اليوم : 19 مايو , 2008

الكاتب الكبير الأمير شكيب أرسلان

الكاتب الكبير الأمير شكيب أرسلان

Image
فقام الأمير «شكيب أرسلان» جنب الدولة العثمانية ويدافع عنها بالقلم. وحينما اعتدت ايطاليا علی طرابلس شعر أن الوقت وقت سنان لا لسان فيتطوع ويذهب بنفسه للالتحاق بالمجاهدين في ليبيا، وكان في طليعة من دعی إلی صدّ هذا العدوان، وأخذ يرسل الرسائل المتوالية إلی أصدقائه المسلمين يدعوهم إلی مساعدة هذا القطر من البلاد الإسلامية.

   

  

*************************
الكاتب الكبير الأمير شكيب أرسلان

…………….
بقلم / عبدالرئوف الرخشاني (الطالب بجامعة دارالعلوم)
…………….

إن الحمد لله الذي شرّف الإنسان علی سائر المخلوقات بالنطق والبيان ووصف المجاهدين والمصلحين في سبيله بقوله: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»، والصلوة والسلام علی جميع رسله وعلی من دعا بدعوتهم واقتفی آثارهم من العلماء والعاملين والمؤمنين الصادقين المجاهدين.
أما بعد:
فإن التاريخ البشري قد شهد كثيراً من المجاهدين الذين اجتباهم الله جل جلاله للدفاع عن كيان الإسلام ومحافظاً للشريعة الإسلامية، وقالوا للإنسانية: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلی عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلی سعتها ومن جور الأديان إلی عدل الإسلام».
لو ألقينا نظرة عابرة علی أوراق التاريخ، نواجه بأسماء شخصيات يباهي بهم العالم الإسلامي حيث ضحّوا بنفيسهم ورخيصهم وخدموا الإسلام والمسلمين ببيانهم الصريح وقلمهم السيال وجهادهم المتواصل.
كان في طليعة هؤلاء الرجال كاتبنا الكبير «شكيب أرسلان» الذي وضع يده علی أدواء العالم الإسلامي بقلم أديب ماهر وكاتب حكيم.
أريد أن اقدم لكم نبذة من حياته السياسية والدينية في هذا المقال؛ واسلوب البحث يقتضي أن يكون علی أبحاث تالية:
1- الأوضاع السياسية التي عاش فها شكيب ارسلان.
2- نبذة من حياته.
3- نضاله بالقلم والسيف.
4- رسائله ومؤلفاته.
5-  رحلاته الاكتسابية ونشاطاته الدينية.
6- أول من أطلق دعوة للوحدة العربية.
7- خاتمة البحث.

الأوضاع السياسية التي عاش فيها:
فقد أتيح للأمير أن يشهد نهاية القرن التاسع عشر وقريباً من نصف القرن العشرين، فحينما بلغ سنّ الرشد، التفت فرأی الشعوب الإسلامية في نوم عميق، ومن ناحية أخری رأی المستعمرين بديار الإسلام في كل صقع من الأصقاع، وكانت الدولة العثمانية من أمامها وعن يمينها وشمائلها، وقد أخذت الأمراض تفتك بالدولة العثمانية واعتدت ايطاليا علی ليبيا بطرابلس، وقدهاجمت الصهيونية بجميع قواها علی فلسطين، وكان العرب يواجه بإزائها شراً مستطيراً، وكانت الصهيونية مدعمة من جانب الدول الغربية. ثم أصبحت الشام أجزاءً متفرقة تدعی لبنان وسوريا والقدس والأردن؛ وأما ليبيا علی صغرها فقد قسمت إلی ثلاث ولايات، وعلی مقربة منها بذل الفرنسيون جهدهم ببلاد المغرب لتنصير المسلمين. 
رأی الأمير هذه الأوضاع والحوادث المأساوية علی الأمة الإسلامية ولكنه لم ييئس من رحمة الله بل دخل في ميادين المعركة وأعلن جهاده المتواصل وقاتل أعداء الإسلام بالقلم والبيان.

نبذة من حياته:
هو الأمير شكيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان، من سلالة التنوخيين، ينتمي نسبه إلی الملك المنذر بن النعمان.
ولد امير شكيب أرسلان بالشوفيات (القرية التي تقع بين مدينتي بيروت وصيدا) يوم الإثنين في الليلة الأولی من رمضان المبارك سنة 1286 من الهجرة الموافق للخامس والعشرين من كانون الأول سنة 1869.
ولما بلغ الخامسة من عمره دعا له والده معلماً علّمه القراءة والكتابة، ثم ذهبت الأسرة إلی بلدة عين جنوب وهناك أحضر له والده استاذاً اسمه أسعد فيصل، علّمه تلاوة القرآن الكريم وحفظ جانب منه.
بعد رجوع الأسرة إلی شويفات، دخل مع أخيه مدرسة الأمريكان في الشويفات وتلقی دروس الجغرافية والحساب والإنكيزية وغيرها.
حينما بلغ العاشرة من عمره دخل مدرسة الحكمة في بيروت وتلقی فيها دروس العربية علی الشيخ عبدالله البستاني وفيها تعلم الفرنسية والتركية.
وقد زار الإمام محمد عبده مدرسة الحكمة وكان شكيب طالباً فيها وأعجب الإمام بالفتی الذكي الذي بدأ يقول الشعر، ومن ذلك اليوم بدأت علاقته تتوثق بالإمام فيسمع منه ويتأثر به، وكان الإمام من نوادر المعلمين الذين يطبعون تلاميذهم بطابعهم ويبعثون فيهم ذوقاً للعلم، فاثر في الأمير كل تأثير وغرس فيه حب الثقافة والآداب الإسلامية.
وفي عام 1889 سافر شكيب إلی دمشق وحضر مجلس الشيخ محمد المنيني (مفتي الشام) وبدأت صلته بالشيخين الفاضلين المصلحين محمد جمال الدين القاسمي وعبدالرزاق البيطار، كما تعرّف علی الشيخ طاهر الجزائري (رأس علماء الإصلاح في سورية) ومن هناك بدأت رحلاته العلمية والسياسية واستمرت نحو أربعين سنة.
وعاد شكيب إلی وطنه ورأی بيروت بعد الهجرة الطويلة وتجاوز عمره عن ستين واستقبل بحفاوة وإكبار، ولكن صحته كانت قد ضعفت بمرور السنين وكثرة الأمراض، وكان يعاني من هذه الأمراض حتی لحق بجوار ربه في يوم الأثنين ( 15/1/1366) من الهجرة.
آخر ما قاله للأستاذ عبدالله المشنوق حينما التقی به قبل موته بأيام: «أحمد الله عزوجل الذي سهل لي أن أفارق الحياة علی أرض هذا الوطن الذي أحببته»، وقال: «لي وصية واحدة أودّ أن أوصي بها، فهل تعدني بأن تنقلها إلی العالم العربي بعد وفاتي؟ فقال: أوصيكم بفلسطين».
وبعد وفاته صلي عليه في الجامع العمري في بيروت ثم دفن في قرية الشويفات إلی جوار أخيه الأمير عادل أرسلان.
ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً              والناس حولك يضحكون سروراً
فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا            في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

نضاله بالقلم والسيف:
عاش الأمير شكيب حياةً حافلة أشبه بحياة المناضلين الأوائل وأصحاب العقيدة والقلم، وفتح عينه علی النور فرأی الدولة العثمانية سائرة إلی الأفول، تحيط بها الدول الكبری من كل جانب وتقتنص أطرافها وتتحلب أشداقها شوقاً لابتلاعها.
فقام الأمير «شكيب أرسلان» جنب الدولة العثمانية ويدافع عنها بالقلم. وحينما اعتدت ايطاليا علی طرابلس شعر أن الوقت وقت سنان لا لسان فيتطوع ويذهب بنفسه للالتحاق بالمجاهدين في ليبيا، وكان في طليعة من دعی إلی صدّ هذا العدوان، وأخذ يرسل الرسائل المتوالية إلی أصدقائه المسلمين يدعوهم إلی مساعدة هذا القطر من البلاد الإسلامية وشارك مشاركة فعالة وبناءة مع القائد انور باشا في التصدي للغزو الطلياني.

رسائله ومؤلفاته:
كان الأمير لم يترك يوماً واحداً دون كتابة مقالة نافعة في جريدة أوكتابة بحث علمي، وكان يراسل أمهات الجرائد في مصر وسوريا وتونس والعراق ومراكش، ويكاتب أفذاذ الأعلام من ذوي الرأي والسياسي والأدبي في شتّی ديار الإسلام. وقد ذكرأحد أصدقائه أن الرسالة الواحدة من رسائله كانت تتجاوز عشرين صفحة.
كتب شكيب ذات مرة إلی صديقه: «ماصدر عن قلمي من المكتوبات سنة 1935 بلغ عدد الرسائل الخصوصية 1781 وعدد المقالات 176 وعدا ذلك حررت كتاباً عن شوقي في 350 صفحة».
وكتب كثيراً من الكتب لايمكن ذكر جميعها في هذا المقال ولكن أكتفي بأشهرهم:
1- الحلل السندية في الأخبار والآثار.
2- تاريخ الدولة العثمانية.
3- حاضر العالم الإسلامي.

رحلاته الإكتسابية ونشاطاته السياسية والدينية:
ارتحل الأمير لأول مرة عام 1890 إلی مصر  واجتمع بالشيخ محمد عبده ولقي صفوة من المفكرين والعلماء مثل الشيخ علي يوسف واحمد تيمور باشا، وفي أواخر هذه السنة سافر الأمير إلی الآستانة والتقی بجمال الدين الأفغاني وسمع منه وتأثر منه، وبعد سنتين سافر إلی فرنسا وهناك تعرّف علی الشاعر احمد شوقي، وفي عام 1908 عيّن مديراً للشويفات ثم قائم مقام لمقاطعة الشوف لمدة ثلاث سنوات، ولما صدر الدستور العثماني سنة  1908 وتألف مجلس المبعوثين بالآستانة سنة  1909 اختير شكيب ليكون نائباً عن حوران.
حينما بدأت حرب البلقان اضطرت الدولة العثمانية لعقد هدنة مع الطليان لتتفرغ لحرب البلقان وسحبت جيوشها من ليبيا فانتحب الأمير شكيب ليكون مفتشاً لبعثات الهلال الأحمر المصري في البلقان فقام بمهمته خير قيام، ووقف علی كثير من أسرار الحرب البلقانية، كما كان له صلات وثيقة وعميقة مع رجال الحكم في العهد العثماني مما أتاح له الوقوف علی أسرار السياسة العثمانية وحقيقة الأوضاع في السلطنة في أواخر عهد السلطان عبدالحميد وفترة عهد الاتحاد والترقي.
وفي سنة 1930م قام برحلة إلی إسبانيا، وعاد إلی جنيف ليكتب كتابه «الحلل السندسية »، كما أخذ في إصدار مجلة «الأمة العربية» باللغة الفرنسية في جنيف، وساعد مجاهدي المغرب العربي في تونس والجزائر ومراكش في جهادهم، وكان قلمه لسان جهادهم مما بوّأه مكانة عالية في قلوبهم.

 أول من أطلق دعوة للوحدة العربية:
إن الأمير شكيب أرسلان أطلق أول دعوة للوحدة العربية وأول فكرة لتأليف الجامعة العربية. وقال له الملك فيصل الأول: «أشهد أنك أول عربي تكلم معي عن الوحدة العربية»، ويروي الدكتور رئيف ابو اللمع أن الأمير قال له بعد قليل من انتهاء الحرب العالمية الأولی: العرب أمة كاملة، أي أن لها جميع العناصر التي يقتضيها كيان الأمم من الجهة السياسية والاجتماعية، فلها عرق واحد ولسان واحد وآمال واحدة، ولكن الذي أضعف هذه الأمة وأفقرها وأقصاها عن السير في موكب المدنية والرقي هو تفكك حلقاتها، واستعمار الأجنبي لها، فأنا جندي من جنودها له ثلاثة أهداف جلية واضحة تمام الوضوح:
الأول: هو الاتحاد
والثاني: هو التحرر
والثالث: هو السير في موكب النهضة والعلم والبحث.
وانطلق الأمير في نضالة الذي لايكل ولايمل مستهدفاً أغراضه الثلاثة، يحدوه بالفعل شعور الجندي، الجندي المغامر الحكيم الذي لايعبأ بتشريد ولايلين لتهديد ولايهتم بالمال ولا براحة البال.

خاتمة البحث:
نعم! هؤلاء العباقرة الذين قد هيأهم الله تعالی في عصورهم لإنقاذ العالم الإنساني من الانتحار والدمار، أناس قد حبسوا أنفسهم وبذلوا جهدهم لدراسة هذا الدين وللدرء عنه اعتداء المعتمدين ولكشف شبه الشاكين بقلمهم ولسانهم وبرحلاتهم المتعددة إلی أقطار العالم للدعوة والإصلاح في ما بين الناس الحكماء والدول والزعماء.
إنهم بذلوا كلّ نفيس في سبيل نشر هذا الدين ورفع كلمة الله «وكلمة الله هي العليا». فلولا هذه الجهود والتضحيات حيناً بعد حين لما بقي من الإسلام إلا اسمه وما بقي من القرآن إلا رسمه، ولكن هؤلاء المؤمنين المغامرين قد نصبوا للأجيال طول قرون واعصار منارات للنور تضيء لهم في غياهب التاريخ من بعيد وتنير لهم السبيل وتُلهِم بالفروسية الإسلامية الصادقة والثورة علی الأوضاع الفاسدة.
وعلی كلٍ إن العالم الإسلامي اليوم في حاجة ملحة إلی مثل هؤلاء الشخصيات الأماجد والعبقريات النوابغ والكتّاب الأفاضل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات