبوا السلطان ثلاثة: أبو ذر، وطاووس، والثوري.
عن ابن طاووس. قال: كنت لا أزال أقول لأبي: إنه ينبغي أن يخرج على هذا السلطان، وأن يفعل به. قال: فخرجنا حجاجاً، فنزلنا في بعض القرى، وفيها عاملٌ لمحمد بن يوسف، أو أيوب بن يحيى، يقال له: أبو نجيح، وكان من أخبث عمالهم، فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا أبو نجيح قد أخبر بطاووس، فجاء فقعد بين يديه، فسلم عليه، فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الآخر، فأعرض عنه، فلما رأيت ما به، قمت إليه، فمددت بيده، وجعلت أسائله، وقلت له: إن أبا عبد الرحمان لم يعرفك. فقال: بلى، معرفته بي، فعل بي ما رأيت. قال: فمضى وهو ساكت، لا يقول لي شيئاً، فلما دخلت المنزل، التفت إلي. فقال لي: يا لكع، بينما أنت زعمت تريد أن تخرج عليهم بسيفك لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك .

من مأثور كلامه و وعظه:
– قال: ما تعلمتَ فتعلمه لنفسك فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة.
وقال لابنه عبدالله: يا بني, صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن معهم, ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم و إن لم تكن معهم, واعلم أن لكل شىء غاية, وغاية المرء حسن عقله.
كان رحمه الله رغم قلة مال يده, حريصا على مظهره الحسن, أناقة وسمتا و نظافة, وهذا شعار المؤمن و دثاره. لقي ذات يوم مسكينا, في ثوبه وسخ, فصاح في وجهه: إن الفقر من الله. فأين أنت من الماء؟
سأل رجل طاووسا عن شيء فقال: تريد أن يُجعَل في عنقي حبل ثم يطاف بي.
– قال: لا أعلمُ صاحبا شرا من ذي مال وذي شرف.
– قال طاووس لفتية من قريش يطوفون بالكعبة: إنكم تلبسون لبوسا ما كان آباؤكم يلبسونها وتمشون مشية ما يحسن الزفافون أن يمشوها.
– كان من دعاء طاووس: اللهم احرمني المال والولد وارزقني الإيمان والعمل.
– إذا سلم عليك اليهودي والنصراني فقل علاك السلم.
– عن طاووس قال: كان يذكر عن بن عباس: الخلع طلاق، فأنكره سعيد بن جبير فلقيه طاوس فقال: لقد قرأت القرآن قبل أن تولد، ولقد سمعته وأنت إذ ذاك همك لقم الثريد.
– عن حبيب: قال: قال لي طاووس: إذا حدثتك بحديث قد أثبته لك فلا تسألن عنه أحد.
قال: من قال واتق الله خير ممن صمت واتق الله.
وقال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج.
قال إبراهيم بن ميسرة: قال لي طاووس: تزوج أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.
قال: البخل: أن يبخل الرجل بما في يديه، والشح: أن يحب أن يكون له ما في أيدي الناس.
قال: كان رجل من بني إسرائيل يداوي المجانين، وكانت امرأة جميلة، فجنت، فجئ بها إليه، فتركت عنده، فأعجبته، فوقع عليها، فحملت منه، فجاءه الشيطان فقال: إن علم بها، افتضحت، فاقتلها، وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه عنها، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه، فجاءهم الشيطان، فقال: إنها لم تمت، ولكن وقع عليها، فحملت، فقتلها ودفنها في بيته، فجاء أهلها فقالوا: ما نتهمك، ولكن أين دفنتها ؟ أخبرنا، ومن كان معك ؟ فنبشوا بيته فوجدوها، فأخذ فسجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فاكفر بالله، فكفر، فقتل، فتبرأ منه الشيطان حينئذ.
قال طاووس: فلا أعلم إلا أن هذه الآية نزلت فيه  (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) الآية [ الحشر: 16 ] أو بمثله.
و يروى أن طاووسا جاء في السحر يطلب رجلا، فقالوا: هو نائم، قال: ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر.
 قال: لقي عيسى عليه السلام إبليس، فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قدر لك، قال: نعم، قال: فارق ذروة هذا الجبل، فترد منه، فانظر أتعيش أم لا، قال عيسى: إن الله يقول: لا يجربني عبدي، فإني أفعل ما شئت.
إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده،  فخصمه.
وروى أبو عبدالله الشامي، قال: استأذنت على طاووس لأسأله عن مسألة، فخرج علي شيخ كبير فظننته هو، فقال: لا، أنا ابنه، قلت: إن كنت ابنه، فقد خرف أبوك، قال: تقول ذاك ! إن العالم لا يخرف، قال: فدخلت، فقال لي طاووس: سل وأوجز، وإن شئت علمتك في مجلسك هذا القرآن والتوراة والإنجيل، قلت: نعم، فقال لي: خف الله مخافة لا يكون شيء عندك أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب للناس ما تحب لنفسك.

ثناء أكابر الأمة عليه:
– قال: عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا قط مثل طاووس.
– قال ابن عباس: إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة.
– قال قيس بن سعد: كان طاووس فينا مثل ابن سيرين في أهل البصرة.
 – قال يحيى وأبو زرعة: ثقة.
 – قال ابن حبان: كان من عباد أهل اليمن ومن سادة التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة.
– وقال أحمد بن حنبل: هؤلاء أصحاب ابن عباس: طاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وجابر بن زيد، وعكرمة. وأصحاب ابن عباس هم المحدثون والمفتون.
قال الزهري: حدثني طاووس، ولو رأيتَه علمتَ أنه لا يكذب.

زهده:
جاء ابن لسليمان بن عبدالملك، فجلس إلى جنب طاووس، فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه ! قال: أردت أن يعلم أن لله عبادا يزهدون فيما في يديه.
قال عبد العزيز لطاووس: ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين يعني سليمان بن عبدالملك – قال: مالي إليه حاجة.
 يروى أن محمد بن يوسف، أو أيوب بن يحيى بعث إلى طاووس بسبع مئة دينار أو خمس مئة، وقيل للرسول: إن أخذها الشيخ منك، فإن الأمير سيحسن إليك ويكسوك، فقدم بها على طاووس الجند، فأراده على أخذها، فأبى، فغفل طاووس، فرمى بها الرجل في كوة البيت، ثم ذهب وقال لهم: قد أخذها، ثم بلغهم عن طاووس شيء يكرهونه فقال: ابعثوا إليه، فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول، فقال: المال الذي بعث به الأمير إليك، قال: ما قبضت منه شيئا، فرجع الرسول، وعرفوا أنه صادق، فبعثوا إليه الرجل الأول، فقال: المال الذي جئتك به يا أبا عبدالرحمن، قال: هل قبضت منك شيئا ؟ قال: لا، ثم نظر حيث وضعه، فمد يده فإذا بالصرة قد بنى العنكبوت عليها، فذهب بها إليهم.

وقفة مع أمير اليمن:
وهذه الوقفة لم تأت من خواء , ولم تظهر من فراغ ,فقد كان أمير اليمن محمد بن يوسف الثقفي – وهو أخو الحجاج – يحمل بين جنبيه قلبا أشد من الحجارة قسوة ,ونفسا لا ترتدع عن الظلم و العسف, وقد اشتد على الناس اشتدادا ضاقوا معه ذرعا , وباتوا في عذاب ونصب . فأراد طاووس رضي الله عنه أن يواجه بالنصيحة, ورفع الحيف عن الناس. وإحقاق الحق؛ فأتاه في دار الإمارة, ومعه التابعي الجليل وهب بن منبه. ودخلا عليه, فلما أخذا مجلسيهما, بادره طاووس بالكلام, وراح يعظه و ينصحه, يرغبه تارة ويرهبه تارة أخرى, ويتدفق في كلامه و وعظه كالنهر السيال لا يحجزه حاجز… و الأمير ساكت سامع؛ فلما انتهى طاووس أو قارب الانتهاء, نادى الأمير على غلام له من حجابه وقال:يا غلام.. أحضر طيلسانا (رداء باهظ الثمن من الحرير) وألقه على كتفي أبى عبد الرحمان. ولم يكن الأمير محمد بن يوسف يريد مكافأة على مقال, أو جزاء لطاووس على ما قدم من نصيحة , و لكن كان يريد الإغراء و الغواية والتجربة ؛ فهو يعرف عن طاووس بأنه أرفع العلماء العاملين عن قبول الهدايا , أو مواصلة السلطان, لقاء ثمن بخمس دراهم معدودات, مهما كثرت .
وأحس طاووس كأن ثقلا ثقيلا يكاد ينوء بحمله قد وضع على كتفيه, وراح وهو ينهى موعظته يحرك كتفيه ليزيح عنهما الطيلسان؛ فلما وقع قام هو وصاحبه وهب مستأذنين, ثم انصرفا.
وحدث ولا حرج عما اعتملت به نفس الأمير الظالم من ثورة و حقد وغضب, ولكنه كتم ذلك, ونوى أن يدخل على نفس طاووس لإذلالها بطريقة أخرى, وأسلوب مغاير.
وبينما التابعيان طاووس و وهب عند الباب, قال وهب له: والله يا أخي لقد كنا في غنى عن إثارة غضب الأمير علينا؛ فما كان عليك من باس لو أخذت الطيلسان, ثم بعته, وأنفقت ثمنه على المحتاجين, من الفقراء والمساكين.
فرد عليه طاووس: هو ما تقول يا أخي, والحق معك, ولكنني راجعت نفسي وخشيت أن يقول العلماء من بعدي: نأخذ كما أخذ طاووس, ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول.

طاووس وابن عباس رضي الله عنهم:
يقول ابن كثير: أدرك طاووس جماعة من الصحابة و روى عنهم, وكان أحد الأئمة الأعلام, قد جمع العبادة والزهادة, والعلم النافع و العمل الصالح, وقد أدرك خمسين من الصحابة, وأكثر روايته عن ابن عباس, وروى عنه خلق من التابعين وأعلامهم.
ولقد تأثر طاووس بمنهجية ابن عباس في العلم وفي المواقف أيضا.
فكانت أكثر روايته في الحديث وفي التفسير عنه, حتى عد أكثر تلامذته حفظا للمأثور عنه.
وكذلك سار على دربه في تجنب خلفاء بني أمية, إلا ما افترضته عليه أمانة النصيحة والطاعة لولي الأمر.

وقفة مع سليمان بن عبدالملك:
وكان ذلك في موسم الحج. فبعد أن طاف سليمان وسعى, طلب إلى أحد من أفراد حاشيته أن يستدعي إليه فقيها عالما يعظه ويذكره. قيل له: هذا طاووس بن كيسان سيد فقهاء عصره وعالم زمانه. فذهب به إلى الأمير وفي نفس طاووس قناعة بأن الدين النصيحة, وأن نصيحة ولي الأمر أوجب الواجبات.
فلما دخل على أمير المؤمنين سلم وجلس.
وكان سليمان على علم سابق بمكانة طاووس لما اشتهر عنه من العلم والفضل , فأحسن استقباله , و أكرم مجيئه, فقربه منه وراح يسأله في المناسك ويصغي إليه في إجلال واحترام.
قال طاووس: فلما شعرت بأن أمير المؤمنين قد بلغ بغيته, ولم يبق لديه ما يسأل عنه, قلت في نفسي: إن هذا المجلس لمجلس يسألك الله عنه يا طاووس, ثم توجهت إليه وقلت: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير بئر في قاع  جهنم, وقد ظلت تهوي في هذه البئر سبعين خريفا حتى بلغت قرارها , أتدري لمن أعد الله هذه البئر من آبار جهنم يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا, ويلك لمن أعدها؟ فقلت: أعدها الله عز وجل لمن أشركه في حكمه فجار.
فأخذت سليمان لذلك رعدة, ظننت معها أن روحه ستصعد من بين جنبيه, وجعل يبكي, فتركته وانصرفت.
وكان سليمان رحمه الله , بكاء من خشية الله, وقافا عند حدوده, مراعيا لما استرعاه من عباده.

موعظته لعمر بن عبد العزيز:
كتب إليه عمر بن عبد العزيز: أوصني يا أبا عبد الرحمن. فبعث إليه طاووس بكتاب فيه سطر واحد يقول: إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله, فاستعمل أهل الخير؛ والسلام.
وحين فض عمر الكتاب وقرأ, قال: كفى بها موعظة . . كفى بها موعظة . .

وقفة مع هشام بن عبد الملك:
قدم هشام بن عبد الملك إلى مكة حاجا؛ فلما قضى نسكه, وأتم حجه قال لبعض خاصته من حشمه: التمسوا لنا رجلا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لم يبق أحد من الصحابة. فقال إذا من التابعين.
فأتي بطاووس, فلما دخل عليه, خلع نعليه عند حاشية البساط, وسلم دون أن يدعو هشاما بأمير المؤمنين؛ ثم راح يخاطبه باسمه, دون أن يكنيه, كما أنه جلس دون أن يؤذن له.
هذه المتابعات آثرت غضب هشام, حتى احمرت عيناه, وكاد ينفجر غيضا, ولكنه كتم ذلك مستدركا أنه في حرم الله تعالى؛ ثم قال لطاووس: ما حملك على ما فعلت يا طاووس؟ فقال: وما الذي صنعته؟! وزاد هذا التجاهل غيض هشام, فقال في حدة: خلعت نعليك بحاشية بساطي, ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين, وسميتني باسمي ولم تكنني,ثم جلست من غير إذني.
فرد طاووس بهدوء وثقة وثبات: أما خلع نعلي بحاشية بساطك, فأنا أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات, فلا يعاتبني, ولا يغضب علي. وأما قولك بأني لم أسلم عليك بإمرة المؤمنين, فلأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك, وقد خشيت أن أكون كاذبا إذا دعوتك بأمير المؤمنين( كان طاووس ميالا إلى آل البيت, ويرى الخلافة والولاية فيهم, دون أن يترجم ذلك إلى مناهضة سياسية أو قتال)
و أما ما أخذته غلي من أني ناديتك باسمك ولم أكنك. فإن الله عزوجل نادى أنبياءه بأسمائهم, فقال: يا داود.. يا يحيى .. يا عيسى .. وكنى أعداءه فقال: (تبت يدا أبي لهب و تب …) وأما قولك بأني جلست قبل أن تأذن لي, فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام بين يديه. فكرهت أن تكون ذلك الرجل.
وكأنما صب من فوق رأس هشام ذنوبا من ماء بارد, ونضح منه العرق خجلا, ولم يحر جوابا؛ ثم تواضع فقال: عظني يا أبا عبد الرحمن.
فقال: إني سمعت على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن في جهنم حيات كالقلال, وعقارب كالبغال, تلدغ كل راع لا يعدل في رعيته. ثم قام وانصرف.

جنازة طاووس:
ولقد قدر للخليفة هشام بن عبد الملك بعد بضع سنين من لقائه الأول بطاووس أن يشهد جنازته, ويصلي عليه. ففي موسم الحج, سنة ست و مائة؛ أفاض طاووس من عرفة مع جموع الحجيج إلى مزدلفة وصلى فيها المغرب والعشاء, ثم وضع جنبه للراحة, وقبيل الفجر كان رضي الله عنه قد أسلم الروح, حين أتاه اليقين؛ ملبيا محرما. وكانت جنازته حاشدة,
فلما حمل أخذ عبد الله بن الحسن بن الحسين بقائمة السرير، فسقطت قلنسوة كانت عليه، ومزق رداؤه من خلفه، فما زايله إلى القبر.

 

 

الكاتب: الشيخ عبدالحميد نور

***********************************
المنابع:
 (العلل) (6016).
تذكرة الحفاظ – (ج 1 / ص 90)
تهذيب الأسماء – (ج 1 / ص 343)
موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل – (ج 3 / ص 425)
الأعلام للزركلي – (ج 3 / ص 224)
الطبقات الكبرى لابن سعد – (ج 5 / ص 538)
مغاني الأخيار – (ج 3 / ص 15)
(تهذيب الكمال) 13/(2958).
تهذيب التهذيب – (ج 5 / ص 9)
سير أعلام النبلاء – (ج 5 / ص 38).

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات