اليوم : 6 يوليو , 2008

الأرض المباركة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

الأرض المباركة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

الجامع الأموي

الجامع الأموي

إن مكانة الشام السامية وأهميتها الإستراتيجية غير خافية على أحد. أرض الأنبياء والرسل، ومهد الأديان السماوية ومولد الحضارات البشرية، ومركز الإمبراطور الروماني والدول البيزنطية المقتدرة و…..أما التي تزيد علی أهمية هذه البلاد ومحبة الشخص المسلم لها، فهي الآيات والروايات المشتملة علی فضائلها ومناقبها. ففي آية «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» من سورة أسرى، تصريح بالبركة للمسجد الأقصى وماحوله، وقد حمل المفسرون البركة المذكورة علی أنها في الدين والدنيا. ومجموعة من الأحاديث المروية عن النبي صلى الله وعليه وسلم تدل على أنها مختصة بأرض الشام الجميلة، لذلك رغب  كثير من أهل العلم بالإفراد في التصنيف عن الشام وفضائله، ككتاب مناقب الشام وأهله لإبن تيمية، وفضائل الشام للربعي.

كنت أودّ أن أقوم ببحث وجيز بتوفيق الله تعالى في قسم من الأحاديث المروية التي تبين مناقب الشام، ولكن لا يفوتنا في هذا المجال أن ننتبه إلى أن الشام الذي تكلمت عنه الأحاديث والتاريخ، أرض واسعة تشمل الفلسطين والأردن ولبنان والسورية الحاليةِ.

البركة:
روى الإمام بخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى يَمَنِنَا». قَالُوا وَفِى نَجْدِنَا. قَالَ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى يَمَنِنَا». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِى نَجْدِنَا، فَأَظُنُّهُ قَالَ فِى الثَّالِثَةَ «هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».
 وفي رواية أخری: . فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا. وفي رواية جاء بدل  في عراقنا لفظ "مشرقنا" مع زيادة جملة: "وبها تسعة أعشار الشر"، ونقلت هذه الزيادة في رواية أخرى بتعبير "وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال" (فضائل الشام)، حيث تدل علی أن المراد من "في نجدنا" فى الرواية الأولى هو العراق. فهذه الأحاديث تحمل دعاء النبي صلى الله وعليه للشام وهي دعاء البركة، حيث قال عليه الصلاة والسلام "اللهم بارك لنا في شامنا". وجاء حديث صحيح آخر في اول كتاب فضائل الشام بهذا النص: «صلى رسول الله صلی الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل على القوم فقال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا، فقال رجل وفي العراق، فسكت، ثم أعاد قال الرجل وفي عراقنا، فسكت، ثم قال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا اللهم اجعل مع البركة بركة، والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب إلا وعليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا عليها». وفي رواية الى قوله "وفي العراق" وزاد «فأعرض عنه فقال فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب الا وعليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا عليها»(فضائل الشام ودمشق). ففي قوله عليه الصلاة والسلام اللهم اجعل مع البركة بركة دعاء للبركة المضاعفة, ويحتمل أن يكون المراد من البركة الأولی المذكورة في سورة إسراء، فزادها النبي عليه الصلاة والسلام بركةً وفضلا بدعائه. لأجل ذلك نرى الصحابة فضلوا العيش في هذه البلاد بعد فتحها في عهد الخلفاء الراشدين علی كثير من البلاد المفتوحة.

الأمن والإيمان:
من فضائل الشام الأخرى التي أشارت إليه الروايات، كون هذه البلاد آمنة مطمئنة زمن الفتن أو الفتنة الكبرى التي ذكرت في الروايات بالملحمة الكبرى.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ.(رواه الحاكم وأبوداؤد وأحمد). جاء في  رواية سنن ابى داؤد بدل خير منازل المسلمين، خير مَدَائِنِ الشَّامِ، وذكر بدل الملحمة الكبرى، الملاحم، ووردت في رواية "الملحمة" ولم تذكر الصفة، وهي المقتلة او الواقعة العظيمة، وَفِي النِّهَايَة: هِيَ الْحَرْب وَمَوْضِع الْقِتَال، مَأْخُوذ مِنْ اِشْتِبَاك النَّاس وَاخْتِلَاطهمْ فِيهَا، كَاشْتِبَاكِ لُحْمَة الثَّوْب بِالسَّدَى. وَقِيلَ : هِيَ مِنْ اللَّحْم لِكَثْرَةِ لُحُوم الْقَتْلَى فِيهَا. والفسطاط:  بِضَمِّ الْفَاء وَسُكُون السِّين وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْخِبَاء مِنْ شَعْر أَوْ غَيْر،ولكن ما المراد بكون الشام فسطاطا للمسلمين زمن الملاحم. ففيه احتمالان،الأول: أنه بسبب إيمان أهل الشام القوي تقع المعارك العنيفة والحاسمة بين أهل الإيمان والكفرهناك، وبناء علی زيادة خير منازل المسلمين نستطيع ان نقول في الاحتمال الثاني أن بلاد الشام بلاد آمنة وملاجىء مطمئنة للمسلمين الذين يريدون أن يحتفظوا بإيمانهم زمن الفتن والملاحم العظمى، وقد جاء في مسند الإمام أحمد: «أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ»، وفي رواية الطبراني: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْفِتَنة فَالْأَمْن بِالشَّامِ»،والرواية الأخيرة إن كانت ضعيفة الإسناد ولكن لها طرق يقوي بعضها بعضا كما قال إبن حجر، فعلی هذا نستطيع أن نضيف إلى قائمة مناقب الشام، الأمن والإيمان زمن الفتن الشاملة والحروب المدمرة.

موطن الأنبياء والأولياء:
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صفوة الله من أرضه الشام وفيها صفوته من خلقه وعباده ولتدخلن الجنة من امتي ثلة لا حساب عليهم ولا عذاب»،( رواه الطبراني والبيهقي في سننه). وللرواية زيادة "فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ومن دخلها فبرحمته" في معجم الطبراني، ولكنها ضعيفة بسبب الراوى المتروك، اما الرواية الأولی المذكورة صحيحة لغيرها وهي تدل على أن الشام أرض ظهور معظم عباد الله المقربين من الأنبياء والأولياء.
 ينبغي أن أذكر أن حديث الأبدال في الشام وكذلك الحديث الموجود في سنن أبي داؤد الذي يدل علی وجود طائفة خاصة من الأولياء في الشام  حديثان ضعيفان. كتب إبن تيمية في تفسير الأبدال: فسروه بمعان، منها: أنهم أبدال الأنبياء، ومنها: أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا، ومنها: أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات، انتهى باختصار من مجموع فتاوى ابن تيمية (11/433-444، لعل إبن تيمية نقل هذا التفسير من كلام الصوفية، فإن الصوفية جعلوا للأولياء مراتب مختلفة منها الأبدال، فإنه قال في حديث الأبدال في الشام: لأشبه أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.(  مجمع الفتاوي)

مصرع الدجال:
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يأتي المسيح من قبل المشرق همته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهنالك يهلك " (متفق عليه).
هذا الحديث المتفق عليه يحتوي على ثلاثة مطالب بالنسبة إلى دجال، الأول خروجه حيث ذكره بصورة مبهمة، فقال من قبل المشرق، فسّرها الرواية الأخری بخراسان وهي رواية "إن الد جال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان" (أخرجه الترمذي وابن ماجه واحمد). الثاني: ارادته السيئة، فيريد أن يدخل المدينة فيفسد فيها ولكن الملائكة تصرف وجهه قبل الشام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ المَسِيحُ وَلَا الطَّاعُونُ» (صحيح البخاري), المطلب الأخير: هلاكه ومصرعه، فيهلك بالشام وذلك بعد نزول سيدنا عيسی عليه الصلاة والسلام، وأشارت رواية سنن أبي داؤد أن هلاكه يكون بيد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في آخر الرواية فيدركه عند باب لد فيقتله.

مهبط عيسى عليه الصلاة والسلام:
فبعد ظهور الدجال وتجوله في البلاد للفساد، يأتي وقت نزول عيسى عليه الصلاة والسلام، فإنه هو الذي يستطيع أن يقابل هذا الشر ويهلكه، فمكان نزول عيسى الذي رفعه الله الى السماوات ليس إلا الشام. قال النبي عليه الصلاة والسلام «ينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» (صحيح مسلم, وسنن ابن ماجه، وسنن ابي داؤد).
وذكر في رواية أخری بدل "شرقي دمشق"، "عند باب الشرقي" الذي هو أحد أبواب الدمشق القديمة، لكن لم يذكر الباب في الأحاديث الصحيحة. كتب الإمام نووي في شرح هذا الحديث: «وَهَذِهِ الْمَنَارَة مَوْجُودَة الْيَوْم شَرْقِيّ دِمَشْق، وَدِمَشْق بِكَسْرِ الدَّال وَفَتْح الْمِيم، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع كَسْر الْمِيم، وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ فَضَائِل دِمَشْق» (شرح النووي على مسلم).

أرض المحشر والمنشر:
المنقبة الأخيرة التي نجدها لهذه البلاد أنها محشر الأموات فى قيام الساعة؛ قال رسول الله صلي الله وعليه وسلم: «الشام أرض المحشر والمنشر»، وعن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلی الله عليه وسلم قالت يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال: "أرض المحشر والمنشر"(معجم طبراني, وسنن ابن ماجه)، كما تلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام اكتفى في جواب الصحابية التي أرادت أن تسمع من لسان النبوة فضائل بيت المقدس، بقوله أرض المحشر والمنشر، فهذه الجملة بعد بيان فضيلة بيت المقدس الذي هو أهم مدن الشام وفيه المسجد الأقصى الذي هو أول قبلة المسلمين، تبين لنا أن المراد من الشام في الحديث الأول هو بيت المقدس فقط لا كلّ الشام. نعم مدينة القدس التي احتلّته الصهاينة،منذ سنين.
اللهم ردّ إلينا القدس والأقصى وسائر الأراضى المحتلّة من شامنا المباركة يا رب العالمين آمين!
 
الكاتب: سعادت عبيد اللهي

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات