اليوم : 13 مايو , 2008

ترجمة الإمام مسلم رحمه الله

ترجمة الإمام مسلم رحمه الله

Image 

مقدمة :
لانستطيع أن نقدر جهود أسلافنا ، الذين خدموا في ميادين علوم الإسلام والعربية ، وخلدوا مجداً عظيماً وتراثاً خالداً  خلال قرون مديدة ، زهت فيها أمتنا وتسنمت قيادة العالم وريادته ، فأشرقت الدنيا بنور الإيمان والعلم والمعرفة .

لقد بذل علماءنا قصاری جهدهم في حفظ الحديث ، ورحلوا إلی أماكن نائية لجمع الأحاديث وكل ما يتعلق بها دراية ورواية ، حتی صار هذا الأمر مبعث الدهشة والعجب في التاريخ الإسلامي . يقول المستشرق الألماني « اسبرنكر » في مقدمته لكتاب « الإصابة » : لم تكن فيما مضی أمة من الأمم السالفة ، كما لاتوجد الآن أمة من الأمم المعاصرة ، أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما أتی به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطير ، الذي يتناول أحوال خمسمئة ألف رجل وشؤون حياتهم .
وهذه الرحلات لاتقتصر علی البخاري ومسلم ومن جاء بعدهما ، بل بدأت الرحلة في طلب العلم في جيل الصحابة ، فرحل جابر بن عبدالله الأنصاري إلی الشام ، واستغرق في سفره شهراً ليستمع من عبدالله بن أنيس حديثاً واحداً !!
ورحل أبو أيوب الأنصاري إلی عقبة بن عامر بمصر فلما لقيه قال : حدثنا ما سمعته من رسول الله صلی الله عليه وسلم في ستر المسلم ، فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائداً إلی المدينة المنورة .
وقد إستمرت الرحلة في جيل التابعين ، لأن الصحابة قد تفرقوا في الأمصار والمدن ، يحملون معهم العلم . رحل حسن البصري من البصرة إلی الكوفة في مسألة واحدة !
وخرج عامر الشعبي إلی مكة في ثلاثة أحادیث ذكرت له ، علی أمل أن یلقی أحد الصحابة هناك فيسأله عنها .
واتسع نطاق الرحلة فی طلب العلم في القرنين الثاني والثالث . وكثر طلاب الحديث ، وقد أدرك العلماء أهمية الرحلة ، روي عن يحيی بن معين أنه قال : « أربعة لاتؤنس منهم رشداً ، حارس الدرب ، ومنادي القاضي ، وابن المحدث ، ورجل يكتب فی بلده ولايرحل في طلب الحديث .
أهداف الرحلة عند المحدثين :
1- تحصيل الحديث .
2- التثبت من الحديث .
3- طلب العلو في السند .
4- البحث عن أحوال الرواة .
5- مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها.
وكان للرحلة أثر كبیر في شيوع الحديث وتكثير طرقه ، كما كان لها أثر في معرفة الرجال بصورة دقيقة .
من هو الإمام مسلم؟
اسمه ونسبه :
هو الإمام الكبير ، الحافظ ، المجود ، الحجة ، الصادق ، أبوالحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري ، النيسابوري .
صاحب « الصحيح » وهو من موالي قشير .
النيسابور ( نيشابور حالياً ) : مدينة في خراسان ، والمنتسب إليها جماعة لايحصون .
قال أبو حاتم في تسمية النيسابور : إنما قيل لها نيسابور ، لأن سابور ( شاپور) مربها ، فلما نظر إليها قال : هذه تصلح أن تكون مدينة ، فأمر بها فقطع قصبها ، ثم كبس ، ثم بنيت ، فقيل لها : نيسابور .
نيسابور مشتق من ني وسابور ، الني : القصب . وسابور : إسم الملك .
وكان فتحها زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه  علی يد ابن خالته عبدالله بن عامر بن كريز في سنة 29 هـ ق .
نشأته :
ولد في سنة ( 206) ونشأ في بيت علم وجاه ، فقد كان والده متصدراً لتربية الناس وتعليمهم .
ولاشك أن خير والده في التعليم والتوجيه قد عمّ أهل بيته ، فهم أولی الناس بخيره ، ولذا نجد أن الإمام مسلماً أقبل منذ صغره علی سماع الحديث ، وحفظه .
وكان أول سماع له سنة ثماني عشرة ومئتين ؛ أي : وعمره اثنتا عشرة سنة ، فطاف علی شيوخ بلده ، وسمع الكثير منهم .
وأول من سمع منه : يحيی بن يحيی بن بكير التميمي النيسابوري ( ت 226 هـ ) ، واسحاق بن راهوية ( ت 238هـ ) وقتيبة بن سعيد ( ت 240 هـ ) .
رحلاته :
كان عصر مسلم عصر تبلور الحديث ، برز في القرن الثالث أغلب أئمة الحديث ، وأنشط المدارس رواية ونقداً وتدويناً .
قام مسلم بعدة رحلات في موطنه نيسابور وبلاده خراسان .
ثم رحل إلی الحجاز والمدينة ومكة ، وحج في سنة 220 وهو أمرد .
ثم رحل إلی البصرة والكوفة وبلخ وبغداد وسمع بها من أحمد بن حنبل وغيره ، ورحل إلی مصر والشام ودخل الري أكثر من مرة ، وكان يذاكر العلماء ، ويعلم الناس .
ويمكن تقسيم رحلاته إلی قسمين :
الأول : رحلة التحصيل والطلب ، كرحلاته في داخل بلاده ، ورحلاته إلی الحجاز والشام ومصر ، فلم تذكر المصادر أنه حدث بها ، وإنما ذكرت فقط سماعه من علمائها .
الثاني : مرحلة العطاء والأستاذية ، ويظهر ذلك من خلال مذاكراته العلماء في الأحاديث وعللها ، وتحديث الناس ، وإسماعهم ، ونشر العلم بينهم .
ذكر شيوخه :
بلغ شيوخ مسلم نحو ( 220 ) أخرج عنهم في « الصحيح » وله شيوخ سواهم لم يخرج عنهم في صحيحه .
وإليك بعض شيوخه الذين أخذ عنهم :
1- أحمد بن حنبل .
2- اسحاق بن راهويه .
3- إبراهيم بن خالد اليشكري .
4- إبراهيم بن دينار .
5- أحمد بن جعفر .
6- بشر بن الحكم .
7- حرملة بن يحيی .
8- خالد بن خداش .
9- خلف بن هشام .
10- سهل بن عثمان .
11- عبدالرحمن بن سلام الجمحي .
12- عمرو بن زارة  .
13- محمد بن المثنی .
14- نصر بن علي .
15- يحيی بن معين .
16- يعقوب الدورقي .
17- أبو زرعة .
18- أبو قدامة السرخسي .
19- أبو مصعب الزهري .
20- أبو معمر الهذلي .
الشيوخ الذي لم يخرج عنهم في صحيحه :
منهم علي بن الجعد ، وعلي بن المديني ، ومحمد بن يحيی الذهلي ، و محمد بن عبدالوهاب الفراء .
تلاميذه :
وأشهر من روی عنه من الأكابر :
1- محمد بن عبدالوهاب الفراء شيخه .
2- علي بن الحسين الجنيد الرازي .
3- أبو عيسی الترمذي ( ت 272 هـ ) .
4- إبراهيم بن أبي طالب رفيقه .
5- إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي « الصحيح » .
6- أبو علي عبدالله بن محمد بن علي البلخي الحافظ .
7- عبدالحمن بن أبي حاتم الرازي ( ت 327 هـ ) صاحب « الجرح والتعديل » .
8- أبوبكر بن خزيمة ( ت 311 هـ ) صاحب « الصحيح »  المشهور .
9- مكي بن عبدان . وهو من أشهر تلاميذه الذين لازموه ملازمة تامة واستفادوا منه ، وروی معظم كتبه التي ألفها .
10- الحافظ أبو عوانة الإسفراييني ( 316 هـ ) صاحب « المستخرج علی صحيح مسلم » .
كتبه :
له ( 36 ) كتاباً ، منها المطبوع ومنها المفقود ، في الحديث والرجال ، وأوهام المحدثين ، وأسمائهم ، وطبقاتهم ، وكناهم ، والمنفردات و العلل … وغير ذلك ، من هذه الكتب :
أولاً المطبوع :
1- الأسامي والكنی .
2- أسماء الرجال .
3- التمييز .
4- المسند الصحيح . وهو من أعظم مؤلفات الامام مسلم وقد شرحه الإمام النووي . وسماه مؤلفه : « المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل ، عن رسول الله صلی الله عليه وسلم ».
هذا هو الإسم العلمي للكتاب ، ولكن شاع واشتهر بين الناس بإسم « صحيح مسلم » .
وكتاب مسلم هو ثاني الصحيحين بعد كتاب الله علی مفاضلة في ذلك بينه وبين صحيح البخاري ، فمما يرجح به صحيح البخاري علی صحيح مسلم أنه لابد عند البخاري من ثبوت اللقاء ، واكتفی مسلم بإمكانه .
فان مما نقل عن بعض العلماء من تقديمه صحيح مسلم علی صحيح البخاري فهو راجع : لحسن السياق عند مسلم ، وجودة الوضع والترتيب ، لا إلی الأصحية كما نص علی ذلك أهل العلم .
يقول الإمام النووي : صحيح البخاري أصح وأكثر فوائد ، هذا هو مذهب جمهور العلماء ، ولكن كتاب مسلم في دقادق الأسانید ونحوها أجود.
قال الإمام مسلم : « ما وضعت في كتابي هذا إلا بحجة ، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة » .
وقال : صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة .
5- المنفردات والوحدان .
6- الطبقات .
ثانياً الكتب المفقودة :
1- الإخوة والأخوات .
2- الأقران .
3- أفراد الشاميين .
4- أولاد الصحابة .
5- أوهام المحدثين .
6- التاريخ .
7- الجامع الكبير علی الأبواب .
8- ذكر أولاد الحسين .
9- رواة الإعتبار .
10- سؤالاته أحمد بن حنبل .
11- العلل . وغيرها من المؤلفات المفقودة التي ذكرت في ترجمة الإمام مسلم في مقدمة « صحيح مسلم » التي قام بنشرة دار إحياء التراث العربي .
صلة الإمام مسلم بالإمام البخاري :
قال الإمام النووي : « اتفق العلماء رحمهم الله علی أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان « البخاري » و « مسلم » وتلقتهما الأمة بالقبول . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث » .
وقال أحمد بن حمدون القصار :
« جاء مسلم بن الحجاج إلی محمد بن إسماعيل البخاري ، فتقبل بين عينيه ، وقال : دعني حتی أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين ! وسيد المحدثين ! وطبيب الحديث في علله » .
ولما وقع بين الذهلي والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ ، خرج مسلم من مجلس الذهلي ، وجمع كل ما كان كتب منه ، وبعث به علی ظهر حمال إلی باب محمد بن يحيی الذهلي .
ثناء العلماء عليه :
كان الإمام مسلم أحد أركان الحديث ؛ قال الخليلي : « هو أشهر من أن تذكر فضائله »
وقال اليافعي : « ومناقبه مشهورة ، وسيرته مشكورة » .
قال ابن عبدالبر : « أجمعوا علی جلالته ، وإمامته ، وعلو مرتبته ، وأكبر الدلائل علی ذلك كتابه « الصحيح » الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث » .
وقال السمعاني : « أحد أئمة الدنيا » .
وقال النووي : « أحد أعلام أئمة هذا الشأن ، وكبار المبرزين فيه ، وأهل الحفظ والاتقان ، والرحالين في طلبه إلی أئمة الأقطار والبلدان ، والمعترف له بالتقدم فيه بلاخلاف عند أهل الحذق والعرفان ، والمرجوع إلی كتابه ، والمعتمد عليه في كل الأزمان » .
قال شيخه محمد بن بشار : « حفاظ الدنيا أربعة : أبوزرعة بالري ، ومسلم بنيسابور ، وعبدالله الدارمي بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل ببخاري » .
قال طاش كبری زاده : « إمام خراسان في الحديث بعد البخاري » .
قال الحافظ أبو علي النيسابوري : إمام لايلحقه من بعد عصره ، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره .
وقال : ما تحت أدیم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم .
مهنته :
عاش مسلم من كسب يده فهو صاحب تجارة ، ومتجره بخان محمش ، يبيع فيه البز ؛ قال محمد بن عبدالوهاب الفراء : « كان رحمه الله  بزّازاً » . اي بائع الثياب .
وكانت له أملاك وضياع وثروة بأستواء ، وكان يعيش منها .
مذهب الإمام مسلم في الفروع :
اختلف العلماء في مذهبه ، كما أسلفنا في ترجمة الامام البخاري .
والحق أن مسلماً كان علی مذهب أهل الحديث ، ليس مقلداً لأحد من العلماء . كما قال محمود شاكر في تصحيحه علی « العرف الشذي » للكشميري علی جامع الترمذي .
صفاته :
كان تامة القامة .
عالي الهمة ، كثير النشاط والحركة ، وليس أدل علی ذلك من كثرة رحلاته وتطوافه في البلاد الاسلامية .
قال الشيخ عبدالعزيز الدهلوي في « بستان المحدثين » : « أنه ما اغتاب أحداً في حياته ، ولاضرب ولاشتم » .
وكان كثير الإحسان إلی الناس ، حتی وصفه الذهبي بأنه : « محسن نيسابور » .
وساعده علی ذلك تجارته ، وأملاكه ، وضياعه .
وله ملكة حسنة ، ويضع الأشياء في موضعها ، فهو يتصف بما وصف به أهل نيسابور ؛ من أنهم « أهل رئاسة وسياسة ، وحسن ملكة ، و وضع الأشياء في مواضعها » .
وفاته :
توفي سنة ( 261 هـ ) وهو ابن خمس وخمسين سنة ، ودفن في ميدان زيد ، بنصر آباد ، ظاهر نيسابور .
وكان لوفاته سبب عجيب ، فقد عقد له مجلس للمذاكرة ، فذكر له حديث لم يعرفه ، فرجع إلی منزله وقال لمن في الدار : لايدخلن أحد علي ، فقالوا له : أهديت لنا سلة فيها تمر ، فقدموها إليه ، فكان يطلب الحديث ، ويأخذ تمرة تمرة ، حتی أصبح و وجد الحديث » .
قال الحاكم : « أخبرنا الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات » .
رحمه الله  رحمة واسعة  وأدخله فسيح جناته .
مراجع ومصادر ترجمة الإمام مسلم :
1- سير أعلام النبلاء للذهبي / دارالكتب العلمية ، بيروت .
2- مقدمة صحيح مسلم / دارإحياء التراث العربي ، بيروت .
3- العرف الشذي للكشميري بتصحيح محمود شاكر / دار إحياء التراث العربي .
4- الإمام البخاري الدكتور تقي الدين الندوي / دارالقلم . دمشق .
5- الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي بقلم نور الدين عتر / دارالكتب العلمية بيروت لبنان .
6- مقدمة صحيح مسلم دارالفكر بيروت .

كتبه عبدالحميد جمعة(الاستاذ بالجامعة)

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات