اليوم : 17 مايو , 2008

سلمان الفارسي رضي الله عنه

سلمان الفارسي رضي الله عنه

جانب من مدينة اصفهان

جانب من مدينة اصفهان

لما أنهيت ترجمة إمام النحاة (سيبويه) بدأت بترجمة نجم آخر من النجوم الساطعة في سماء العربية، و لكن رأيت من المناسب أن اوسع في الموضوع و أذكر الأعلام الذين خدموا للإسلام و المسلمين في كل ميادين العلم و المعرفة. و هؤلاء ينسبون إلی أمة عريقة ذات ثقافة و علم، فكان لهذا تأثير في تكوين أفكارهم و توجيه أذهانهم، بل معتقداتهم أحيانا، فكان النزوع إلی العلم فيهم يقارب الجبلة و الطبيعة.
من بلاد فارس، عانق الإسلام مؤمنون كثيرون، فجعل منهم أفذاذاً لا يلحقون في الإيمان، و في العلم و في الدين و في الدنيا.
و إنها لإحدی روائع الاسلام و عظائمه، ألا يدخل بلداً من بلاد من الله إلا و يثير في إعجاز باهر كل نبوغها ويحرك كل طاقاتها و يخرج خبء العبقرية المستكنة في أهلها وذويها، فاذا الفلاسفة المسلمون… و الأطباء المسلمون … و الفقهاء المسلمون…. و الفلكيون المسلمون…. و المخترعون المسلمون…
و اذا بهم يبزغون من كل أفق و يطلعون من كل بلد، حتی تزدحم عصورُ الإسلام الأولی بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل،و الإرادة و الضمير… أوطانهم شتّی، و دينهم واحد!!
و لقد تنبّأ الرسول عليه السلام بهذا المدّ المبارك لدينه، «لو كان الدين عند الثريا لذهب رجل من فارس حتی يتناوله» (مسلم 2546) و الجدير باذكر أن شغف أهل فارس و هوايتهم، العلم و لذلك تبحروا في العلوم السلامية من الفقه و الحديث و التفسير و القراءات و حتی في اللغة العربية، و اذا نلفت النظر إلی الأئمة، نجد أئمة اللغة سيبويه و الجرجاني و القزويني هم أهل فارس و أئمة الحديث: البخاري و مسلم و النسائي و ابوداؤد و الترمذي و ابن ماجة. و هكذا… نری أئمة التفسير و الطب و النجوم …. و هؤلاء قد حاذوا السبق عن قرنائهم من العرب و غيرهم، و الباحث المنصف الواعي يجد ذلك بسهولة. و كلما يأتي لفظ (المولی) في ترجمة كابر من الأكابر من العلماء فيعني أنه من العجم، أسلم علی يد رجل عربي أو قبيلة عربية.
نعترف بتقصيرنا في معرفة أسلافنا الذين عاشوا حقبة من الزمن في هذه الخطة من المعمورة. و لما نقرأ في ترجمتهم و علمهم و جهودهم و إيمانهم و خلوصهم و التزامهم الكتاب و السنة و و مواقفهم الجادة و …. نخجل من أنفسنا حقاً، لأننا تركنا سبيل القدامي و شغلنا بالدنيا و ملذّاتها، و كان هذا من أسباب تأخرنا و من دواعي كتابة هذه السطور في ترجمة من الأعلام النبلاء العباقرة… حتی نعرفهم ونمضي علی دربهم، أستهل الحديث بترجمة الصحابي الجليل «سلمان الفارسي». الذي يبحث عن الحقيقة و يجدها بعد قبات و مصائب شتّی أقراء معي قصة هذا البطل:

   

 

 

*************** عبدالحميد گمشادزهي

 

سلمان الفارسي رضي الله عنه

 

سابق الفرس إلی الإسلام صحب النبي صلی الله عليه وسلم و خدمه و حدث عنه.

قال الذهبي: كان لبيباً حازماً من عقلاء الرجال و عبّادهم و نبلائهم.

له في مسند بقي ستون حديثاً، و أخرج له البخاري أربعة أحاديث، و مسلم ثلاثة أحاديث.(*1)

روي عنه إبن عباس و أنس بن مالك و أبوالطفيل و أبو عثمان النهدي و شرحبيل بن السمط و عبد الرحمن بن يزيد النخعي… و غيرهم.

قال ابن حجر في الإصابة: كان أول مشاهد سلمان الفارسي الخندق و شهد بقية المشاهد و فتوح العراق و ولی المدائن.(*2)

سئل علي رضي الله عنه عن سلمان قال: أدرك العلم الأول و الآخر، بحر لا يدرك قعره و هو منّا أهل البيت. (*3)
قصة إسلامه:

كنت رجلا فارسياً من أهل أصبهان، من قرية منها يقال لها جي و كان أبي دهقانها. و كنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل بي حبه إياي حتی حبسني في بيته كما تحبس الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتی كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة و كانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، و أمرني ببعض ما يريد فخرجت، ثم قال: لا تحتبس علي، فإنك إن إحتسبت علي كنت أهم إلی من ضيعتي، و شغلتني عن كل شئ من أمري.

فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصاری، فسمعت أصواتهم فيها و هم يصلون، و كنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم و سمعت أصواتهم، دخلت إليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، و رغبت في أمرهم، و قلت هذا و الله خير من دين الذي نحن عليه؛ فو الله ما تركتهم حتی غربت الشمس و تركت ضيعة أبي و لم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام.

ثم رجعت إلی أبي و قد بعث في طلبي و شغلته عن عمله كله فلما جئته قال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبة! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوا لله ما زلت عندهم حتی غربت الشمس. قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك و دين آبائك خير منه، قلت: كلا و الله! إنه لخير من ديننا. فخافني، فجعل في رجلي قيداً، ثم حبسني في بيته. قال: و بعثت إلی النصاری، فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصاری، فأخبروني بهم، فقدم عليهم ركب من الشام فأخبروني بهم فقلت: إذا قضوا حوائجهم، و أرادوا الرجعة فأخبروني ففعلوا.

فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتی قدمت الشام. فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، و أحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك و أتعلم منك، و أصلي معك. قال: فادخل. فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة و يرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئاً إكتنزه لنفسه، و لم يعطه المساكين حتی جمع سبع قلال من ذهب و ورق فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع.

ثم مات فاجتمعت إليه النصاری ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا رجل سوء يأمركم بالصدقة، و يرغبكم فيها، فإذا جئتم بها، كنزها لنفسه، و لم يعط المساكين، و أريتهم موضع كنزه سبع قلال مملؤة، فلما رأوها قالوا: و الله لا ندفنه أبداً.

فصلبوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيت رجلا علی دينهم خيراً منه، و لا أعظم رغبة في الآخرة، و زهدا في الدنيا و دأباً علی العبادة و أحببته حبا ما علمت أنني أحببت أحدا مثله قبله فلما حضره قدره، قلت له: إنه قد حضرك من أمر الله ما تری، فبم تأمرني، و إلی من توصي بي؟

قال: أي بني ما أعرف احداً من الناس علی مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل. فلما توفي، أتيت صاحب الموصل فأخبرته الخبر، و أقمت معه ما شاء الله أن أقيم، ثم حضرته الوفاة، فسألته، فدلني علی عابد في نصيبين.

فأتيته و أخبرته خبري، ثم أقمت معه ما شاء الله أن أقيم، فلما حضرته الوفاة سألته، فأمرني أن الحق برجل في عمّورية من بلاد الروم، فرحلت إليه و أقمت معه و اصطنعت لمعاشي بقرات و غنیمات.

ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إلی من توصي بي؟ فقال لي: يا بني ما أعرف أحداً علی مثل ما كنا عليه آمرك أن تاتيه، و لكنه قد أظلّك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً. يهاجر إلی أرض ذات نخل بين حرّتين فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل. و إن له آيات لا تخفی، فهو لا يأكل الصدقة و يقبل الهدية، و إن بين كتفيه خاتم النبوة، إذا رأيته عرفته.

و مرّبي ركب- ذات يوم- فسألتهم عن بلادهم فعلمت أنهم من جزيرة العرب، فقلت لهم: أعطيكم بقراتي هذه و غنمي علی أن تحملوني معكم إلی أرضكم؟ قالوا: نعم. و اصطحبوني معهم حتی قدموا بي وادي القری و هناك ظلموني، و باعوني إلی رجل من يهود. و بصرت بنخل كثير، فطمعت أن تكون هي البلدة التي وصفت لي، و لكنها لم تكنها.
و أقمت عند الرجل الذي اشتراني، حتی قدم عليه يوما رجل من يهود بني قريظة، فابتاعني منه، ثم خرج بي حتی قدمت المدينة!!

فو الله ما هو إلا أن رأيتها حتی أيقنت أنها البلد التي وصفت لي.

و أقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة حتی بعث الله رسوله و حتی قدم «المدينة» و إني لفي رأس نخلة يوماً و صاحبي جالس تحتها إذ أقبل رجل من يهود، من بني عمه، فقال يخاطبه: قاتل الله بني قيلة إنهم ليتقاصفون علی رجل بقباء قادم من مكة يزعمون أنه نبي.

فو الله ما هو إلا أن قالها حتی أخذني العرواء، حتی ظننت لأسقطن علی صاحبي!! ثم نزلت سريعاً أقول: ماذا تقول؟ ما الخبر؟؟

فرفع سيدي يده و لكزني لكزة شديدة، ثم قال: ما لك و لهذا؟ أقبل علی عملك فأقبلت علی عملي. و لمّا أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتی جئت رسول الله صلی الله عليه و سلم بقباء فدخلت عليه و معه نفر من أصحابه، فقلت له: إنكم أهل حاجة و غربة و قد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به. ثم وضعته. فقال الرسول لأصحابه: «كلوا باسم الله»و أمسك هو فلم يبسط اليه يداً فقلت في نفسي: هذه و الله واحدة إنه لا يأكل الصدقة!!

ثم رجعت، وعدت إلی الرسول عليه السلام في الغداة، أحمل طعاماً و قلت له عليه السلام: إني رأيتك لا تأكل الصدقة و قد كان عندي شئ أحب أن أكرمك به هدية؛ و وضعته بين يديه، فقال لأصحابه: «كلوا باسم الله» و أكل معهم.
قلت لنفسي: هذه والله الثانية، إنه يأكل الهدية!!

ثم رجعت فمكثت ما شاء الله، ثم أتيته فوجدته في البقيع قد تبع جنازة، و حوله أصحابه و عليه شملتان موتزراً بواحدة، مرتدياً الاخری، فسلمت عليه، ثم عدلت لأنظر أعلی ظهره، فعرف أني أريد ذلك ، فألقی بُردته عن كاهله، فإذا العلامة بين كتفيه. خاتم النبوة، كما وصفه لي صاحبي.

فأكببت عليه أقبله و أبكي. ثم دعاني عليه الصلاة و السلام فجلست بين يديه، و حدثته حديثي كما أحدثكم الآن يا ابن عباس، ثم أسلمت و حال الرق بيني و بين شهود بدر و أحد.

و في ذات يوم قال الرسول عليه السلام: «كاتب يا سلمان سيدك حتی يعتقك» فكاتبته، و أمر الرسول الصحابة كي يعاونوني. و حرر الله رقبتي، و عشت حراً مسلماً، و شهدت مع رسول الله صلی الله عليه وسلم غزوة الخندق و المشاهد كلها. (*4)

بهذه الكلمات الوضاء العذاب تحدث «سلمان الفارسي» عن مغامرته الزكية النبيلة العظيمة في سبيل بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بالله، و ترسم له دوره في الحياة.

فأي إنسان شامخ كان هذا الإنسان؟

أي تفوق عظيم أحرزته روحه الطلعة، و فرضته إرادته الغلابة علی المصاعب  فقهرتها، و علی المستحيل فجعلته ذلولاً؟
و كان الرسول عليه السلام يطري فطنته و علمه كثیراً، كما كان يطري خلقه و دينه. و كان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يلقبه بـ «لقمان الحكيم» سئل عنه بعد موته فقال: «ذاك امرء منا و إلينا أهل البيت من لكم بمثل لقمان الحكيم؟» (*5)

عن أبي هريرة أن النبي صلی الله عليه وسلم تلا هذه الآية: «و ان تتولوا يستبدل قوما غيركم» قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء؟ قال: فضرب علی فخذ سلمان الفارسي ثم قال: هذا و قومه، لو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس. (*6)
آخی النبي صلی الله عليه وسلم بين سلمان و أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأی أم الدرداء متبذلة. فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً، فقال له: كل، قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتی تأكل. قال: فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم.

قال نم. فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان آخر من الليل. قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، و لنفسك عليك حقاً، و لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. فأتی النبي صلی الله عليه وسلم فذكر له فقال له النبي صلی الله عليه وسلم: صدق سلمان (*7)

و في رواية إبن سيرين قال لأبي الدرداء: يا عويمر! سلمان أعلم منك. لا تخص ليلة الجمعة بقيام و لا يومها بصيام (*8)

ذكاؤه و خبرته

في السنة الخامسة للهجرة، اذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين مكة، متعاهدين مع المشركين و الأحزاب علی ان يعاونوهم في حرب حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد.
و وضعت خطة الحرب الغادرة، علی أن يهاجم جيش قريش و غطفان «المدينة» من خارجها، بينهما يهاجم بنوقريظة من الداخل، من وراء صفوف المسلمين، و فوجئ الرسول و المسلمون يوما بجيش لجب يقترب من المدينة في عدة متفوقة و عتاد مدمدم.

و سقط في أيدي المسلمين، و كاد صوابهم يطير من هول المباغتة.

و صور القرآن الموقف، فقال: «إذ جاؤوكم من فوقكم و من أسفل منكم و إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر و تظنون بالله الظنونا» (*9)

إنها محاولة أخيرة و حاسمة يقوم بها جميع أعداء الرسول: أفرادا و جماعات و قبائل و مصالح….
و جمع الرسول أصحابه لیشاورهم في الأمر. و طبعاً أجمعوا علی الدفاع و القتال و لكن كيف يكون الدفاع؟
هنالك تقدم الرجل الطويل الساقين، الغزير الشعر، الذي كان الرسول يحمل له حبا عظيماً، و إحتراماً كبيراً، تقدم «سلمان الفارسي» و ألقی من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة علی المدينة، فألفاها محصنة بالجبال و الصخور المحيطة بها. بيد أن هناك فجوة واسعة، يستطيع الجيش أن يقتحم منها الحمی في یسر.
و كان سلمان قد خبر في بلاده فارس الكثير من وسائل الحرب و خدع القتال، فتقدم للرسول صلی الله عليه وسلم بمقترحه الذي لم تعهده العرب من قبل في حروبها، و كان عبارة عن حفر خندق يغطي جميع المنطقة الكشوفة حول المدينة.

و الله يعلم ما ذا كان المصير الذي ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لو لم يحفروا الخندق الذي لم تكد قريش تراه حتی دوختها المفاجأة و ظلت قواتها جاثمة في خيامها شهراً و هي عاجزة عن اقتحام المدينة، حتی أرسل الله عليها ذات ليلة ريحاً صرصراً عاتية اقتلعت خيامها، و بدّدت شملها.

و نادی أبو سفيان في جنوده آمراً بالرحيل إلی حيث جاؤوا. فلولاً يائسة منهوكةً.
خلال حفر الخندق إعترضت معاولهم صخرة عاتية.

ذهب سلمان إلی الرسول صلی الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيروا مجری الحفر و عاد الرسول عليه السلام يعاين بنفسه المكان و الصخرة. و حين رآها، دعا بمعول، و سمی الله، و رفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين علی المعول في عزم و قوة، و هوی به علی الصخرة فإذا بها تنثلم و يخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجا عاليا مضيئاً.
يقول سلمان: لقد رأيته يضيء ما بين لا بتيها أي يضيء جوانب المدينة و هتف الرسول صلی الله عليه وسلم مكبراً: «الله اكبر، أعطيت مفاتيح فارس، و لقد أضاء لي منها قصور الحيرة، و مدائن كسري، و إن أمتي ظاهرة عليها»
ثم رفع المعول، و هوت ضربته الثانية، فتكررت الظاهرة، و برقت الصخرة المتصدعة بوهج مضيء مرتفع، و هلل الرسول عليه السلام مكبراً: «الله اكبر، أعطيت مفاتيح الروم، و قد أضاء لي منها قصورها الحمراء و إن أمتي ظاهرة عليها».
ثم ضرب ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها و استسلامها و أضاء برقها الشديد الباهر، و هلل الرسول و هلل المسلمون معه، و صاح المسلمون في إيمان عظيم:

هذا ما وعدنا الله و رسوله
              و صدق الله و رسوله!!

كان سلمان صاحب المشورة بحفر الخندق و كان صاحب الصخرة التي تفجرت منها بعض أسرار الغيب و المصير، حين استعان عليها برسول الله صلی الله عليه و سلم، و كان قائما إلی جوار الرسول يری الضوء. و يسمع البشری، و لقد عاش حتی رأی البشری حقيقة يعیشها، و واقعاً يحياه، فرأی مدائن الفرس و الروم. رأی قصور صنعاء و سوريا و مصر و العراق….

زهده:

لقد عاش سلمان مع الرسول منذ التقی به آمن معه مسلماً حراً، مجاهداً، عابداً، و عاش مع الخلفاء الثلاثة حيث لقي ربه أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه و في معظم هذه السنوات، كانت رايات الإسلام تملأ الأفق، و كانت الكنوز و الأموال تحمل إلی المدينة فيئاً و جزية، فتوزع علی الناس في صورة أعطيات منتظمة و مرتبات ثابتة.
فأين كان «سلمان» في هذا الخضم؟
إنه في ثوبه القصیر الذي انحسر من قصره الشديد إلی ركبتيه.
إنه هو، في جلال مشيبه و بساطة إهابه.
و كان علی ثلاثين ألفاً من الناس يخطب في عباءة يفرش نصفها و یلبس نصفها، و يأكل من عمل يده رضي الله عنه (*10)

ما باله يصنع كل هذا الصنيع و يزهد كل ذلك الزهد، و هو الفارسي، ابن النعمة و ربيب الحضارة؟
لنستمع الجواب منه و هو علی فراش موته، تتهيأ روحه العظيمة للقاء ربها العلي الرحيم.
دخل عليه سعد بن أبي وقاص يعوده، فبكی سلمان.
قاله له سعد: «ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ لقد توفي رسول الله و هو عنك راض» فأجابه سلمان: «و الله ما أبكي جزعاً من الموت، و لا حرصاً علی الدنيا، و لكن رسول الله صلی الله عليه و سلم عهد إلينا عهدا، فقال: ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب، و ها أنذا حولي هذا الأساود»!! يعني بالأساود الأشياء الكثيرة! (*11)
قال سعد: فنظرت، فلم أر حوله إلاّجفنة و مطهرة، فقلت له: يا أبا عبد الله إعهد إلينا بعهد نأخذه عنك، فقال: «يا سعد فاتق الله في حكمك إذا حكمت و في قسمك إذا قسمت و عندهمك إذا هممت»(*12)

رسائله:

 روی مالك في الموطأ: عن يحيی بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلی سلمان: هلمّ إلی الأرض المقدسة. فكتب إليه: إن الأرض لا تقدس أحداً، و إنما يقدس المرء عمله. و قد بلغني أنك جعلت طبيباً، فإن كنت تبرئ، فنعما لك، و ان كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنساناً، فتدخل النار. فكان أبو الدرداء إذا قضی بين اثنين، ثم أدبراعنه، نظر إليهما، و قال متطبب والله إرجعا أعيدا عليّ قصتكما.(*13)
و روی سليمان بن المغيرة: عن حميد بن هلال قال: أوخي بين سلمان و أبي الدرداء، فسكن أبو الدرداء الشام، و سكن سلمان الكوفة، و كتب أبو الدرداء إليه: سلام عليك، أما بعد، فإن الله رزقني بعدك مالاً و ولداً، و نزلت الأرض المقدسة.
فكتب إليه سلمان: إعلم أن الخير ليس بكثرة المال و الولد، و لكن الخير أن يعظم حلمك، و أن ينفعك علمك، و إن الأرض لا تعمل لأحد، إعمل كأنك تری، واعدد نفسك من الموتی(*14)

تواضعه:

و في الأيام التي كان فيها أميراً علی المدائن، لم يتغير من حاله شئ فقد رفض أن يناله من مكافأة الإمارة درهم. و ظلّ يأكل من عمل الخوص و لباسه ليس إلاّ عباءة تنافس ثوبه القديم في تواضعها.
و ذات يوم، و هو سائر في الطريق لقيه رجل قادم من الشام و معه حمل تين، و تمر… كان الحمل يؤود الشامي و يتعبه، فلم يكد يبصر أمامه رجلا يبدو عليه أنه من عامة الناس و فقرائهم، حتی بدا له أن يضع الحمل علی كاهله، حتی إذا أبلغه وجهته أعطاه شيئاً نظير حمله.

و أشار للرجل فأقبل عليه، و قال له الشامي: إحمل عني هذا، فحمله و مضيا معاً.

و إذا هما في الطريق بلغا جماعة من الناس، فسلم عليهم، فأجابوا واقفين: و علی الأمير السلام. فتحير الشامي و زادت دهشته حين رأی بعض هؤلاء يسارع صوب سلمان ليحمل عنه قائلين: عنك، أيها الأمير!!
فعلم الشامي أنه أمير المدائن: «سلمان الفارسي» فسقط في يده، و هربت كلمات الإعتذار و الأسف من بين شفتيه، و اقترب ينتزع الحمل، و لكن «سلمان» هز رأسه رافضاً و هو يقول: لا، حتی أبلغك منزلك!

ورعه:

و يدخل عليه صاحبه يوماً بیته فإذا هو يعجن فيسأله: أين الخادم؟ فيجيبه قائلاً: «لقد بعثناها في حاجة، فكرهنا ان نجمع عليها عملين» و حين نقول «بيته» فلنذكر تماماً، ماذا كان ذلك البيت؟ فحين هم «سلمان» ببناء هذا الذي يسمی مع التجوز بيتاً، سأل البناء: كيف ستبنيه؟

و كان البناء حصيفا ذكيا، يعرف زهد سلمان و ورعه. فأجابه قائلاً: «لا تخف إنها بناية تستظل بها من الحر، و تسكن فيها من البرد، إذا وقفت فيها أصابت رأسك، و إذا اضطجعت فيها أصابت رجلك»، فقال له سلمان: نعم، هكذا فاصنع!!(*15)

وفاته:

مات سنة 36 من الهجرة.
نقل الذهبي عن أهل العلم: عاش سلمان ثلاث مئة و خمسين سنة، فأما مئتان و خمسون، فلا يشكون فيه. و ذكر في تاريخه الكبير أنه عاش مئتين و خمسين سنة، ثم رجع عنه و ما صححه. و قال: أنا الساعة لا أرتضي ذلك و لا أصححه.
قال ابن حجر: لم يذكر (الذهبي) مستنده في ذلك و أظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النبي صلی الله عليه وسلم، و تزوجه إمراة من كندة و غير ذلك مما يدل علی بقاء بعض النشاط لكن إن ثبت ما ذكروه يكون ذلك من خوارق العادات في حقه و ما المانع من ذلك؟ (*16)
و في مرض موته، دعا بمسك، فجاءت زوجته بها، كان قد أصابها يوم فتح «جلولاء» فاحتفظ بها لتكون عطره يوم مماته. ثم دعا بقدح ماء نثر المسك فيه، ثم ماسه بيده، و قال لزوجته: «انضحيه حولي. فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله، لا يأكلون الطعام، و إنما يحبون الطيب».
فلما فعلت قال لها: «إجفئي عليّ الباب وانزلي»، ففعلت ما أمرها به. و بعد حين صعدت إليه، فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده و دنياه. (*17) فكأنه نائم علی فراشه.
رضي الله عنه و عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

 

================================

(*1) سير أعلام النبلاء 1/510
(*2) الإصابة في تمييز الصحابة 2/63
(*3) سير اعلام النبلاء للذهبي 1/543 رجاله ثقات تحقيق شعيب أرنؤوط.
(*4) هذا الحديث منقول- بتصرف يسير- عن سلمان الفارسي تحدث هو به و حكاه لابن عباس رضي الله عنهما و نقله ابن سعد في الطبقات الكبری ج 4 و الذهبي بسنده المطول عن ابن عباس و أخرجه أحمد 5/441 و الطبراني في الكبير برقم (6065)
(*5) رجال حول الرسول/ خالد محمد خالد (39) أخرجه إبن سعد 4/1 و أبو نعيم 1/187 و الاستيعاب 4/223 أنظر سير أعلام النبلاء 1/543

 (*6) أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء و أبو نعيم في تاريخ الاصبهان 1/2
و أخرجه البخاري (4897) في التفسير: باب قوله (و آخرين منهم لما يلحقوا بهم)، من طريق سليمان بن بلال عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً عند النبي صلی الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة «و آخرين منهم لما يلحقوا بهم» قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتی سأل ثلاثاً و فينا سلمان الفارسي. وضع رسول الله صلی الله عليه وسلم يده علی سلمان ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء.
و أخرجه مسلم (2546) في الفضائل: باب فضائل الفرس، مجرداً عن السبب من رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه: «لو كان الدین عند الثريا لذهب به رجل من فارس حتی يتناوله»
و الترمذي في التفسير (3307)
(*7) البخاري (1968) و الترمذي (2415) كلاهما من طريق أبي العميس… (شعيب أرنؤوط)
(*8) ابن سعد 4/1/61. و الذهبي 1/543
 (*9) الأحزاب: الآية 10
(*10) نقله ابن سعد، و أبو نعيم في الحلية، وابن حجر فی الإصابة 2/63، رجال حول الرسول 40
 (*11) رجال حول الرسول/ خالد محمد خالد (41)
(*12) سير أعلام النبلاء للذهبي 1/552 أخرجه ابن ماجه (4104) و أبو نعيم و الطبراني.
(*13) أخرجه مالك في المؤطا 480 باب جامع القضاء و أبو نعيم في الحلية 1/205
(*14) سير اعلام النبلاء الذهبي 1/548
 (*15) رجال حول الرسول. أخرجه عبد الرزاق (20631) و أبو نعيم في الحلية.
(*16) الإصابة لإبن حجر 2/62
 (*17) رجال حول الرسول/ خالد محمد خالد و أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/208 و الذهبي 1/553 بتحقيق شعيب أرنؤوط

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات